الثالوث المقدس في صناعة السينما المصرية: السياسة والدين والجنس

3كتب : وجيه فلبرماير

 

كان هناك توازي واضح بين صناعة السينما المصرية وصناعة السينما العالمية ، وكان المسيحيون واليهود هم الاساس الذي بنيت عليه هذه الصناعة سواء كانوا منتجين او مخرجين او فنانين واستطاعوا ان ينقلوا التقنيات والفنون بمساعدة بعض الاوروبيين من فرنسا وايطاليا الى مصر وأبدعوا في تأسيس هذا الفن لتصبح مصر هي الدولة العربية الوحيدة الرائدة في المنطقة وقتئذ في انتاج الافلام.

كان من الممكن ان تصبح السينما المصرية سينما عالمية وكان من الممكن ان تصبح مصدرا اساسيا للعملة الصعبة وقطاع اقتصادي منتعش يستوعب مئات الالاف من الفنانين والفنيين والتقنيين والعمال ، وكان من الممكن ايضا ان تصبح السينما المصرية قوة ناعمة ترتقى بالفكر والثقافة المصرية وتنشر الاستنارة العقلانية وقيم العلمانية والمواطنة ولكن الذي حدث هو العكس، انقرضت السينما المصرية ولم ترقى حتى ان تصبح صناعة محلية ناجحة وتم تبديد تراثها العظيم، وتحولت الى سوبر ماركت يباع فيها كل ما هو وتافه واصبحت الافلام تغازل الغرائز الجنسية مابين سماح وتمنع وتتحالف مع منتجين سفهاء من اجل الربح المالي بل واصبحت السينما المصرية تشبه المونولجست الذي يطرح القفشات السخيفة على الجمهور ومسرح كبير للافراح الشعبية والعنف والتعصب الدينى.

 

هناك ثلاثي مقدس لم تستطع السينما المصرية ان تحطمه بل تحطمت على صخوره وهو السياسة والدين والجنس، حيث اننا نستطيع ان نزعم ان السينما المصرية هي ضحية هذا الثلاثي المقدس الذي لم يرحم ولم يعترف ابدا بالابداع ولا بالفن بل بطش بها وحطمها والحق الآلم والندم بالفنان والمبدع انه اختار هذا الطريق وهذه المهنة التى تبدو للبعض انها نعمة ولكن في الحقيقة كانت بسبب السياسة والدين والجنس “لعنة” ، لنردد مع الفنان اسماعيل يس هذه الكلمات الباقية من رحلة آلامه مع السينما: “عينى علينا يا اهل الفن عينى علينا، ناكل قر و نشبع زن يا عينى علينا” .

 

عندما ولدت السينما المصرية كانت تعيش في جو من الحرية المعقولة في عصر الملكية، فلم تتدخل السياسة او السياسيين في شئون السينما ولم تكن هناك رقابة تذكر على الافلام سواء من جهة دينية او غير دينية كما انه كانت هناك حرية تامة في ارتداء الملابس او خلعها على الشواطئ او في مناظر الرقص او الغناء ولم تمنع الافلام الدينية او يحجر ظهور اي من الانبياء كما اليوم فعرض فيلم السيد المسيح المدبلج للعربية في صالات السينما في الخمسينات والستينات وبعدها في التليفزيون دون ادنى اعتراض من اي جهة.

 

لذلك تعتبر مرحلة الأربعينيات والخمسينات هي المرحلة الذهبية لانتعاش الفيلم المصري،. وارتفع متوسط إنتاج الأفلام في الفترة من عام 1945 إلى عام 1951 إلى خمسين فيلماً سنوياً، وبلغ عدد الأفلام المنتجة في فترة الاربعينات فقط 241 فيلماً، أي نحو ثلاثة أضعاف الأفلام المصرية المنتجة منذ عام 1927. وارى ان السبب الاساسي في نهضة السينما المصرية في هذا الوقت هو مساحة الحرية وعدم وجود الرقابة وعدم تدخل الدين في شئون الفن.

 

بالطبع تعرضت السينما المصرية الى الكساد بسبب حروب الشرق الاوسط خاصة العدوان الثلاثي عام 1956 ثم تحولت السينما الى مرحلة جديدة في عهد حكم الجيش وجمال عبد الناصر في الستينات حيث قام القطاع العام بالهيمنة على صناعة السينما وتاسيس الهيئة العامة للسينما وهنا بدأت السينما تخضع للسياسة وفرضت قيودا سياسية على اهل الفن وصناعة السينما ولم تجرؤ السينما علمى تناول اي وجهات نظر معارضة للنظام الحاكم او سلبيات حكم الضباط الاحرار وجمال عبد الناصر

 

اصعب تجربة تعرضت لها السينما في الستينات والسبعينات وتسببت في تحطمها هي تجربة المخابرات المصرية في عهد كل من عبد الناصر والسادات حيث قامت المخابرات المصرية برئاسة صلاح نصر بجذب عدد من الفنانات بالاغراءات المادية لتعمل في خدمة المخابرات المصرية في غرف النوم، كما تم اكراه بعض الفنانين وتهديدهم اذا رفضوا خدمة المخابرات المصرية سوف يفضحن بتسجيلات جنسية لدى هذه الاجهزة الاجرامية وكان من اشهر هؤلاء الفناات هي الفنانة “ش” وقد اعتزلت الفن حاليا والممثلة التى ارتبطت برجل اعمال سعودي “ص. أ.” والفنانة “س. ح.” كما كانت هناك بعض الفنانات اللاتى عملن بعقود وموافقة مع صلاح نصر مثل الفنانة ” ر. أ.” وكذلك الفنانة “ب. ع.” و الفنانة “م. ي.” . كما اضطرت الفنانة فاتن حمامة للهرب الى لبنان بعد ان رفضت ضغوط المخابرات المصرية وكذلك هرب الفنان عمر الشريف ليعيش في دول عدة بعد ان طلب منه صراحة ان يعمل في خدمة المخابرات المصرية وقد صرح ايضا الفنان احمد رمزي عن مضايقات له عنده سفره وعودته وعبر عن ذلك بشعور الخوف لدى الكثير من الفنانين في احد لقاءاته التليفزيونية.

 

لم يختلف السادات كثيرا عن نظام عبد الناصر بل كافأ احد تلاميذ صلاح نصر وهو الفاسد صفوت الشريف الذي سجن في قضية “قواد” في المخابرات المصرية وعينه رئيس هيئة الاستعلامات ليستمر في ارهاب بعض الفنانين بتسجيلات جنسية وقد فضحت الفنانة “أ. خ.” افعال المخابرات المصرية بعد ان وقع المحظور وكانت هي اكثر الفنانات التى فضحت كل هذا النظام الفاسد

 

في هذا الجو الارهابي كيف تستطع السينما المصرية ان تبدع؟ السياسة في الستينات والسبعينات سمحت لنفسها ان تستخدم الفنانين وتستغلهم في اعمال الجاسوسية وسجلت لهم تسجيلات بالصوت والصورة من غرف نومهم مقتحمة خصوصيات هؤلاء الضحايا بشكل همجي بربري، وهل من سياسي عاقل ان يستخدم مبدعي بلده في اعمال قذرة ؟ اليس ذلك دليل على ان هؤلاء السياسيين والمسئولين كانوا مرضى ومختلين عقليان ونفسيا ؟ وهكذا تدخلت السياسة في ابشع صورها لتهدم السينما المصرية التى بدات تلمع مثل نجوم السماء في الاربعينات والخمسينات.

 

قد تكون هذا الضغوط السياسية والابتزازات السياسية قد انتهت بصورتها البشعة السابقة ولكنها مستمرة بشكل وبصورة اخرى اقل وطأة حيث يتم استخدام السياسة في تهديد الفنان والمنتج والمخرج وتخويفه من تناول قضايا معارضة للحاكم او معارضة لنظام الحكم او تتناول موضوعات اجتماعية جريئة تضع السياسة حولها خطوط حمراء مثل الفساد والسرقات والاهمال، ولكن السينما المصرية بعد الخمسينات لم ولن تنعم ابدا بجزء ولو يسير مما نعمت به من حرية واستقلال في الاربعينات.

 

تمتد ايضا الاذرع السياسية للدولة لتتحكم في حرية السينما المصرية عن طريق نقابات الفنانين والسينمائيين بان تساعد ان يكون النقيب موالي لسياسة النظام الحاكم ونظير ذلك تعطيه بعض المميزات المادية والرشاوى التي يستخدمها هذا النقيب للتاثير على فكر وارادة الفنان ، وهذا يطلق عليه في اللغة العامية “مسلكاتي” اي ان نقيب الفنانين تصبح وظيفته مسلكاتي للفنان في شئون حكومية واجراءات وتسهيلات مادية نظيرها يكون الفنان مؤيد للرئيس والحكومة.

 

اذرع السياسة ايضا تمتد الى ماهو اعمق وهو انها تستغل اجهزة الرقابة ورجال الدين في منع اعمال او حذف لقطات او جمل ترفض الحكومة ورئيسها ان تكون جزء من العمل الفنى بحجة انها تسبب فتنة او تتعرض لشخص الرئيس او تثير الغرائز وتسبب الاثارة الجنسية.

 

وبذلك تكون السياسة هي اقوى طرف في هذا الثلاثي المقدس حيث ان الدين والجنس يعتبرا مكملان للسياسة في قمع الابداع والتحكم في فن السينما ويكون بذلك الطرف الثاني هو الدين ، وعندما نتحدث عن الدين نتحدث عن الاسلام بصفة خاصة لأن المسيحية حتى وان كانت ترفض بعض الاعمال الفنية فانها لا تجرم الفن ولا تكفره ولا تتدخل كثيرا في التفاصيل ولكن الاسلام كدين له موقف ثابت وواضح من الفن والابداع عبر التاريخ وهو الرفض للفن واعتباره سفور وعري والاسلام له موقف عدائي واضح من الفنون عامة وبالذات الفن السينمائي.

 

الاسلام به موضوعات خلافية كثيرة خاصة فيما يتعلق بالعنف والمرأة مثل ضرب المرأة وزواج الاربعة وفكرة المحلل وملكات اليمين وعدم مساواة الرجل بالمرأة وكذلك الموقف من اصحاب الديانات الاخرى والتمييز ضدهم، لذلك يحمل الاسلام مادة خصبة للدراما والنقد ولذلك يخشى رجال الدين الاسلامي ان تقوم صناعة السينما بهدم الاسلام من خلال الرؤية النقدية الحرة وكذلك يخاف رجال الدين ان تتناول السينما الانبياء والصحابة والرسول بشكل يهز صورتهم وقدسيتهم حيث ان المعروف ان اهل السنة يصل بهم حبهم لمحمد والصحابة الى درجة الآلوهية والتقديس ، فكيف تقوم السينما بتناول حياة هؤلاء ويتعرض بذلك الاسلام الى اهتزاز رموزه. لذلك يمنع رجال الدين اي فيلم فيه تجسيد للانبياء والصحابة وكذلك يتضجرون من صورة رجل الدين في السينما.

 

وقد ادرك الحاكم ورجال السياسة المسلمون مدى اهمية كراهية الدين للفن لانه سلاح جيد في ايديهم لمنع ذلك الفيلم او هذا العمل او الهجوم على ذاك المخرج او هذا الفنان ، لذلك يلجأ الكثير من المنتجين والمخرجين لاستشارة الازهر قبل انتاج العمل لانهم يخشون بعد ان يتم العمل فيعترض عليه الازهر وتضيع اعمالهم والاموال التى صرفوها على العمل السينمائي ، وقد شرعت الدولة ان يكون للازهر دور في الرقابة الدينية على سيناريوهات الافلام ولقطاتها.

 

ومن كثرة خوف القائمين عل صناعة السينما والفنانين ، بدلا ان يهاجموا العادات والتراث الشرير في الاسلام مثل زواج الاربعة والطلاق المجحف وضرب الزوجة وزواج المحلل فاذا بهم يرسخون هذا الافكار في عقول المشاهدين ويعتبرونها شرعية ومباحة ، قد يكون ذلك بطريقة درامية او كوميدية ولكن في النهاية يتفق العمل الفني في وجهة نظره مع الافكار البدوية الهمجية القادمة من الجزيرة العربية ليساهم في تاسيس مجتمع بدوى همجي وهابي على ضفاف النيل.

بدلا من ان تنتقد السينما نقائص وعيوب الاديان وبعض تعاليمها المخربة للاسرة والمجتمع نجد ان الافلام ترسخ مفاهيم العنف وتعدد الزوجات اي تؤيد هذه التعاليم المخربة، ومع الوقت يصبح ماهو شرير امر بديهي في المجتمع فلن يجرؤ فنان واحد ان يقف بشجاعة ويقول لقد انتهى عهد الختان، لقد انتهى عهد زواج الاربعة ، لقد انتهت فكرة زواج المحلل ، هذه كلها خزعبلات قادمة من الجزيرة العربية .. اذا فعل الفنان ذلك سوف يرفض المنتج والمخرج خوفا من الحكام ورجال الدين وبذلك تقزمت السينما واصبحت ذليلة مستعبدة للحاكم والشيخ.

 

ونآتي الى الجزء الثالث المقدس في العمل السينمائي وهو الجنس والاثارة، وكلنا نعلم ان اي تصوير لمناظر الافلام او صياغة لكتابة السيناريو او طريقة الاخراج هو في خدمة الدراما والعمل الفنى وليس في حد ذاته هدفا ولكن وسيلة لكي يصل الى المشاهد بشكل ابداعي ومقنع ومؤثر، فالقبلة في السينما ليست قبلة حقيقية، الاحضان ايضا ، صحيح انها تتم بشكل واقعي ولكن هي مجرد تمثيل مثل اداء الشخصية الدرامية تمثيل وكذلك ظهور البطلة بالبكينى او ملابس قد تبدو مثيرة ليست هي الا في خدمة الشخصية والابداع

 

صناع السينما والفنانين المصريين الاوائل كانوا مبدعين لديهم فكر راقي جعلهم يستوعبون ان اي شئ يتم في الفيلم (ماعدا خلع الملابس بالكامل) هي في خدمة الدراما والشخصية وليست فيلما جنسيا او تعمد في اثارة غرائز المشاهد، لذلك نجد في افلام ماقبل السبعينات المصريات يرتدين ملابس راقية ، فساتين بلا اكمام ، فساتين فوق الركبة، مينى جيب ، ارتداء المايوه والبكينى على الشاطئ او حمامات السباحة ، رقص ببدل رقص جذابة ، حرية في صياغة الجمل العاطفية والحب.

 

لم يعد المصريون يفكرون بهذه الطريقة ، اصبحت المرأة في نظر المصريين عامة حتى الفنانين انفسهم عورة ويجب حظرها من القبلات والمايوهات والملابس والقصيرة وبدات تظهر الفنانات بالحجاب والنقاب في الاعمال السينمائية بل وما نقول عنهم نجوم صرحوا بانهم يرفضون لو ان بناتهم عملت بالفن يتم تقبيلها وبدات الفنانات ترفض ارتداء المايوه بشكل واضح وتخضع لضغوظ المجتمع ورجال الدين.

 

 

اسوأ مافي الامر امتدت يد المصريين لتقطع شرائط الافلام وتشوهها لتحذف منها لقطات معينة بملابس لا تعجب المتزمتين بل وبدأت فنانات بعينها تستسلم لاغراءات الاموال الخليجية وترتدي الحجاب وتعتزل التمثيل وتعلن ان ذلك يسمى “توبة” وتجد ان هناك فنانات بعينها بعد ان تربحن من الفن واصبحن ثريات منه يحاربن نشر افلامهم في النت ويسعون لتدمير افلامهم تماما مثل صفاء ابو السعود وشمس البارودي وعبلة كامل وهلا شيحا وغيرهن، وهن لا يدرين انهم بذلك يعتدون على حقوق المشاركين في هذه الاعمال الفنية.

 

 

اذن هذه النظرة الدونية للجنس او الملابس المتحررة في الافلام مصدرها هو الاسلام ذلك الدين الذ يكن عداوة واضحة للعمل الفنى الدرامي واستطاع رجال الدين ان يقنعوا الفنانات المعتزلات ان الاعمال التى عملوها للسينما كانت عصيان لله وخروج عن الدين تتطلب التوبة والغفران وارتداء الحجاب ووصل الامر ان الشعراوي ذلك البهلوان الساذج ان يقول ان عقد الزواج في الافلام هو عقد شرعي وصحيح وليس تمثيل وسار العديد من الشيوخ في ترديد ذلك والسير على دربه ، مما دعا الفنانة ميرفت فهمى وسمير صبري يسخرون من مثل هذه الافكار في مقاطع من الفيلم الجديد “بتوقيت القاهرة”.

 

وهكذا تحالف الثالوث المقدس السياسة والدين الاسلامي والجنس في مصر لخنق صناعة السينما المصرية ووقع اهل الفن بكل عناصره في الفخ واصبحوا العوبة في يد هذا الثالوث الشرير ولا اتصور ان هناك مقاومة او صراع بين اهل الفن وبين هذا الثالوث فمن الواضح انهم استسلموا له استسلام تام فاصبحوا بوق لنشر التعصب الدينى والافكار البدوية القادمة من الجزيرة العربية واصبحوا خاضعين خضوع تام للحاكم ونظام الحكم وبدأوا يرفضون ارتداء المايوهات ويكثرون من ارتداء الحجاب والنقاب .. انه استسلام يعنى ان اهل الفن في مصر خارت قواهم وسقطوا وسقطت معهم صناعة السينما المصرية لكي تصبح في ذمة التاريخ.

 

ولكن هل من ثمة امل وحل ؟ نعم واكيد الاختيار دائما مطروح ، يجب ان تلغى الرقابة تماما الا عن العري المتعمد للاثارة الجنسية ، الملابس المثيرة لخدمة الشخصية الدرامية مسموح بها ولكن التعمد للاثارة الجنسية والعري امر واضح ومرفوض ، اما من جهة الدين فيجب على رجال الدين التزام الصمت بصفة رسمية ، من حق رجل الدين كمواطن أن يبدي رأيه في اي عمل فنى كرأي شخصي ولكن ليس كمؤسسة او رجل دين مسئول والغاء رقابة الازهر تماما ومحاسبة الازهر اذا تدخل في تقييم الفن ومنعه من ذلك بقوة القانون

 

كذلك على الدولة ان تعترف ان الفن السينمائى يمثل ضمير وعقل المثقف الذي ينتقد الاوضاع السياسية المنحرفة يرفع مستوى فكر الناس والمجتمع الى الرقى فليس من حق الحكام ان يستغلوا الفن في ترويج وتسويق انفسهم وحكوماتهم ولا يتم استخدامهم ادوات في اجهزة المخابرات والاجهزة السرية ولا يتدخلوا في شئون النقابات بل يمدوا لهم يد العون والدعم لان صناعة السينما ايضا من جهة اخرى قطاع اقتصادي هام ، واطالب بان يرفع الحاكم يده عن الفن واهل الفن ويسمح لهم مساحة كبيرة من الحرية حتى نعود مرة اخرى لجو الاربعينات والخمسينات من الحرية السينمائية.

كذلك هناك فكرة خاطئة تدور في عقول المسلمين بالذات فيما يتعلق بالفن السينمائي، هم يظنون ان الفن الجيد هو فقط الافلام الدينية او الافلام الملتزمة التى لا يظهر فيها جسد المرأة ولا يستخدم فيها تعبيرات تعارض القرآن والسنة، وهذا فكر خاطئ من اساسه لان الفن السينمائي قائم على الدراما وهي تمثيل وتصوير كل نوعيات البشر الطيب والشرير ولايمكن ان تقتصر الدراما فقط على الشخص الطيب الملتزم لابد من اظهار الشخصيات المتنوعة على طبيعتها ، والفن ليس دينا وليس قرآنا هو عمل بشري يجتهد في عرض رؤيته للحياة والمجتمع والخيال بل وقد يتخطى الحدود التى يريد المسلم ان يضعها خطوط حمراء لانه ليس عمل دينى ، انه عمل بشري .. دنيوي.

 

ثم ان الفن ليس دوره ان يؤيد دين بعينه سواء كان اسلام او غيره ، تحيز ثلاثي المؤلف والمخرج والفنان لاستخدام العمل الفنى لتأييد دين بذاته او فكرة دينية بذاتها هو سقوط للعمل الفنى لان السينما ليست وسيلة تبشير او دعاية دينية، وحتى لو تناولت السينما موضوع دينى فهي تتناوله من وجهة نظر اجتماعية او انسانية وليس كدعاية لهذا الدين وهو خطأ تقع فيه معظم الافلام المصرية بانحيازها للدين الاسلامي .. هذا الانحياز يجعل العمل السينمائي هو عمل دعائي وهابط فنيا.

 

 

لذلك معظم الافلام المصرية التى يستخدم فيها الآذان او الآيات القرآنية او شخص يتحدث وكأنه خطيب وداعية يرشد الناس والاكثار من جرعة الدروشة في العمل السينمائي هو علامة على فشله لان هذا لا يدخل في اطار الدراما ولكن في اطار التعصب الدينى والاملاء على المشاهد بسلوك معين بطريقة الوعظ المباشر بينما العمل السينمائي يجب ان يكون عمل مبدع تصل فيه الفكرة بطرق مختلفة الا الوعظ والخطابة.

 

وعلى سبيل المثال لا الحصر لبعض الاسماء التى تكثر من استخدام الدين والآيات والوعظ والخطابة في افلامهم نور الشريف ومحمود يس وفريد شوفى في كثير من افلامه وكذلك عفاف شعيب ولو تابع المشاهد افلام عفاف شعيب من بدايتها يتاكد ان حالة الدروشة التى تعيشها في الافلام حتما ستقودها للاعتزال وارتداء الحجاب ومهاجمة الفن وتنظيم حلقات الدعوة للفنانات لجذبهن للحجاب ، هذا ليس فنا ولا سينما ومن المفضل عدم استخدام الآيات القرآنية في العمل الفنى لان ذلك يحوله من عمل درامي الى خطبة الجمعة. بينما تجد بعض الفنانين واسعي الافق والمثقفين وغيرهم من الاجيال الجديدة لايلجأون لتلك الطريقة المملة في ترديد الآيات القرآنية.

 

ولكي نتناول الامور من الجذور فان مشكلة صناعة السينما المصرية هي لا تنفصل عن الجو السياسي العام في مصر، الحل الاساسي يتركز في علمانية الدولة وفصل السلطات والتخصصات عن بعضها البعض فنحن نعيش في بلد يحكمه الدين الاسلامي كشريعة وكسياسة، وهذا مايقره الدستور في مادته الثانية ويؤكد ان مصر دولة اسلامية وبالتالي يتدخل الدين والسياسة في كل شئ بلا حق ولا مبرر ، لابد من فصل السياسة فصل تام عن الدين وترسيخ القيم العلمانية للدولة اي القيم الدنيوية التى ندير بها شئون حياتنا وتتعلق بما ناكل ونشرب ونستخدم لادارة شئوننا اليومية والتى تعتمد على العقل والعلم والتجربة.

 

كذلك يجب ان تصاغ القوانين التى تمنع رجال السياسة من استخدام السينما في التسويق السياسي لهم او احزابهم او استخدام الفنانين في عمليات مخابراتية او كابواق ووسائل لتنفيذ سياسة الحكام ، لابد من قوانين رادعة تحمى الفنان من السياسي وتعسفه وسطوته ، كما يجب ان تصاغ قوانين واضحة تمنع اي نوع من رقابة الدين على الفن سواء بشكل مؤسسي او فردي .. رجال الدين الاسلامي عليهم ان يتولوا مهمة تحسين الاخلاق وتوعية الناس على فعل الخير اما الفن فهذا ليس شأنهم بالمرة.

 

قواعد رقابة الفن يجب ان تكون خاضعة للقضاء فقط ، اي يمنع التعرى التام من الملابس الكاملة ، ويمنع استخدام الفاظ يتم وضعها في قائمة ويتفق عليها الفنانون في نقابتهم اما عدا ذلك يخضع للذوق العام وتقدير القاضي مع استخدام التصنيف العمري بشكل حازم ويطبق بشكل حازم. الفن السينمائي في حاجة الى مساحة اكبر من الحرية والديمقراطية وانطلاقة الفنان في حاجة الى جو من الامان والهدوء وعدم تدخل السياسي او رجل الدين في شئون الفن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *