الأرثوذكس وتطبيق آية “لاتدينوا كي لاتدانوا”

كتب وجيه فلبرماير

هذه هي كلمات السيد المسيح في الانجيل حسب متى الاصحاح السابع “لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،  لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟  أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!”

ماذا كان قصد السيد المسيح بهذه الكلمات؟ هل هي دعوة منه لترك الحابل على النابل وعدم محاسبة الناس على اخطاؤهم ام هي دعوى للفوضوية والعشوائية ونسيبها على الله ومانحاسبش الناس علشان كلنا مخطئين فكيف يقوم المخطئ بمحاسبة مخطئ؟ ام انه من الحكمة ان لانحاسب المخطئ لنعطيه فرصة للتوبة والتراجع؟

طيب احنا لو عملنا بهذه المفاهيم يبقى مافيش داعي اننا نسجن القتلة والمجرمين واللصوص علشان كلنا خطاة ونعفو عنهم ونطلب منهم التوبة، ومافيش داعي نعمل اجهزة رقابية على الغش التجاري وغش الاغذية ونسيب الناس لضمائرها ومافيش داعي نعمل جهاز ضريبي يراقب المتهربين من الضرائب علشان كلنا بنتهرب من الضرائب ولا تدينوا كي لاتدانوا ومافيش داعي لعمل جهات تراقب الفساد وتعاقب المفسدين ماهو كلنا مفسدين، ومافيش داعي للصحافة والاعلام والنقد ونقفل الصحف والمواقع وبلاش حد يشتغل ناقد ماهو الناقد برضه في عينه خشبة ليه ينتقد الناس الآخرين.

اكيد برضه الكنيسة الارثوذكسية بتفكر بنفس الطريقة: لو البابا غلط نقول ازاي .. البابا مش ممكن يغلط لان الروح القدس جواه ولاتدينوا كي لاتدانوا ، ولما حد يسئ استخدام اموال التبرعات او يسرقها حتى نقول مافيش داعي نفضحه ونكفي على الخبر ماجور بلاش فضايح ونسامحه علشان يتوب ولو شماس اشتغل نصاب بلاش نتكلم عن الموضوع ده استره علشان ربنا يستر عليك.

وحاجات كتير غلط وفساد وسرقات وسوء استغلال الدين وتحرش واستغلال جنسي وسلوكيات مضرة بالاخرين داخل الكنيسة الارثوذكسية سواء من العلمانيين او الاكليروس ولما حد يتكلم عنها يتم الهجوم عليه ونقوله “ليه بس الفضيحة مش كفاية المسلمين مش سايبننا في حالنا” هاتبقى انت والمسلمين علينا؟

اولا اقولها بكل حسم وبطريقة قاطعة، هذا ليس تسامحا او محبة وليس تنفيذ لوصية المسيح بعدم الادانة ولكنه “تعريض رسمي” ، السكوت على الفساد والمفسدين داخل الكنيسة الاثوذكسية (او حتى المجتمع المسيحي) ليس تسامحاً او عدم ادانة لان من يسكت على الفساد فهو “قواد” وليس متسامح.

اذن ماهو المقصود بجملة لاتدينوا كي لاتدانوا؟

المعنى واضح جدا وهو ان السيد المسيح بيقول للناس الاشرار “لما يكون بيتك من قزاز ماتحدفش الناس بالطوب” يعنى ماتعايرش الناس على حاجات وانت بتعملها، الاول طهر نفسك من الشر وبعدين تعال لوم الناس (أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ)

يعنى مثلا لو جالك صديق وقالك انا فضيت غشاء البكارة للبنت فلانة القاصر تقول “لاتدينوا كي لاتدانوا” اكيد لازم تدينه وتعنفه وتقوله لازم ياخذ عقابه ويعترف بجرمه علشان ياخذ عقابه بشكل او اخر.

لو اسقف قال كلام يتسبب في مشاكل كبيرة للمجتمع والأسرة ، نقول “لاتدينوا كي لاتدانوا” ودا رجل الله والروح القدس جواه ومش ممكن يغلط؟ اكيد لازم نقف ضده ونرفض كلامه الخاطئ اللى ممكن يخرب الاسرة ونقوله اقف عند حدك كلامك ده مخالف للعلم او الانجيل او الانسانية.

فيه شعره تفصل بين الادانة والنقد والمحاسبة ويجب الا تسقط هذه الشعرة لان السكوت على المفسدين والمخطئين سيجعلهم يأمنون العقاب ويستمرون في فسادهم واخطاؤهم.

وبصفة عامة وبدون تحديد اسماء هناك زعماء مسيحيين عامة لهم تصريحات غبية او كاذبة او مضللة او ضد العلم ولما بنقول لهم دا غلط ونعارضهم وننتقد اقوالهم تجد الشعب الارثوذكسي نفسه يهب في وجهك ويسبك باقبح السباب ويوجه لك الاتهامات ، ازاي انت تتكلم عن رجال الله بالطريقة دي، وازاي انت تهين من يمسك جسد المسيح على المذبح، وانت مين ياصعلوك علشان تحاسب قادة الكنيسة.

احنا هنا بندخل في مشكلة اعمق وهي ان الشعب الارثوذكسي لايهمه المصائب والمشاكل التى تحدث بسبب حماقة القادة الدينيين ولكن يهمه تقديس وتأليه هؤلاء القادة وتنزيههم عن الخطأ، هم لايفكرون فيما قيل من كلمات وجمل ضد تعاليم الانجيل وضد العقل ولكن يفكرون في حماية قائدهم الدينى؟

وهنا تجد الاف الارثوذكس يقولون لك لاتدينوا كي لاتدانوا، لاتنتقد رئيسك ، لاتحتقر زعيمك الدينى لاتتحدث بهذه اللهجة عن البابا ، دا رجل كبير في السن لازم تحترمه ، هل يصح ان تتحدث بمثل تلك الطريقة عن ابوك؟ وتلاقي الارثوذكسي جرجرك من المشكلة الى موضوع تاني خالص وهي انه بدلا من ان يعترف ان القائد الدينى اخطأ في تصريحه ويجب ان يعتذر عنه ويصححه تلاقي نفسك انك انت المخطئ انك انتقدت القائد الدينى وقمت بادانته.

على الشعب الارثوذكسي ان يفهم امور كثيرة هامة في الحياة خارج اطار “التعصب الدينى” و “التعصب للاشخاص” وهي ان النقد امر واجب للفساد والانحراف والسلوكيات الغير سوية او غير عقلانية سواء كان مرتكبها رجل دين او غير رجل دين، وان العقل النقدي اساس الحياة النفسية السليمة وهو يصحح كل اوضاع خاطئة فاسدة ولا يجعلها تتراكم ، وان رجال الدين ايضا بهم اشرار وابرار واذكياء واغبياء ورجال بزنس ورجال متجردين متواضعين.

كل النماذج موجودة في رجال الدين الشرير والطيب زي اي مجتمع تاني ، فلايصح ان نمنح رجل الدين حصانة خاصة ونقول دا بيحمل جسد المسيح او بيحمل الانجيل فنعصمه من الخطأ ونقبل منه كل سلوك وكل قول، فيه قسس بيشربوا حشيش وفيه قسس لديهم علاقات جنسية مخجلة في السر وفيه اساقفة تصريحاتهم مدمرة وفيه رجال دين شغالين جواسيس للامن .. وفيه ناس في مجالس ادارات الكنائس من العلمانيين لصوص وتجار وفيه شمامسة يستغلون الدين في البزنس والسرقة والنصب. فيه كل حاجة والارثوذكس ليسوا ملائكة من السماء.

لست اتهم الارثوذكس بالفساد لان في المقابل فيه اكيد اتقياء وطيبين وصانعي خير ومؤمنين ولكن لاأحد فوق النقد اذا افسد او اضر بالاخرين، ولا يوجد داخل الكنيسة الارثوذكسية مدينة فاضلة، بل يوجد الخير والشر .. يوجد الاشرار والاخيار .. وهذا يجعلنا ان ننتقد ونتحدث عن كل فساد لاصلاحه وتصحيحه وليس في ذلك هجوم على احد او التقليل من قيمة احد.

عادة في مناقشات الفيسبوك الارثوذكس شعب متعصب جدا ويغضب من انتقاد الانحرافات والفساد ويؤله القادة الدينين لدرجة انه لايتحمل اي نقد لهم ويتهمون من يفضح الفساد او الخطأ بانه يهاجم الكنيسة ويقع في خطيئة الادانة للاخرين ويعارض وصية المسيح “لاتدينوا كي لاتدانوا” وهذه الاتهامات الارثوذكسية كلها خاطئة لان المشكلة هي “تعصبهم للرأي” وعدم “استخدام العقل” في وزن الامور. وانهم يخشون كشف الفساد اكثر من اهتمامهم باصلاحه.

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *