مابين النص والتفسير تاه المؤمنون

كتب وجيه فلبرماير

اول مشكلة في تناول نص دينى هو النظرة اليها على انها نصوص مقدسة، وكلمة نصوص مقدسة بمعنى انها نزلت نصاً بالحرف من عند الله بالكامل ولايصح ابدا تغييرها او تبديلها او اعتبارها نصوص بشرية او تدخل فيها العالم البشري مع ان الذين كتبوها اصلا بشر والذين نقلوها عن الاصل بشر والذين ترجموها بشر.

فنجد ان النص الوحيد المنزل من السماء لدى اليهود هو فقط الوصايا العشر على النبي موسى على اللوحين الحجريين بينما المسيحيون يعتبرون ان كاتبي نصوص الانجيل كانوا مسوقين من روح الله القدوس بحيث يعصمهم من الخطأ والمسلمون يعتبرون كل حرف من القرآن منزل من السماء على لسان ملاك الله جبرائيل ومنه الى محمد.

المشكلة الثانية في النص الدينى (خاصة النصوص المبهمة) هي مشكلة فهم النص في ضوء اللغة الاصلية ومعاني اللغة الاصلية وارتباط هذا النص بثقافة وطبيعة الحياة وقت ان تمت كتابته وكذلك المعنى المقصود من الكلمات وهل هذه الكلمات مازالت تستخدم في عصرنا الحالي وكذلك تأويل النص وتفسيره حسبما اراد الناطق به (هل يقصد هذا ام ذاك ام ماذا)، وكذلك غياب تسجيلات مرئية لاننا لانعلم عندما قال موسى هذا الكلام كيف كانت تعبيرات وجهه وماذا كان يعنى بكلامه ونفس الشئ بالنسبة للسيد المسيح ومحمد.

المشكلة الثالثة في النص الدينى وهي التى فعلا افسدت كل الاديان هي مشكلة التفسير للنص وهو مايسمى عند اليهود التراث والتلمود ومايتم تناقله شفويا، وعند المسيحيين الطقوس والاسرار الكنسية والتفسيرات الروحية والعظات وعند المسلمين يطلق عليه السنة والسيرة المحمدية وتفاسير الائمة الكبار للقرآن والسنة.

فمع مرور الاف السنين اصبح لدينا كم كبير من التراث والتعاليم الشفوية والسنة والقصص والطقوس والتفسيرات والعظات والخطب حتى اصبحت جبل ضخم من التراكمات بعضها تراكمات عفنة او تراكمات للاساطير والخرافات وتم ربطها باسماء الاشخاص او الائمة او القديسين منذ فجر الاديان وحتى اليوم لدرجة ان معظم اصحاب الاديان يتبعون التفسيرات والتأويلات والطقوس اكثر من اتباع كتابهم الاصلي ونص الكتاب الاصلي.

هذا التراكم الخطير للتراث والسنة والطقوس والتفسيرات نتج عنه الدوجما والمفاهيم الخاطئة التى يتداولها الناس وكأنها امور سماوية وهي اصلا صنعها البشر ، واخطر مافي ذلك التفسيرات التى اطلقها البشر التى تعتمد على فكرة النص الحرفى او النص الواحد او الاجتزاء التام او النزع من السياق او التزوير والكذب احيانا.

والمشكلة الاكبر ان تفسيرات الاشخاص تحل محل التفسيرات الحقيقية للنص وتتحول التفسيرات من مجرد تأويلات او اراء شخصية الى نص مقدس لايقل قدسية عن النص الاصلي ، وتجد اتباع الاديان عندما تواجههم بخطأ التفسير يرد عليك، هو انت هاتفهم اكتر من الامام الشافعي وهاتعرف اكتر من الشيخ الشعراوي او هاتفهم احسن من مثلث الرحمات البابا شنوده؟

بل ان اتباع الديانات من المؤمنين عندما يدخلون معك في نقاش عقلاني يستخدمون التفسير الخاطئ او الحرفي او الغير دقيق للنصوص في مجادلة غبية وعنيدة لان الشيخ فلان فسرها كده او البابا فلان فسرها كده او القديس فلان قالها كده فيتم تثبيتك بالمفاهيم الخاطئة بطريقة التحقير لشخصك وكأن الشيخ أوالامام أوالبابا بيفهم احسن منك بينما انت حمار مش بتفهم.

مع ان اي طفل صغير بيفكر صح ممكن يهد بحث كامل لشيخ حصل به على الدكتوارة بمجرد انه يفكر تفكير منطقي وعقلاني وموضوعي خارج تأثيرات العفن المتراكم والتزوير في التفاسير والتى وضعها بشر أيضا.

مثلا لما يطلع شيوخ الاسلام بما فيهم شيخ الازهر ويقعد يشرح لك قوانين وقواعد عدم جواز الزواج للمسلمة من مسيحي، ويجيب آيات ونصوص من السنة والامام الشافعي قال كذا والامام فاصوليا قال كذا مع ان اي طفل ممكن يرد على الكلام ده ببساطة شديدة وبذكاء فطري ان محمد نفسه اول زوجة له كانت نصرانية وهي خديجة بل وعندما قال محمد ان جبرائيل جاءه واخبره انه نبي لم تؤمن خديجة بالاسلام بتاع محمد وماتت وهي نصرانية.

نفس الشئ بالنسبة للارثوذكس الذين يمنعون الزواج من اي طائفة مسيحية اخرى، طيب ايه رأيكم ان زوجة قسطنطين السورية المسيحية تزوجته وهو اصلا وثني يعنى مش مسيحي وعن طريقها  استطاعت ان تلد ابنا جميلا اصبح امبراطوراً مسيحيا وانقذ مئات الملايين من المسيحيين من ان يصبحوا طعام للحيوانات المفترسة ومن القتل والتعذيب في جميع انحاء العالم.

وحتى مايقولون عليه سر الزواج هو اختراع كنسي تم بعد المسيحية بثمانية قرون حيث كان اول زفاف داخل الكنيسة، يعنى كل ملايين المسيحيين السابقين ماكنوش عارفين سر الزواج وفجأة بقى سر في القرن الثامن؟

قضايا كثيرة جدا في الانجيل قام المسيحيون بتفسيرها خطأ ولكن علشان اللى فسروها ناس مشهورة او يقال انهم قديسين ورموز فصعب جدا ان يعاد تفسيرها من جديد لانه كما قلت ان التفاسير في المسيحية ايضا اصبحت مقدسة مثلها مثل نص الانجيل وحتى ان بعض الآيات التى تستخدم بمفهوم ثابت لدى كل المسيحيين لو تأملت فيها ستجد ان المؤمنين تعلموها خطأ ورددوها دون ذرة تفكير او فهم او مراجعة.

لماذا يتوارث الناس المفاهيم الخاطئة ويقدسونها بل واحيانا بلا فهم ولا وعي يرفعونها في مستوى اعلى من نص الكتاب المقدس؟

المسيحيون لديهم خطأ كبير يسمونه “ارشاد الروح القدس” .. انا هنا لا اقصد ان الانسن المؤمن لايرشده الروح القدس حاشا .. كل انسان مؤمن حقيقي اكيد يرشده الروح القدس ولكن هذه المسألة سر بين الله والانسان احنا مانعرفوش ، مانقدرش نحسم ان فلان او علان فعلا مدعم بالروح القدس ام لا اي كان لان هذه الموضوع يؤكده الله وحده

وحلا لهذه المشكلة لابد ان نعتبر كل كتاب او تفسير او عظة لاي من نصوص الكتاب المقدس هي ليست مقدسة ولكنها اجتهادات وافكار خاصة يعنى تفسيرات البابا شنوده هي الاراء الشخصية للبابا شنوده حتى لو دعمها بآيات من الانجيل ممكن انا اقتنع بها او ارفضها .. اناقشها وانتقدها وافحصها لانه صدرت من انسان مثلي مثله.

فكرة ان اي واعظ او خطيب او مفسر مدعم بقوة الروح القدس هي فكرة خاطئة فكل مايصدر عن البشر هو كلام بشري يؤخذ منه ويرد عليه اي كان قائله من الناس واي كانت درجته، كل فكرة وشرح يؤخذ منها ويرد عليها.

لكن عامة المسيحيين مغيبين العقل وكسالي في التفكير، هيقولك هو انت يعنى درست الكتاب المقدس احسن من الانبا فلان او انت هاتفهم الانجيل احسن من الواعظ جون ويسلي؟

دفعنى لكتابة هذه المقال انني دخلت في حوار ساخن مع آخرين عن قصة سقوط ادم، فالبعض يعتقد ان آدم مائة في المائة هو السبب في تعاسته لانه استمع الى صوت شهوته وعصى أمر الله، وهو تفكير سائد في الاوساط المسيحية لكن نقرأ كلام الكتاب المقدس علشان نفهم ان الفكرة دي غلط.

ازاي يعتبر ادم شرير وهو اصلا لم يعرف الخطية؟ يعنى هو قبل ان يعصى امر الله لم يكن لديه الشهوة الشريرة اللى احنا عارفينها ولم يكن له ميول شريرة ولم يتكبر على الله، كل مافعله انه بجهل شديد تأثر بكلام المرأة والحية والدليل على كلامي هو تلك الآية من العهد الجديد: “فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ”

معنى هذه الاية انه قبل ان يعصى ادم لم تكن هناك شهوة شريرة او خطيئة وايضا هناك آية اخرى تؤكد هذا المفهوم ” من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم”

ولما نقول ان بانسان واحد دخلت الخطيئة الى العالم فهذا معناه انه قبل ذلك لم تكن هناك خطيئة، فما ينفعش اننا نحكم على آدم بنفس معايير الحكم بعد وقوعه في الخطيئة، بمعنى مانقدرش نقول ادم بسبب الشهوة والشر اكل من الشجرة .. لانه وقتها لم يكن لديه اي خطيئة او شر.

كمان فيه حاجة مزعجة في بعض التفسيرات بالقول ان آدم هو الذي سقط في الخطيئة بمفرده، ولكن نتناسي ان الله اطلق عليه الحية التى قامت باغراء حواء بان تأكل من الشجرة، فيجي حد يقولك ربنا لايجرب بالشرور .. ايوه صح لكن الكلام ده ينطبق على المخلوقات اللى عرفت الشر، يعنى انت بعد ان سقطت في الخطيئة وخرجت من الجنة مافيش تجارب بالشرور ولكن في حالة ادم هنا الله امتحنه وجربه وبعت له كائن اخر يغير زوجته وخلق له زوجه تغيره يبقى جربه واختبره.

طيب، مافيش حد فكر ان ربنا عاقب ادم بسبب انه عصى امره واصبح في حيز الدينونة اي حكم عليه بالموت والدينونة، طيب ليه ربنا بعد ماحكم عليه ورأي انه مخطئ وادانه رجع ورتب له قصة الفداء والخلاص بابنه يسوع المسيح؟

مش هو خلاص حكم على الانسان بالعقاب؟ ليه بينقذه؟

هايجي حد يقولك علشان ربنا محبة وهو رحيم، تمام ، فعلا هو كذلك وعلشان كده نقدر نفهم الموضوع كله ان المسألة كلها كانت خطة الله من اجل تحويل الانسان الى كائن حر وهو ماناقشته في مقالي السابق “سقوط آدم والتحول من حالة الوعي الجزئي الى الوعي الكامل”

هو ربنا وضع في خطته ان آدم يخطئ ويفهم ان فيه حاجة اسمها خطيئة وشر علشان يبقى مفكر حر يختار بين امرين “الخير والشر” فلو ظل ادم لايعرف الشر لظلت حريته منقوصة لانه لن يستطيع ان يختار ويصبح دائما معرض للسقوط، لان هو مش عارف الشر كويس ، لكن بعد ان سقط وجاء المسيح بدأت البشرية تفهم معنى الحرية والخلاص وعمل الخير والامتناع عن عمل الشر

الكثير من المفاهيم الثابتة والجامدة في الاديان هي سبب العنف والتعصب والغباء لان الناس قدسوا كل شئ ، قدسوا النص وقدسوا البشر وقدسوا التفسيرات وقدسوا الطقوس وقدسوا التراث دون ان يحاولوا ان يفهموا ماذا يفعلون وباي منطق يفعلونه وهل فعلا هذه رسالة الله لهم؟ ام انه رسائل البحر والبشر.

في الاسلام الامر يصبح اكثر صعوبة عن المسيحية حيث ان في الاسلام يوجد تراث اكثر اتساعا واكثر عفنا وتم فيه تبنى العادات والتقاليد القبلية في الجزيرة العربية على انها اوامر نبوية وربانية وهنا سقط المعيار العقلي والمنطقي حيث ان قيمة الفعل والسلوك ليست في انه يدعم الخير ضد الشر ولكن قيمة الفعل في ان فلان فعله او قاله، ماذا قال عمر بن الخطاب وماذا قال محمد وماذا قال البخاري هو الاهم والغير قابل للمناقشة او النقد او المراجعة، لايؤخذ منه ولايرد عليه ولكن يؤخذ التفسير والسيرة على انها مقدسة.

مشكلة اخرى صعبة في الاسلام وهي نصوص القرآن التى تدعو للقتل وسفك الدماء (آيات الجهاد المقدس والتكفير) هي نصوص واضحة مثل وضوح الشمس انها “شريرة جدا” ومحرضة على القتل والعنف وليس هناك اي مجال لسوء الفهم لهذه النصوص، ومن هنا يقوم المفسرون الاوائل والمعاصرين بوضع تفاسير كاذبة تم تجميلها لان الامر لم يعد يمكن اخفاؤه انها نصوص عفنة وشريرة.

لكن بالتفاسير والتأويل يمكن تجميل نصوص  القرآن القبيحة، فضرب المرأة لايكون الا ضربا بسيطا غير مبرحا وتعدد الزوجات يصبح رحمة بالمرأة العانس وحل لمشكلة زيادة عدد الاناث والارامل وقتل الكفار ليس لانهم كفار ولكن لانهم يحاربون دين الله والعمليات الانتحارية هي ليست ارهاب لكنها انتقام من اعداء الله والشرعية.

تصحيح الخطاب الاسلامي بالذات هو من المؤكد سيؤدي في النهاية الى التخلي عن الاسلام لانه ليس هناك اي مجال للاصلاح لان النص الاصلي في القرآن لايمكن حذفه والتفاسير والسيرة تحولت الى قرآن مقدس. الحل الوحيد مع الاسلام هو نهايته او انهياره.

لكن المسيحية فيها دائما امل ، فالكتاب المقدس ليس به نصوص عنيفة او ارهابية والتفاسير المسيحية يمكن ان تخضع للنقاش والحوار بلا مشاكل كبرى بدليل انني اعبر هنا عن وجهة نظري دون اي خوف

لكن في الاسلام انت لاتستطيع ان تنادي بحذف بعض آيات القرآن مثلا او تقريبا ثلثه ، او الاستغناء الكامل عن السيرة والبخاري والتراث فان فعلت ذلك فانت في مثلث خطر الموت والعزل والاضطهاد.

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *