حياة وموت جمال حمدان مؤلف “شخصية مصر” في حوار مع أصغر أشقائه

jamalhamdan“قيدت جريمة قتله ضد مجهول” .. عبارة تكررت كثيراً قبل غلق ملفات وفاة عدد من النوابغ والعباقرة والعلماء المصريين، ومنهم أحد أعلام الجغرافيا “جمال حمدان” الذى ترك 29 كتاباً و79 بحثاً ومقالة أشهرها كتاب “شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان”، وفي 17 إبريل 1993 تم العثور علي جثته محروقاً في منزله

واعتقد الجميع أن د. حمدان مات وعمره 65 سنة متأثراً بهذه الحروق .. خاصة وأنه لم يكن متزوجا، ولكن د. يوسف الجندي مفتش الصحة بالجيزة أثبت في تقريره أن الفقيد لم يمت مختنقاً بالغاز، كما أن الحروق ليست سبباً في وفاته، لأنها لم تصل لدرجة إحداث الوفاة، كما اكتشف المقربون منه اختفاء مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء من تأليفها، وعلى رأسها كتابه عن “اليهودية والصهيونية” و يقع في ألف صفحة، مع العلم أن النار التي اندلعت في الشقة لم تصل لكتب وأوراق د. حمدان، مما يعني اختفاء هذه المسودات بفعل فاعل، وقد أعلن رئيس المخابرات الأسبق أمين هويدي أن لديه ما يثبت أن الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل حمدان، عموماً .. في الحوار التالي سنحاول اكتشاف بعض تفاصيل الحياة الغامضة التى كان يعيشها جمال حمدان عن طريق أصغر أشقائه

اختفاء “الطباخ” وظهور “الخواجات” وخبطة رأسه وضياع كتبه .. كلها أدلة تؤكد قيام الموساد باغتياله مبارك قال لسكرتيره :” قول لجمال يهمد شوية” .. فنشر بعدها بيومين مقالاً فى “الأهرام” عن الاستبدادية فضح أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل .. وأثبت في عام 1967 أنهم ينتمون إلى امبراطورية “الخزر التترية”

رفض الزواج بسبب قصة حب فاشلة .. وكان يتمني أن يكتب على باب شقته “ممنوع دخول الجغرافيين” تفرّغ 10 سنوات لتأليف كتاب “شخصية مصر” .. ورفض عرضا من القذافي بإنشاء وزارة للتعليم العالي في ليبيا حصل على جائزة قيمتها 11 ألف دولار من الكويت .. فوزعها كلها على إخوته ورفض أن يحتفظ بـ500 جنيه كان يعشق لعب الكرة الشراب فى شوارع شبرا ويهوي الدندنة بأغنيات عبد الحليم وهو يستحم .. ورسم لوحات لنجاة الصغيرة وام كلثوم
بعض الشباب حالياً ربما لا يعرفون الكثير عن جمال حمدان، ماذا عن حياته؟

شقيقى جمال محمود صالح حمدان كان أبرز أعلام الجغرافيا في القرن العشرين، ولد في قرية “ناي” بمحافظة القليوبية في 4 فبراير سنة 1928 وتوفى فى 17 ابريل 1993، ونشأنا في أسرة كريمة طيبة تنحدر من قبيلة “بني حمدان” العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي، حصل على شهادة الثقافة عام 1943، وقد ظهر نبوغه عندما التحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية وظهر حبه لرسم الخرائط في هذه المرحلة وحصل على الترتيب السادس على مستوى القطر المصري كله في شهادة “التوجيهية”، واختار كلية الآداب قسم الجغرافيا، وعندما أنهى دراسته الجامعية بعد حصوله على درجة امتياز مع مرتبة شرف أرسلته الدولة لبعثة إلى انجلترا لمدة 5 سنوات، وحصل على جائزة التقدم العلمى عام 1992 بدولة الكويت و جائزة الدول التشجيعية فى العلوم الاجتماعية عام 1959 فى مصر و جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 1986 و وسام العلوم من الطبقة الاولى عن كتاب شخصية مصرعام 1988 .

ما هو الإنجاز الذى وصل إليه فى كتاباته وثبت صحته بعد رحيله؟

كان جمال حمدان صاحب السبق في فضح أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد، وأثبت في كتابه “اليهود أنثروبولوجيا” الصادر في عام 1967، بالأدلة العملية أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمي هؤلاء إلى إمبراطورية “الخزر التترية” التي قامت بين “بحر قزوين” و”البحر الأسود”، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات “آرثر كويستلر” مؤلف كتاب القبيلة الثالثة عشرة الذي صدر عام 1976 ، كما تحققت العديد من نبوءات جمال حمدان ومنها انهيار الاتحاد السوفيتى وتكتل الغرب وهو ما حدث فى اتفاقية بروكسل التى تمت فى عام 2003 كما أنه تنبأ بانهيار الولايات المتحدة بعد الكراهية المتبادلة مع العالم وهو ما أكده حمدان فى كتاباته عام 1992 إلا أن هذه النبوءة لم تتحقق بعد.

نعرف أنه كان منعزلاً عمن حوله .. هل كان يعاني من الاكتئاب ؟

أخي جمال -رحمه الله- كان شخصية مرحة جدا و نشيطاً و”دمه خفيف”، وكان يعشق لعب الكرة الشراب فى شارع التوفيقية بشبرا وكان يجيد السباحة من خلال تدريبه فى حمام سباحة التوفيقية، كما أنه كان رساماً من الدرجة الأولى.. فقد رسم كل نجوم عصره مثل نجاة الصغيرة وأم كلثوم وعبد الوهاب كما أنه رسم صورة لنفسه طبق الأصل تشعر وأنها مرآة مساحتها متران فى متر ونصف المتر كما كان موسيقارا يعشق الموسيقى الكلاسيكية، وكان يهوي الدندنة بأغنيات عبد الحليم حافظ وهو يستحم.

نعرف أيضا عنه أنه لم يتزوج حتى رحيله.. لماذا؟

ـ في أثناء دراسته بجامعة ( ريدنج) ببريطانيا بين عامي 1948 و 1953 زاملته في التخصص نفسه فتاة إنجليزية تسمى “فيلما” وكانت أيضا تعمل سكرتيرة لمشرفه العلمي البروفسير”ميللر” وجمعتهما قصة حب طوال 5 سنوات وعندما أنهى أخي جمال رسالته للدكتوراه عن” فلسفة الجغرافيا” وهو التخصص الذي حصل 6 فقط على الدكتوراه فيه حينها، طلب منه “ميللر” أن يعمل معه في انجلترا أستاذا مساعداً بالراتب الذي يريده، إلا أن أخي جمال اعتذر له قائلا إنه ينبغي عليه أن يعود إلى مصر. وصممت “فيلما” أن يمكث جمال في انجلترا ولا يغادرها فرد عليها أنه لا يستطيع مغادرة بلده، طالبا منها أن تصحبه إلى مصر، ولكنها قالت له: اذهب أنت، ودعني أفكر. لم تأت فيلما و قرر هو ألا يتزوج بعدها، بمعنى أوضح “اتعقد” من الزواج.

وما سبب تركه التدريس فى الجامعة وتفرغه لتأليف الكتب؟

ذات يوم عندما كنت أزوره، طلب مني توصيل أحد الأظرف الصفراء لوزارة الثقافة، وكان داخله أول كتبه “دراسات في العالم العربي” وسلمته لوزارة الثقافة و بعدها بستة أشهر، قرأت في «الأهرام» خبرا يقول” فوز جمال حمدان بجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية” عام 59 بتوقيع الوزير كمال الدين حسين، وبعد ذلك بدأ جمال في تأليف كتبه عن مصر وقناة السويس والبترول وجغرافية المدن وكان يكتب إهداءات كتبه لأساتذته، ومنهم د. محمد عوض محمد ، وعباس عمار فبدأ زملاء له يغيرون منه، وتساءلوا ساخرين: لماذا تكتب كتبا خارج تخصصك “الجغرافيا”؟ هكذا عندما بدأ جمال في التأليف في أمور خارج نطاق تخصصه، بدأ الحقد يدب في نفوس زملائه وأساتذته، وأذكر أنه قال ذات مرة: لو استطعت أن أكتب على باب شقتي “ممنوع دخول الجغرافيين لفعلت” و جلس في بيته من سنة 1961 وحتى سنة 1963 تجنبا للتفاهات، ثم تفرّغ للكتابة 10 سنوات لتأليف كتاب “شخصية مصر” أحد أهم إنجازاته، وهو الكتاب الذى ينقسم إلى 8 أجزاء، ويتحدث فيه عن مصر وتكوينها الجغرافى، ومن خلال هذا التكوين يسرد طبيعة الشخصية المصرية، وكيفية تعاملها فى الأزمات، وهو الكتاب الأكثر تأثيرا فى علماء الجغرافيا الآن.

هل كان متقشفاً فى حياته بالفعل كما قرأنا عنه؟

فور عودته من الخارج عرضت عليه وزارة التعليم العالي العمل في اليونسكو بباريس، إلا أنه اعتذر وجاءه إلى منزله “عبد السلام جلود” مبعوثا من القذافي عارضا عليه أن يقوم بإنشاء وزارة للتعليم العالي في ليبيا مقابل أي مبلغ يريده لكنه رفض، وقد زاره ذات مرة الأستاذ محمد حسنين هيكل وأخبره بأن لديه عرضا بأن يتولى رئاسة جامعة الكويت، وقد ترك له الأمير تحديد المبلغ الذي يريد مع عرض مبدئي بـ 25 ألف دولار شهريا، فرفض أيضا وعندما حصل على جائزة التقدم العلمي من الكويت في عام 1988 طلب منى توزيع قيمة الجائزة (أكثر من 11 ألف دولار) على إخوته وأبنائهم، وعندما طلبت منه أن أضع فى حسابه فى البنك 500 جنيه فقط لشراء ما يحتاجه من كتب ودوريات عالمية رفض، وقد رفض كل ما أرسلته له من أجهزة كهربائية، هو لم يقتن سيارة أو تليفزيونا أو حتى ثلاجة، وأتذكر أننى أرسلت له مكتبة ليضع عليها كتبه بدلا من رصها على الأرض رفض أن يأخذها، وعندما أردت ذات مرة أن أحتفل أنا وإخوته بعيد ميلاده وأحضرنا التورتة رفض أخذ أي شيء، وطلب من الخادم أن يوزع الطعام على البوابين، وكان يقول لنا بالأمر: ما عندي ستأكلونه ولا أريد كلاما كثيرا.

من كان أقرب أصدقائه؟

أحمد بهاء الدين و محمد حسنين هيكل كانا اقرب أصدقائه، وكانوا يجتمعون فى بيت واحد منهم في أول خميس من كل شهر، وأحمد بهاء الدين كان يسكن قبله بعمارتين فقط.

لماذا كان يرفض الإدلاء بأحاديث صحفية أو الظهور إعلامياً ؟

كان بطبيعته خجولا ومنعزلا عن الآخرين ، وقبل وفاته بشهر واحد استطاعت الصحفية نادية منصور الصحفية بمجلة “الشباب” إجراء حوار معه بحيلة ذكية منها، وصرح فيه أنه انتهي من 3 كتب أولها “اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل” وهو مكون من ألف صفحة، و كان من المفترض أن يأخذه ناشره إلا انه توفى قبلها بيومين، والكتاب الثاني”العالم الإسلامي المعاصر”، والكتاب الثالث عن علم الجغرافيا، وكل هذه الكتب لم نجد لها أي أثر بعد الوفاة، وهنا يكمن السر في نهاية جمال حمدان التي ما زالت غامضة حتي الآن.

هل كنت تشعر انه سيتعرض للاغتيال؟

نعم، فعندما حوكم جارودى فى باريس لتحدثه عن الهولوكوست أيقنت أن اليهود لا يمكن أن يتركوه حيا، كذلك أرسل الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك سكرتيره إلى قائلا:” قول لجمال يهمد شوية” وعندما أبلغته بالرسالة قال لى حاضر، وبعدها بيومين كان قد أرسل مقالاً فى “الأهرام”هجوما على الاستبدادية والحكم السلطوى.

لماذا تشير دائماً إلي أن الموساد وراء قتله؟

لسببين، أولهما أن الطباخ الذي كان يطبخ له فوجئنا بأن قدمه انكسرت وعاد لقريته ولم نعد نعرف له مكانا، والثانى ما قالته لنا جارته بأن هناك رجلاً وامرأة خواجات سكنوا في الشقة الموجودة فوق شقته قبل شهرين ونصف من اغتياله ثم اختفيا بعد قتله، وبعد شهر من الوفاة ذهبنا إلي المستشار هشام سرايا النائب العام وقتها وقلنا له إننا أسرة جمال حمدان نشك في وفاته وأنها بفعل فاعل، خاصة أنه كانت هناك “خبطة” في رأسه بآلة حادة، فقال لنا المستشار هشام سرايا جمال حمدان شخصية غير عادية وكاتب كبير ولا بد من وجود دليل مادي حتي يتم فتح التحقيق من جديد في وفاته، ولأننا لا نملك دليلاً محدداً لم نكرر الأمر.

من الذى أبلغك بخبر وفاته؟

الدكتور صبحي عبد الحكيم رئيس مجلس الشورى وقتها جاء بنفسه إلي البيت وأبلغنا بالكارثة، فذهبنا إلي مشرحة زينهم ووجدنا خبطة فى رأسة وأثار الحروق من قدميه الى رأسه، وبعد مقتله بفترة قابلنى الأستاذ هيكل وقال لي:” هل تتوقع أن جمال حمدان يموت موتة طبيعية” ؟ ثم قال لي: إنك مسئول عن كل ورقة تركها جمال حمدان.

هل كنت تتفق معه دائماً في آرائه؟

جمال حمدان كاد يصاب بالجنون عندما سافر السادات إلي تل أبيب .. وأنا أختلف معه في موقفي من إسرائيل، فأنا عشت الحرب من 67 إلي 73 ورأيت أن أمريكا لا يمكن أن تترك إسرائيل تُهزم، كنت أسمع تليفونات القادة الذين يطلبون السلاح وأشعر بأن إسرائيل مثلما قال جمال حمدان ” جسم سرطاني لا بد أن يُباد” وكلمة الإبادة كانت دائما أبدا علي لسانه، فأنا كونى ضابطا فى الجيش رأيت سلاح أمريكا في حرب 73 جاء إلي إسرائيل مباشرة وشارك في الحرب بدون أن تغير الشارات الأمريكية المدونة عليه.
هل شقته التى كان يعيش فيها لا تزال موجودة حتى الآن؟

اكتشفنا بعد فترة قصيرة من وفاته أن صاحب العمارة باع الشقة. حيث لم يكن له ورثة وليس من حق أحد منا أن يرث الشقة، وبعد أن علمنا بهذه الكارثة سألنا عن كتبه فوجدنا ما تبقي منها في كرتونتين بجوار السلم رماهما من سكن الشقة من بعده، وكانت في هذه الشقة نسخة من رسالة الدكتوراه التي لم يحصل عليها سوي 6 علي مستوي العالم، وكانت هناك مخطوطات بخط يده كثيرة وخرائط رسمها وصور كان يرسمها لنفسه وللآخرين، كل هذا لم يعد له وجود.

حوار: هشام المياني
تصوير: محمد عبد المجيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.