الجهاديون الأمريكيون … ذئاب منفردة بعقيدة داعشية

في صيف عام 2017، بث ما يعرف بالمكتب الإعلامي لولاية «الرقة» الداعشية فيديو لمقاتليه المحاصرين داخل المدينة أثناء المعارك الدائرة مع قوات سوريا الديمقراطية المعروفة بـ«قسد»، تضمن لقطات للمقاتلين الأجانب أثناء تصديهم لمحاولات تقدم «سوريا الديمقراطية» إلى داخل المدينة، لكن اللقطة الأبرز كانت لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، إذ ظهر فجأة أمام الكاميرا، بينما كان أحد الإرهابيين الأستراليين يحكي قصة وصول الطفل برفقة والدته إلى ما يسمى أرض الخلافة.

وكشف الإرهابي الأسترالي أن الطفل، هو نجل أحد قدماء المحاربين الأمريكيين الذين شاركوا في غزو العراق عام 2003، لكنه تحول هو ووالدته من مسيحيين إلى مسلمين مبايعين زعيم التنظيم الإرهابي «أبوبكر البغدادي».

لم يكن الطفل الأمريكي هو أول مواطني الولايات المتحدة المشاركين في الانضمام للجماعات الإرهابية، بل إن بداية المشاركة كانت من خلال الغزو الأمريكي لأفغانستان عن طريق «جون ووكر ليند».

وُلد «ليند» في واشنطن عام 1981 وحاز اسمه تيمنًا بـ«جون لينون» عضو فريق البيتلز الشهير، وتربى في عائلة كاثوليكية، لكنه اعتنق الإسلام عام 1997، وترك المدرسة وهو في السادسة عشرة، من عمره، ثم انتقل إلى اليمن في العام اللاحق؛ لتعلم اللغة العربية، ثم انتقل بعدها إلى باكستان؛ لدراسة الشريعة الإسلامية عام 2000، ففتن بالنشاط المسلح لحركة «طالبان» الأفغانية، ومنها انتقل إلى أفغانستان في شهر مايو 2001؛ للالتحاق بالحركة الإرهابية.

واعتقلت قوات أمريكية «ليند» بعد غزوها لأفغانستان بوقت قصير عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001. وخلال محاكمته قال: «لو كنت أدرك ما أعرفه الآن عن طالبان ما التحقت بها».

وفي خطوة اعتبرها وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» مزعجة وغير صحيحة بحسب قوله خلال مقابلة مع محطة «فوكس نيوز»، خرج ليند بعد 17 عامًا من السجن، لكن هناك مخاوف من أنه لم يتخلص من تطرفه، فقد نشرت مجلة «فورين بوليسي» وثائق للحكومة الأمريكية تشير إلى استمرار تشدده.

وقال الصحفي «غريم وود» من مجلة «ذي أتلانتيك» الذي كتب رسائل ل«ليند»: «إنه ليس نادمًا، بل تحول من الولاء لتنظيم القاعدة إلى داعش».

ووكر ليس الأمريكي الوحيد الذي حزم أمتعته وسافر لممارسة الإرهاب، فـ«آدم يحيى غدن» المعروف بــ«عزام الأمريكي» أول مواطن توجه له تهمة الخيانة العظمى منذ الحرب العالمية الثانية، يعتبر من أبرز الجهاديين الذين لعبوا بعد رحيل « أسامة بن لادن» دورًا هامًا في العملية الانتقالية داخل التنظيم.

ولد «غدن» لأب مسيحي يعزف الروك، وفي السابعة عشر من عمره كتب تعليقًا على موقع إلكتروني تابع لجامعة جنوب كاليفورنيا أعلن فيه اعتناقه الإسلام، ورفضه موسيقى الروك الشيطانية، حسب وصفه.

وفي العام 1998، غادر «غدن» الولايات المتحدة واتجه إلى باكستان، وباعتباره متحدثًا باللغة الإنجليزية، وأحد الوجوه البارزة إعلاميًّا لدى تنظيم القاعدة، كان إحدى الشخصيات الرفيعة المستوى داخل الحركات الجهادية العالمية؛ حيث شارك في الجهاز الإعلامي للقاعدة وظهر في تسجيلات مصورة مرتديًا الزي الأفغاني ومحذرًا واشنطن من أنها ستواجه هجمات ما لم تلبِّ طلبات القاعدة.

وقد وضعت الحكومة الأمريكية مكافأة قيمتها مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لاعتقاله، تزامنًا مع تعرضه لحكم الإعدام بتهمة الخيانة العظمى2006.

كما أعلنت وزارة العدل الأمريكية، أن ثلاثة أمريكيين من أصل صومالي في ولاية «مينيسوتا» حكم عليهم في تهم التآمر ودعم تنظيم «داعش» في سوريا عام 2014 وفي أوائل عام 2015، والثلاثة ضمن مجموعة أكبر تضم تسعة رجال حكم عليهم؛ بسبب محاولاتهم مساعدة «داعش».

لكن الولايات المتحدة لم تمنع مع ذلك انتشار الأفكار المتطرفة، وجاء حادث «أورلاندو» الذي وقع في 12 يونيو 2016، حين قتل 50 شخصًا، وأُصيب 53 بجروح في عملية إطلاق نار داخل نادي ليلي للمثليين في أورلاندو في ولاية فلوريدا الولايات المتحدة ، والذى يعتبر أكبر مذبحة جماعية في تاريخ البلاد.

وأعلن مكتب «إف بي آي»، أن «عمر صديقي متين»، الأمريكي الأفغاني الأصل، هو الذي ارتكب المذبحة، وبعد دقائق قليلة أعلنت الشرطة، أن «متين» البالغ من العمر29 عامًا اتصل من داخل الملهي وقال: إنه عضو في تنظيم «داعش».


وما زالت مخططات «داعش» مستمرة، فطبقًا لمقابلة أجرتها في نهاية مارس الماضي، «أنا سبكهارد» مدير المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف، وزميلها «أرديان شاكوفتشي» مع «أبو هنريكي الكندي» أحد مقاتلي «داعش» المعتقلين، كشف خلالها الإرهابي عن تخطيط داعشي لشن هجمات داخل الولايات المتحدة الأمريكية عبر تهريب مقاتلي التنظيم إلى داخل البلاد.

وأعلن الإرهابي، أن ديوان الأمن العام الداعشي رسم الخطة كاملة، بمساعدة أمريكي مجهول من نيوجيرسي، وخطط لتهريب مقاتلين أمريكيين من سوريا إلى المكسيك، واستغلال الحدود الأمريكية المكسيكية في الدخول إلى الولايات المتحدة.

وذكر«أبو هنريكي الكندي»، أنه التقى  بالمقاتلين الأمريكيين في صفوف «داعش»، وكان من بينهم «أبو آدم» وهو أمريكي بنغالي انضم للتنظيم، و«أبو إلياس الأمريكي» صاحب الأصول التركية، والذي قتل في الباغوز، ومقاتلون آخرون ترجع أصولهم إلى مدينة نيويورك.

وتحاول الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة استعادة الأمريكيين الذين قاتلوا مع داعش؛ إذ أن القانون الدولي يشير إلى تحمل الدول مسؤولية مواطنيها.

وأعلن مسؤولون أمريكيون الخميس 17 يوليو 2019، أن الولايات المتحدة أعادت إلى أراضيها مواطنًا أمريكيًّا من أصول روسية يشتبه في أنه قاتل في صفوف تنظيم «داعش» بسوريا، كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المسؤولين: «أن الشخص الذي لم يتم تحديد هويته كان قد اعتقل من قبل قوات سوريا الديمقراطية في سوريا».


وعلى صعيد متصل يتساءل مقاتل أمريكي من أصل لاتيني انضم إلى القاعدة عام 2007 وترك الجهاد المسلح لاحقًا: «لماذا يجب علينا استعادة الأمريكيين الذين قاتلوا من أجل داعش»، بحسب مقال كتبه بصحيفة «نيويورك تايمز»

ويوضح «براينت نيل فيناس» القاعدي السابق: «أنا أمريكي قاتلت مع القاعدة، وتم القبض عليّ، ثم أنهيت محكوميتي والآن أساعد الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب ويستطيع المقاتلون الأجانب الغربيون الآخرون فعل الشيء نفسه».

من جانبه قال نبيل نعيم الجهادي السابق والخبير فى شؤون الجماعات المتطرفة، في تصريح لـ«المرجع»: «إن الولايات المتحدة مكتظة بالجهاديين الذين توفر لهم سبل التنقل من قبل الجهات الداعمة للتنظيم مثل قطر وتركيا، فعودة الدواعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية لن يزيد الطين إلا بللًا، من حيث انتشار الأفكار المتطرفة».

وتابع الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة :«التنظيمات تُحل باستمرار لكن الأفكار تبقى مع المتطرف ويمكن أن يرتدى أي ثوب ما دام يحقق الغاية التي ينشدها، والآن يمكن أن نشهد توسعًا كبيرًا في عمليات الذئاب المنفردة، بل إن عودة الدواعش إلى بلدانهم الأصلية قد تخلق أساليب أخرى؛ لتجنيد العناصر التي تمارس أفكار التنظيم الإرهابي، بل ومن الممكن أن تطورها».

المصدر

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *