كيسنجر يقترح تنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها لروسيا

بينما تدخل الحرب في أوكرانيا شهرها الرابع، وتلقي بظلالها على العالم، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، إن أوكرانيا يجب أن تتخلى عن جزء من أراضيها، للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا ينهي حرب الأشهر الثلاثة، محذراً من أن الفشل في إحياء المفاوضات مع موسكو، والاستمرار في استعدائها ستكون له عواقب وخيمة على أوروبا على المدى الطويل.

وشدد كيسنجر، في حديثه أمام منتدى الاقتصاد العالمي في “دافوس”، الاثنين 23 مايو (أيار) الحالي، على ضرورة أن يبدأ الجانبان “مفاوضات في الشهرين المقبلين قبل أن تحدث اضطرابات وتوترات لن يتم التغلب عليها بسهولة”، مشيراً إلى أن الموقف المناسب لأوكرانيا هو أن تكون “دولة محايدة، لا جزءاً متكاملاً من أوروبا”.

وأكد الدبلوماسي المخضرم، الذي يعد واحداً من أبرز دعاة السياسة الواقعية في العالم، ضرورة عودة الأمور إلى سابق عهدها، محذراً من أن “مواصلة الحرب في ما بعد تلك المرحلة، لن تكون متمحورة حول حرية أوكرانيا”، وإنما ستفتح الباب لـ”حرب جديدة ضد روسيا نفسها”. وقال كيسنجر، إن روسيا كانت جزءاً أساسياً من أوروبا منذ 400 عام، وأسهمت في توازن القوى خلال الأوقات الحرجة التي مرت بها القارة، ولذلك، فإنه يتوجب على الدول الغربية “تذكر أهمية روسيا وعدم الانغماس في مزاج اللحظة”.

ودعا السياسي الأميركي، الذي شغل منصب وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وقاد بلاده نحو تدشين علاقات دبلوماسية مع الصين، إلى عدم المخاطرة بدفع روسيا إلى تحالف أوثق مع بكين، معرباً عن أمله في أن يتسم الأوكرانيون بالحكمة حيال هذه القضية.

وتأتي تصريحات كيسنجر الأخيرة في الوقت الذي تهيمن فيه الحرب في أوكرانيا على محادثات “دافوس”، أول اجتماع للمنتدى الاقتصادي العالمي منذ أكثر من عامين، إذ فرض تفشي وباء “كوفيد-19” إلغاء الحدث بصيغته الحضورية عام 2021، وتأجيله هذا العام إلى مايو.

ورأى وزير الخارجية الأميركي الأسبق أن الوضع الجيوسياسي على مستوى العالم سيخضع لتغييرات كبيرة بعد انتهاء حرب أوكرانيا، وأنه ليس من الطبيعي أن تكون للصين وروسيا مصالح متطابقة في كل المشكلات المتوقعة. وأوضح كيسنجر في حوار أخير مع صحيفة “فايننشال تايمز” أنه بعد حرب أوكرانيا، سيتعين على روسيا إعادة تقييم علاقتها بأوروبا، على الأقل، وموقفها العام تجاه “الناتو”، مضيفاً، ” من غير الحكمة اتخاذ موقف معاد لخصمين بطريقة تقربهما من بعضهما، وبمجرد أن نتبنى هذا المبدأ في علاقاتنا مع أوروبا، وفي مناقشاتنا الداخلية، أعتقد أن التاريخ سيوفر فرصاً يمكننا من خلالها تطبيق نهجنا التفاضلي”.

في المقابل، يرفض المسؤولون الأوكرانيون فكرة التخلي عن أراضي بلادهم. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موقف بلاده الرافض مطالب روسيا بالسيطرة على مناطق أوكرانية، داعياً إلى الانسحاب الكامل، واغتنم زيلينسكي، الكلمة التي ألقاها أمام منتدى “دافوس” الاقتصادي العالمي، ليناشد العالم دعم بلاده بمزيد من الأسلحة وفرض عقوبات “قصوى” على موسكو. وقال إنه كان من الممكن إنقاذ عشرات آلاف الأشخاص لو أن كييف حصلت على “100 في المئة من احتياجاتنا مرة واحدة في فبراير (شباط)” عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا عسكرياً.

أضاف زيلينسكي، الذي ظهر بقميص زيتوني محاطاً بالإعلام الأوكرانية، “لهذا السبب تحتاج أوكرانيا إلى كل الأسلحة التي نطلبها، وليس فقط تلك التي تم تقديمها”، داعياً إلى فرض حظر نفطي على روسيا، وعقوبات على كل مصارفها، والتخلي عن قطاع تكنولوجيا المعلومات التابع لها، بينما حث الشركات الأجنبية على مغادرتها.

وفي وقت أعلنت روسيا أنها منفتحة على احتمال استئناف محادثات السلام إذا اتخذت أوكرانيا الخطوة الأولى، قال زيلينسكي، مخاطباً “دافوس”، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير مهتم بالمحادثات، أو بأي شيء يناقشه المشاركون في المنتدى.

من جانبه، قال المفاوض الروسي، فلاديمير ميدينسكي، إن روسيا مستعدة لاستئناف محادثات السلام مع أوكرانيا، مؤكداً أن كييف وراء تعليقها. أضاف في مقابلة مع التلفزيون البيلاروسي، “من جانبنا نحن مستعدون لمواصلة الحوار”، وذكر مستشار “الكرملين”، المسؤول عن المفاوضات مع كييف، أن “تجميد المحادثات كان بمبادرة من أوكرانيا”. واعتبر أن “الكرة أصبحت في ملعبهم”، لافتاً إلى أن “روسيا لم ترفض يوماً التفاوض”.

وفي سياق متصل، صعدت القوات الروسية، الثلاثاء، هجومها على آخر جيوب المقاومة في محيط لوغانسك الواقعة في إقليم دونباس، شرق أوكرانيا، في وقت دخلت الحرب شهرها الرابع، ومنذ بدء الحرب في أواخر فبراير الماضي، تمكنت كييف بمساعدة من دول الغرب من التصدي لتقدم قوات جارتها في عديد من المناطق، ومنها العاصمة كييف، غير أن روسيا تركز الآن على تأمين وتوسيع مكاسبها في دونباس والساحل الشرقي الأوكراني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.