جماعة أنصار الإسلام تشكل تهديدًا خطيرًا لأمن منطقة الساحل

إسحاق كفير*

في عام 2017، ظهرت جماعة جهادية جديدة في منطقة الساحل، تُسمَّى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. في البداية، كان يمكن توقع اختفاء الجماعة أو استيعابها من قبل الجماعات الأخرى. ومع ذلك، فلم تنجُ الجماعة فحسب، بل ازدهرت أيضًا، وأصبحت أكثر شهرة من جماعاتٍ مثل تنظيم داعش- ولاية الصحراء الكبرى، وغيرها، ما دفع القوات الفرنسية في المنطقة إلى تحويل انتباهها إليها.

يمكن أن تُعزى الأهمية المتصاعدة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى مؤسسها وزعيمها، إياد أغ غالي، وهو جهادي محترف يُجسّد شخصية “كبير الجماعة“، الذي يمارس السلطة على قادة فرعيين مستقلين من خلال الدعم المادي والسلطة. غالي، الذي تورط سابقًا مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والجماعات المنشقة عنها، والتابعة لها مثل “أنصار الدين” و”كتيبة ماسينا”، ليس مجرد مجاهد، بل هو رجل أعمال عمل في قنصلية مالي في المملكة العربية السعودية لمدة ثلاث سنوات، قبل أن تُرحله السلطات لإقامة علاقاتٍ مع المتطرفين. هذا السجل الشخصي يوضح بجلاء طموح غالي غير المستتر الذي قاده في نهاية المطاف إلى تأسيس جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

يتفوق غالي في استغلال فراغ السلطة المحلية والإقليمية، والروابط القبلية والعائلية، ويحقق مكاسب شخصية إلى جانب المكاسب الأيديولوجية. أحد أبناء عمومته، على سبيل المثال، مالك أبو عبد الكريم، كان أحد كبار عناصر القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المسؤول عن العديد من عمليات اختطاف القاعدة. ولا غرابة أن غالي عمل كمفاوض في أخذ الرهائن والمساومة عليهم بعد ذلك. كما أنه يتمتع بعقلية سياسية فذّة قادرة على فهم الحقائق والفروق الدقيقة في المنطقة. لقد استوعب الدروس المستفادة من إخفاقات الجماعات الأخرى، مثل “دولة أزواد الإسلامية”، التي استمرت بضعة أشهر فقط بسبب فرضها الصارم للقوانين الإسلامية مثل بتر أيدي اللصوص، وحظر الكحول والسجائر والموسيقى.

الشعبوية الرعوية

نجح غالي في تبني سياسية “الشعبوية الرعوية“، التي تستمد من قواعد اللعبة التي يتبعها تنظيم القاعدة لتشكيل تحالفاتٍ مع الجماعات المحلية من خلال الاعتراف بمظالمها المحلية. ساعدت هذه السياسة، إلى جانب حالة التشظي المتنامية في جميع أنحاء منطقة الساحل، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على تحقيق الهيمنة المحلية والمحافظة عليها.

وفي حين أن الجماعة تستخدم العنف بالتأكيد لتحقيق تفوقها، فإنها تخفِّف من حدة ممارسة العنف بمجرد أن تحقِّق الهيمنة المنشودة. وقد أثبت هذا التكتيك فعاليته –ليس فقط بالنسبة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين– لأنه يبثُّ الرعب في قلوب السكان، ويدفعهم إلى الخضوع، ثم ينقل العبء إلى السلطات الحكومية التي لا تحظى بالفعل بشعبية لدى الناس، الذين يرون أنها فاسدة وبطيئة وغير فعّالة. هذه البيئة غير المستقرة تمنح الجماعة ميزة عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع الحكومة.

إضافةً إلى ذلك، تتمتع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بحضورٍ قوي على وسائل التواصل الاجتماعي. فمن خلال الاندماج مع كتيبة ماسينا -جماعة ذكية على وسائل التواصل الاجتماعي، تتمتع بحضورٍ كبير على الإنترنت- نجحت الأولى في تشكيل سردية الصراع. يشتهر أمادو كوفا، زعيم كتيبة ماسينا، باستخدام واتساب وفيسبوك وتلجرام في تجنيد أعضاء من قبائل الفولاني. وتستخدم جماعة أنصار الدين، الجماعة التي أسسها غالي، تطبيق تلجرام لتصوير نفسها على أنها المنافس الرئيس للحكومة العسكرية القمعية في مالي.

وإلى جانب التحديات العملية المتمثلة في توحيد الفصائل المختلفة لمقاومة “الصليبيين“، تُظهر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التزامًا أكثر صرامة بالأجندة اللاهوتية السلفية الجهادية. ففي كتيبين مهمين صدرا في عام 2020، يُسلّط عالم الدين الموريتاني قتيبة أبو نعمان الشنقيطي الضوءَ على كيف أن الجماعات الإرهابية الناشئة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تسحب البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة وداعش. ويبرز الشنقيطي التناقض بين نهج القاعدة البطيء والثابت، الذي يدعو إلى التجنيد والمشاركة المحلية لكسب تأييد السكان والمجندين، ونموذج داعش، الذي يحاول تمكين المجاهدين من العمل.

ما يظهر أيضًا في وثائق الشنقيطي هو التأكيد على الحاجة إلى تحرير فلسطين ودعم القضية الفلسطينية – وهو أمرٌ غير مفاجئ، بالنظر إلى هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في يناير 2019 في أجويلهوك، الذي أسفر عن مقتل عشرة من قوات حفظ السلام التشادية، وإصابة خمسة وعشرين آخرين. وفي إعلان مسؤوليتها، زعمت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أنها جاءت ردًا على التطبيع بين إسرائيل وتشاد، وتضمنت إشارة على دعوة للتحرك من قبل زعيم القاعدة أيمن الظواهري.

تعمل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بشكلٍ رئيس في مالي، وقد أعربت مؤخرًا عن استعدادها للدخول في محادثات سلام مع الحكومة بشرط أن تغادر القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة الدولة، شرط مسبق كان غالي يعلم بالتأكيد أنه لن يُقبل. ومع ذلك، يُنظر إليه على أنه مؤشر على تنامي دهاء الجماعة وفتكها، وقدرتها على توسيع وجودها في جميع أنحاء منطقة الساحل.

أساليب متوازنة

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هي واحدة من العديد من الجماعات التي تشارك في حملةٍ واضحة لزعزعة الاستقرار، وتهدف إلى تسليط الضوء على إخفاقات الحكومة، ولكن دون السماح بانهيار كامل للدولة، الأمر الذي من شأنه أن يخلق فراغًا في السلطة لا يمكنها السيطرة عليه. وبشكل عام، تركز هذه الجماعات على حشد المجندين والاستحواذ على الأراضي والثروات، بينما تترك حكومات المنطقة لتلبية الخدمات والاحتياجات السكانية الأخرى التي لم تتمكن بعد من توفيرها.

يستند هذا التغيير في التكتيكات إلى شيءٍ حذر منه أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الجزائري عبد المالك دروكدال في عام 2010. ذلك أن قيادة دروكدال تسببت في نزوح أعدادٍ كبيرة من السكان مع فرار الناس من مناطق الصراع، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى التدخل وحشد المجتمع الدولي للحيلولة دون حدوث مجاعة جماعية، ومن ثم حُرم الجهاديين من استغلال مظالم السكان.

تدابير مكافحة الإرهاب

الجدير بالذكر أن دول الساحل لجأت إلى اتخاذ تدابير صارمة لمكافحة التهديدات الإرهابية المستمرة. أولًا، ضاعفت هذه الدول نفقاتها الدفاعية. فمنذ عام 2013، ضاعفت بوركينا فاسو ومالي والنيجر إنفاقها الدفاعي من 5.4% من الإنفاق الحكومي إلى أكثر من 10% في عام 2019 – بزيادة قدرها 600 مليون دولار في الإنفاق العسكري. ثانيًا، من خلال العمل مع الفرنسيين والاتحاد الأفريقي وغيرهما، دعمت هذه الدول وجود قوات أجنبية مثل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي أو “عملية برخان” التي تقودها فرنسا (على الرغم من تخفيضها بعد ذلك) لمساعدتهم على مواجهة هذه الجماعات.

وقد حقق هذا التعاون قدرًا من النجاح. فعلى سبيل المثال، قتل الفرنسيون زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي دروكدال في يونيو 2020. ومع ذلك، فما تزال مزاعم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تعصف بأجهزة الأمن المحلية، الأمر الذي يشجع السكان المحليين على الانضمام إلى الجماعات الجهادية إما لأغراضٍ أمنية أو للانتقام.

وختامًا، منطقة الساحل آخذة في أن تصبح أخطر بقعة في العالم، حيث تُكثّف الجماعات الإرهابية من وجودها وتُصعّد من هجماتها الفتّاكة. نجح التدخل الفرنسي القوي في إضعاف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الحدود الثلاثية، ما دفعها إلى التعدي على أراضي داعش. وقد أدى ذلك إلى تعليق مؤقت للحالة الاستثنائية في الساحل، في ظل التناحر بين داعش وتنظيم القاعدة، الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي إيلاء الاهتمام لما يحدث في منطقة الساحل واحتمال تمدد العنف إلى بنين وتوجو.

*عضو المجلس الاستشاري، المعهد الدولي للعدالة وسيادة القانون، وأستاذ مساعد، جامعة تشارلز ستورت.

عين اوروبية على التطرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.