سقوط آدم والتحول من حالة الوعي الجزئي إلى الوعي الكامل

كتب وجيه فلبرماير

حسب رواية العهد القديم لقصة الخلق ووجود آدم نعلم ان آدم ولد صفحة بيضاء لايعرف الا الخير وطاعة الله ولم يعرف الخطيئة او الشر او العصيان، وهذا واضح في شرح الكتاب المقدس لحالة آدم انه خلقه على صورته وكان انسانا كاملاً واستحسن خلقه.

 واكد هذا الكلام بولس الرسول في رسالته الى اهل رومية حيث قال: “وَلِهَذَا، فَكَمَا دَخَلَتِ الْخَطِيئَةُ إِلَى الْعَالَمِ عَلَى يَدِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَبِدُخُولِ الْخَطِيئَةِ دَخَلَ الْمَوْتُ، هَكَذَا جَازَ الْمَوْتُ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ، لأَنَّهُمْ جَمِيعاً أَخْطَأُوا”

الكلام واضح جدا انه قبل سقوط آدم لم تكن هناك خطيئة او شر في سلوكياته وهنا كانت ارادته ليست ناضجة او كاملة لان الذي يختار بين الخير والشر عليه ان يكون لديه معرفة سابقة بالخير والشر ولكن آدم لم يكن يعرف الشر.

ولهذا السبب انا مؤمن الى ان خطة دخول الشر والخطيئة للعالم هي كانت في خطة الله لكي يصل الانسان الى درجة من الوعي الكامل ويختار ان يفعل الخير بوعي كامل رافضا الشر بوعي كامل، ولكن هنا لم يجرب الله الانسان بل اختبره بان اطلق عليه الشيطان.

يعترض الكثيرون على كلامي بفكرة ان الله اطلق الشيطان على الانسان، ولكن الحقيقة ان هذا ليس كلامي انا بل هو كلام الكتاب المقدس حيث ان الشيطان آتي لحواء في صورة الحية القديمة، فلو كان الله يريد منعها من الاختلاط بالانسان الذي خلقه كان من المنطق ان يمنعها من لقاء البشر.

وهنا النقطة التى نتناقش فيها باختلافات كثيرة مع كل من يؤمن بوجود كائن اسمه الشيطان فعلا، لان كثير من البشر لايؤمنون بان هناك مخلوق روحاني اسمه شيطان من الاساس، ولكن الذي يؤمن بوجود شخصية الشيطان لن يختلف معي ان الله قرر ان الانسان والشيطان يعيشان معا، رغم انه كخالق كان في امكانه الفصل بينهما .. اليس كذلك؟

انا ساتناقش مع فكرة الكتاب المقدس وهي ان الشيطان في الاساس كان ملاكاً لايعرف الشر ولا الخطيئة بل لم يكن فقط ملاك بل من اقوى الملائكة التى خلقه الله يتمتع بقدرات فائقة تقترب من صفات الله نفسه ومنحه سلطات كبرى داخل السماء او نستطيع ان نقول قدس الاقداس حيث يتركز وجود الله النور العظيم.

الى هذه اللحظة لم يكن هناك شر في العالم، كل شئ ومخلوق في العالم خاضع له ويسبحه ويخضع له وليس هناك حرية اختيار بالمعنى المفهوم والناضج لان كل الملائكة كان يجب عليها ان تنفذ اوامر الله بدقة.

انا اخمن حسب قصة الكتاب المقدس ان منح بعض الملائكة قدرات وسلطان وبهاء كبير جعل امامها طريق الاختيار متاحاً وهو ان تعيش في خدمة الله وتنفيذ اوامره او تنفصل بقدراتها وسلطانها عن سلطة الله.

وهذه كانت بذرة الشر التى لاعلاقة لها ابدا بالبشر او خلق آدم ولكن لها علاقة بخلق الملائكة وان احد جبابرة هذه الملائكة “لوسفير” تعظم واراد ان يصبح إلها:” أَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ” ، “كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا
 لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ.”

بظهور العصيان الملائكي ظهر مايسمى “الشر” او ابطال الشر Antagonist فاصبح عندنا هنا مفهوم الشر واضح ومصدره واضح وهو ظهور مخلوق يعاند الله وينافسه ويحاربه اي البطل الشرير الذي يقف امام الله اصل الخير.

فكرة الدراما الانسانية لم تكن تكتمل الا بوجود الشيطان حيث يكون هنا لدينا بطل الخير وبطل الشر والاتباع الذين يؤيدون هذا ام ذاك، والفكرة تتميز بان يسقط الانسان في الشر حتى يعرف هناك خير وشر وحتى يصل الى فكرة التمييز بين الخير والشر وبهذا يتحقق النضج بقدرته على الاختيار بين الخير والشر.

وهي بالضبط الفكرة المستخدمة في الدراما في الافلام والمسلسلات والمسرحيات والقصص التى لها بطل Protagonist  ثم الشرير Antagonist  والاخير هو الذي يحارب البطل بالتخريب والشر والكذب والتضليل بينما البطل يواجهه بالحق وكشف اصل الشر وبذلك يتم خلق الدراما او الاحداث.

فتخيل لو ان كل الناس تفعل الخير ولا احد يفعل الشر ولا يوجد اشرار ولا شيطان فستكون المسألة بالكامل ليس بها اي احداث او تسلسل او نضج او قمة او نصر او هزيمة او حبكة تشويق.

وهنا يجب ان نؤكد ان اقحام الشيطان في المشهد الانسان أمر تم بمعرفة الله وارادته وسماحه وليست هكذا بالصدفة حيث انه من خلال اقحام الشيطان عرف الانسان الشر فاصبح في حالة وعي كامل يعرف الخير والشر وبالتالي  اصبح امام اختيار بين الخير والشر اما ان يقف بجوار البطل Protagonist  او يصطف خلف الشرير Antagonist  ولكن في هذه المرة بعد ان فهم معنى الشر او مانقول عنه في المسيحية “الخطيئة”.

وهنا قد يعترض كثيرون على وجهة نظري بقولهم ان الله لايجرب الانسان، ولكن الانسان يسقط بسبب شهواته، ولكن الحقيقة ان الله لايجرب الانسان ليست بمعنى ان يعرضه للتجربة ولكن بانه لايحفر له فخ ويتركه يسقط فيه .. هذا هو المقصود .. يعنى ترجمة لايجرب الانسان بلغتنا الدارجة “ربنا مش بيعمل فينا مقالب”

التجربة والكتاب المقدس يؤكد ان الله اطلق الشيطان على الانسان ولم يمنعه، اي انه اراد ذلك عن عمد والنص نفسه يؤكد ذلك: “فقالت المرأة للحية : من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا ، فقالت الحية للمرأة : لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر”

من السفه والغباء ان نقول ان الله لم يريد ان يفعل ذلك، وكأنك حينما تريد ان تقول ان ماحدث في الجنة بعد خلق ادم لادخل لله به تشبه ان شخص ما لديه كلب مفترس (الشيطان) وهو عارف انه مفترس وشرير ويروح سايبه في الشارع بدون كمامة علشان يعض الناس وبعدين تقول الناس هي اللى غلطانة ، ايه اللى مشاها في الشارع وهي عارفة ان فيه كلاب ضالة او مفترسة.

ربنا اطلق الشيطان على ادم وحواء في الجنة وهو عارف انه المتمرد والشرير والمؤذي والمعاند والمخرب والمشتكي وكل هذه السلوكيات، اذن الله لم يطلق الشيطان على البشر هكذا بالصدفة او ماخدش باله لكنه تعمد ان يطلق الشيطان على الانسان لكي يتحول الانسان ايضا الى عارف بالخير والشر بارادته الكاملة.

الانسان في حالة سقوطه في الشر بارادته اصبح هنا حر الارادة وممكن يقرر ويختار وثمن هذه الحرية كانت وقوعه في نفس مصيدة الشيطان اللى ربنا اطلقه على الانسان فعلا للوصول لهذا الهدف، لكي يصل الانسان لحالة معرفة بالخير والشر.

من هنا بدأت العلاقة بين مثلث الله والانسان والشيطان هي مسألة حتمية وهي طريقة خلق الارادة الحرة او ديناميكية الاختيار ، فان لم يجرب الانسان الشر (بكل معانيه المظلمة) ماكان في استطاعته ان يختار او ان يصبح كائن حر ناضج يختار بارادته بين الخير والشر.

وهذه هي طبيعة الاشياء والمخلوقات التى خلقها الله ان تتدرج وتصل للنضج الكامل بالتجربة وان تختار بين طريقين وان تمنح القدرة على الاختيار وبعد ذلك يتم حساب كل انسان على اختياره لان الحساب هنا اساس في هذه المعادلة.

وقد يعترض البعض بالقول نحن لم نختار ان نخلق ولم نختار ان نقع في الشر ولم نختار ان نعيش في هذه القصة الدرامية فما هو ذنبنا؟ والاجابة هو انك مخلوق انك لست اله لتقرر لنفسك باي سيناريو تضع نفسك واي دور يفرض عليك، انت لست المنتج والمخرج للخليقة ولست انت اكبر من حجمك.

انت كانسان ومخلوق في كون واسع لاتعرف مداه ولا حتى 1% من حدوده كتب لك دور تعيشه وحددت لك حرية ارادة بحدود وليست كاملة وفي هذه الحدود مطلوب منك ان تقرر ان تختار بين الخير والشر، وليس مطلوب منك ان تلعب دور البطل او الشرير، لكن ان تلعب دورك في حدودك كانسان ناضج خلق له الله المعرفة بالخير والشر لكي يتبع الله او يتبع الشيطان.

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *