صناعة السينما المصرية تنهار وهروب جماعي للمنتجين

فجأة اختفى منتج فيلم “3 شهور” ليعود احمد السقا ومنى زكي مع المخرج وإيقاف تصوير الفيلم. وعندما يتعرض عمل من بطولة نجمين كبيرين، فإن هذا يدقُّ جرس إنذار يشير إلى أن الحديث عن أزمة السينما المصرية تخطى الهواجس وأصبح حقيقة واقعة.

ويحتاج الأمر بالفعل إلى البحث عن سر الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين. وهناك مؤشرات كثيرة تنذر بأن مصادر تمويل السينما المصرية في طريقها للجفاف، مع تعثر كثير من المنتجين وعرقلة بعض الأعمال بسبب أزمات إنتاجية متنوعة.

ووسط أنباء تقول إن الشركة المنتجة للفيلم لا ترغب في استكماله؛ لارتفاع تكاليفه وبسبب مشاكل إنتاجية أخرى- عاد مخرج الفيلم، محمد سامي، من الولايات المتحدة بخُفّي حنين. وأعلن المخرج أن الميزانية المتفق عليها لم تصل للولايات المتحدة للشروع في التصوير هناك، وأن المنتج لا يردُّ على اتصالاته واختفى؛ ما دفعه للعودة لمصر.

وبسبب هذا الموقف الذي حدث في يوليو 2018، قرر أبطال فيلم «3  شهور» أحمد السقا ومنى زكي وخالد الصاوي العودة لمصر من الولايات المتحدة، خاصة أن المنتج إبراهيم إسحاق، مالك شركة «ريماس» لم يرسل باقي مستحقات الشركة الأميركية المنفذة للعمل.

وكان من المقرر أن تتولى الشركة الأجزاء التي ستصور بأميركا مقابل مليون و200 ألف دولار.

إلا أنه بعد وصول فريق العمل إلى هناك تفاجأوا بعدم إرسال الأموال للشركة، واختفاء المنتج، ليقرروا العودة إلى القاهرة بعد رحلة استغرقت أسبوعين.

وبعد خمسة أيام فقط تم تصويرها منذ 3 سنوات من فيلم «ضغط عالي» للممثل نضال الشافعي، ثم توقف الفيلم لظروف الإنتاج الصعبة. ومنذ ذاك الحين، تتردد أنباء عن استئناف تصوير الفيلم، ولكن دون حدوث ذلك  على أرض الواقع، ليصبح أحد ضحايا موجة الهروب الكبير من السينما المصرية التي يبدو أنها مرشحة للتفاقم. واستبعدت الفنانة هالة فاخر، إحدى الممثلات بالفيلم، استكماله، مؤكدةً تعثُّر منتج الفيلم، الذي أجَّل تصويره إلى أجل غير مسمى.

الأكثر إثارةً للدهشة كان ما حدث لفيلم “الجبابرة”، الذي يقوم ببطولته مجموعة من النجوم الشباب مثل عمر مصطفى متولى، وهَنا الزاهد، ومحمد علي رزق، وآخرين. فقد توقف استكمال الفيلم بعد تصوير دامَ أكثر من 6 أشهر، وتبقت أيام قليلة تفصل العمل عن الاكتمال ولا يعلم الممثلون مصير الفيلم إلى الآن.

المشكلات الإنتاجية أوقفت فيلم أحمد حلمي”الجان اتهان”  وتسببته هذه المشاكل الإنتاجية في حرمان أحمد حلمي من المشاركة في ماراثون عيد الأضحى الماضي (صيف 2018). فقد أدت إلى توقف الفيلم بعد فترة من التحضيرات. واضطر حلمي إلى البحث عن سيناريو جديد.

ويكافح كذلك صناع فيلم «عيش حياتك» للفنان سامح حسين حتى يكتمل الفيلم، بعد توقُّفٍ فترة طويلة بسبب الظروف الإنتاجية الصعبة. وبحسب تقارير صحافية، تم تصوير عدد كبير من المشاهد بمنطقة سانت كاترين، في جنوب سيناء، بتكلفة إنتاجية ضخمة أثَّرت على ميزانية الفيلم وتسببت في توقفه.

وأعلنت المطربة ساندي، إحدى المشاركات في العمل، أن التصوير تم استئنافه، بعد توقفه منذ فترة بسبب بعض المشاكل.

موجة الهروب الكبير من السينما المصرية هذه، تذكِّر المتابعين والمعنيِّين بالعمل السينمائي في مصر بأجواء ما بعد انتفاضة 25 يناير وهي الفترة التي شهدت جفافاً وعزوفاً عن إنتاج الأفلام، في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

المخرج الشاب شريف فتحي، يرى أن أحوال السينما المصرية في طريقها إلى ما هو أسوأ  وفسر ذلك قائلاً إن السبب هو الظروف الاقتصادية، وارتفاع أسعار تكلفة إنتاج الأفلام إلى أضعاف الثمن بعد تعويم الجنيه أمام الدولار. وأضاف » كما أن هناك مشكلة ارتفاع أجور الفنانين بشكل مبالغ فيه، قائلاً: الفيلم الذي كان يتكلف 10 ملايين جنيه أصبح يكلف 25 مليون.

حتى الكبار يشاركون في رحلة الهروب الكبير من السينما المصرية

فالشركة العربية توقفت عن الإنتاج، والماسة  تنتج على فترات متباعدة، وأصبح المنتجون المنتظمون في الإنتاج السينمائي يُعَدّون على أصابع اليد الواحدة، وفقاً لتعبيرها. إذ يبدو أن موجة الهروب الكبير من  السينما المصرية انضم لها حتى كبار المنتجين. ومن مشاكل صناعة السينما، بجانب نقص توافر السيولة لدى المنتجين، مشكلة التوزيع، كما تقول علا الشافعي.

فالمعضلة في مصر أن المنتج أصبح هو الموزع في الوقت ذاته، وهو ما لا يوجد بسينمات العالم كـ»هوليوود» أو «بوليوود» أو أي مكان آخر. وترى علا الشافعي أن ذلك يخلق تعارض مصالح، فعندما يكون المنتج هو نفسه صاحب دُور العرض فإنه يعطي الأولوية لفيلمه على حساب باقي الأفلام. لذلك، هناك أفلام «بيتقفل عليها» حسب حد تعبيرها، أي تعاني قلة دُور العرض التي تُعرض فيها، وقِصر مدة عرض الفيلم.

وكان العُرف من قبلُ أن الفيلم يُرفع من دور العرض عندما لا يحقق إيرادات معيَّنة. ولكن مع ظهور ظاهرة «الموزِّع-المنتِج»، أصبحت هناك أفلام يستمر عرضها رغم فشلها على حساب أخرى، كما تقول الناقدة الفنية؛ لأن الموزع عندما ينتج فيلماً يعطيه الأولوية في العرض على حساب أفلام منافسيه.

وكثير من المنتجين هجروا السينما وتوجهوا للدراما التلفزيونية، وفقاً للناقدة علا الشافعي. ومن أسباب موجة الهروب الكبير من السينما المصرية من قبل المنتجين، هو تكبيل صناعة السينما، عن طريق ضغوط الرقابة على الأعمال الفنية وزيادة الضرائب، حسب قولها. علاوة على ارتفاع تكاليف تأجير معدات التصوير وارتفاع الأجور، الأمر الذي  نفّر المنتجين من صناعة السينما وأصبح يهددها.

كل هذه العوامل تغذّي المخاوف من توسُّع موجة الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين، وتوجههم نحو الدراما التلفزيونية كبديل لاستثمار أموالهم.

إذ طالب المهتمون بالحقل الفني بضرورة أن تتخلى الدولة عن سياستها الحالية، التي ترفع بموجبها يدها تماماً عن الإنتاج الفني، والعودة لما كانت عليه من قبل. وكانت الدولة في مصر تتدخل بالسابق في إنتاج المسلسلات والأفلام عبر  قطاع الإنتاج الفني باتحاد الإذاعة والتلفزيون، إلا أنها توقفت عن ذلك؛ بسبب انحسار ميزانية إنتاج الأعمال الدرامية والسينمائية بالتلفزيون المصري، فلم تعد الحكومة تخصص أموالاً لهذا الغرض.

الحكومة دوماً تتحدث عن أهمية الفن، ولكن دون دعم صناعته، حسبما تقول الناقدة علا الشافعي. وأردفت قائلةً: «عندما أدرك الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أهمية الفن، دشن المؤسسة العامة للسينما»، معتبرةً أن مصر في حاجة لمثل هذه المؤسسة حالياً، ولكن بصياغة أخرى. ووصفت رفع الدولة يدها بالكامل عن إنتاج الأعمال الفنية بـ»الأمر الغريب»، معتبرة أن الدولة تقع في خطأ كبير حينما ترى الفن شيئاً تافهًا، فالولايات المتحدة سيطرت على الثقافة العالمية بسبب السينما. وقالت علا الشافعي: مصر كانت تقود الثقافة في العالم العربي بسبب الفن، وكانت صناعة السينما تمثل مصدر دخل كبيراً للبلاد.

بدوره، يتفق المخرج الشاب شريف فتحي مع علا الشافعي؛ إذ يرى أنه لا خيار لحل أزمة السينما المصرية ومعالجة موجة الهروب الكبير من السينما المصرية إلا من خلال تدخُّل الدولة. ويضيف قائلا يجب على الأقل عودة الإنتاج المشترك بين مبنى الإذاعة والتلفزيون وشركات الإنتاج الأخرى.

المصدر: عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *