كاميليا ملكة جمال الشواطئ معشوقة النجوم ونهايتها المآساوية

الممثلة كاميليا ، أو حسناء الشاشة، أو جوهرة الملك، أو المرأة المثيرة للجدل هو اسم الشهرة لفتاة يهودية ولدت بالإسكندرية في الثالث عشر من ديسمبر عام 1919، اسمها الحقيقي ليليان، والدها في الأوراق الرسمية فيكتور ليفي كوهين، يهودي مصري، لكن والدها الحقيقي هو مسيحي ايطالي غير معروف، مات بعد ولادتها بأيام، فتبناها فيكتور ليفي زوج والدتها.

كانت كاميليا شخصية اجتماعية منخرطة وسط أهل الإسكندرية، وكانت تترد كثيرًا على الكنيسة الكاثوليكية، كون والدها الحقيقي مسيحي إيطالي وبدأت كاميليا رحلة المجد عام 1946، حيث اكتشفها الفنان أحمد سالم فور أن شاهدها بنادٍ بالإسكندرية، وعرض عليها التمثيل وخوض المنافسة مع نجمات السينما، وبالفعل استطاع إقناعها لتدخل الممثلة كاميليا المجال وهي بنت السابعة والعشرين، ولتبدأ بعدها رحلة النجومية التي لم تدم أكثر من أربع سنوات.

 

كان كاميليا ضعيفة في اللهجة العربية مثلما هو الحال مع جميع أبناء الجاليات الأجنبية، لذلك حرص أحمد سالم منذ اللحظة الأولى على تعليمها اللغة العربية، والعادات المصرية، والأمثال الشهيرة، ثم قام بعمل حملة صحفية كبيرة لهذا الوجه الجديد، لتُصبح كاميليا نجمة الشباك حتى قبل أن تبدأ في أولى أفلامها ” القناع الأحمر”.

مع إعلان وجود كاميليا في الوسط الفني بدأ الجميع في التهافت عليها، مُمثلين وجمهور، منتجين ومخرجين، حتى وصل الأمر إلى أن أحدهم قام بسرقة مبلغ من المال لإنتاج فيلم يقوم ببطولته أمام كاميليا، فقط من أجل أن يراها، ويوسف وهبي كذلك، طلبها بالاسم في فيلمه ” القناع الأحمر”، وآخرين غيرهم، كانت أقصى أمانيهم أن تبتسم في وجههم الممثلة كاميليا .

 

من رأي كاميليا ولم يعشقها؟ سؤال ربما لا يمكن لأحد إجابته، خاصةً أولئك الذين عاصروها وشاهدوها، وربما يكون من غير المنطقي القول بأن كاميليا قد رفضت مئة عرض زواج في عامٍ واحد، لكن الغير معقول بالمرة، والداعي للدهشة والجنون، أن كاميليا قد رفضت أكثر من ألف عرض لا مُجرد مئة، وكان من بينهم مشاهير وشخصيات سيادية، لم تُلبي كاميليا نداء أيًا منهم، لكن ثمة شخص وقع في حبها، وكان من الجنون أن تقول له مثلما قالت للآخرين، إنه الملك فاروق، أجل، لقد طغى جمال كاميليا حتى وصل إلى إيقاع الملك

 

لم تسلم الجميلة كاميليا من أعين الملك، حيث رأها مع الممثل أحمد سالم وأعجب بها، فكانت تذهب إليه وتتردد على القصر بصورة شبه دائمة، وكان هو يذهب إليها في أماكن التصوير وبعض الأماكن العامة، حتى أصبح التشكيك في عدم وجود علاقة أمر ليس منطقي على الإطلاق، لكن بالنهاية لم تتوغل العلاقة أكثر لأسباب كثيرة أهمها السمعة السيئة التي حظي بها كلًا منهما، وتوجيه أصابع التقصير للملك بعد الهزيمة في الحرب، وأخيرًا كان السبب الذي انتهى معه كل شيء تمامًا، وهو موت كاميليا عام 1950 في ظروفٍ غامضة.

 

في صباح الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1950 استقلت كاميليا الطائرة المتجهة من القاهرة إلى روما، ولم تلبث أن تحركت حتى سقطت في حقول البحيرة بعد أقل من ربع ساعة من الإقلاع، وهو ما أكد وجود شبهة تعمد بالفعل، فلا يُعقل أن ينفذ الوقود من الطائرة بعد ربع ساعة فقط. وقد أشيع وقتها أن الكاتب الكبير أنيس منصور كان من المفترض أن يستقل هذه الطائرة ويجلس على هذا المقعد بدلًا من الممثلة كاميليا ، إلا أن والدته قد مرضت فجأة وأجبرته على المكوث بجوارها، ليقوم بإلغاء الحجز وتُسافر كاميليا بدلًا منه، وهو ما نفاه أنيس منصور جملة وتفصيلًا، وعلى ما يبدو أن أحدًا ما قد اختلق هذه القصة لتأكيد موت كاميليا عن طريق الصدفة، وهو الأمر إلى يجعل تدبير حادث الطائرة شبه مؤكد.

 

إن كانت كاميليا قد قُتلت فعلًا، فإن قاتلها لا يخرج عن الموساد الإسرائيلي والملك فاروق، ويرجع ذلك إلى وجود مُبررات لكلٍ منهما، فالملك فاروق كان يجلس الكثير من الوقت رفقة كاميليا، ومن المحتمل أن يكون قد أفشى لها سرًا من أسراره، وربما أراد بقتلها إخفاء هذا السر للأبد.

 

القول الثاني بأن جهاز الموساد الإسرائيلي قام بتدبير قتلها تحسُبًا لافتضاحه وكشف أسراره التي تعرفها الممثلة كاميليا ، أو أنه قد قام بقتلها لأنها رفضت التعاون معه، وهذا احتمالٌ قائم أيضًا، خاصة وأن كاميليا كانت وطنية بما فيه الكفاية ولمُ يثبت حتى الآن بأي شكل من الأشكال تعاونها مع المخابرات الإسرائيلية ضد مصر، بل ولم تذهب لإسرائيل مطلقًا ولو حتى لزيارة أقاربها، وفي هذا إثباتٌ لبرائتها، رغم ذلك ستظل كاميليا منبعًا للحقائق المُثيرة والشكوك الكثيرة.

 

وكان من عشاق كاميليا الفنان رشدي اباضظة وكان يزورها في شقتها في عمارة «الإيموبيليا» المكونة من طابقين، ولاحظ أنها تدخل من باب الشقة السفلي، وكذلك رشدي، الذي أصبح له مفتاحه الخاص، وعندما طلب مفتاح باب الطابق العلوي، صمتت كاميليا، ولم تجبه، فعاود رشدي طلب المفتاح، فكان رد كاميليا البكاء، وهو ما أثار الشكوك في قلب رشدي أباظة:

 

– مش فاهم… إيه معناه الكلام دا؟!
* صدقني مافيش حاجة.
أصدقك ولا أصدق دموعك؟ فهميني معناها إيه الدموع دي؟
* طب لو اتكلمت بصراحة هاتقدر كلامي… مش هاتفهم غلط؟
– كاميليا. انت كدا بتولعي في جسمي. اتكلمي على طول من غير لف ودوران.
* ما هو مش ممكن اتكلم وانت بالحالة دي. اوعدني أنك تتفهم الأمور وماتفهمنيش غلط.
– أوعدك… اتكلمي.
* شوف أنا عارفة كويس إنك بتغير من فاروق ومش بس فاروق… وكمان أحمد سالم، ويوسف وهبي، زي ما كل الناس بتتكلم… لكني أقسم لك إن مافيش أي علاقة بأي واحد منهم دلوقت. يمكن كانوا في وقت من الأوقات كان لكل واحد فيهم دور في حياتي. لكن مش أكتر من مشروع علاقة.
– مشروع علاقة لحد فين؟
* مش للدرجة اللي في دماغك. كلها كانت مشاريع حب من ناحيتهم. ماتمتش من ناحيتي.
– طب إيه حكاية مفتاح الدور اللي فوق دا؟
* هو دا المشكلة… أنا عايزة أقولك إني ماكنتش أقدر آخد الفيلا دي في الإيموبيليا وأفرشها بالطريقة دي. لكن كان في حد بيحاول يقرب مني. وأرجوك ماتحاولش تسأل عن اسمه لأني مش هاقدر أقول اسمه. علشان دي رغبته لأن عنده بيت وزوجة وأولاد، وأنا أقسمت على كدا. ودا اللي جاب لي الفيلا دي وفرشها واشترط أنه يبقى معاه مفتاح الدور اللي فوق. وماحدش تاني يدخل منه غيره. بس أقسم لك إن العلاقة ماتعدتش الصداقة. أو تقدر تقول إنه حب أفلاطوني من ناحيته… وإنه زي ما بيقول بيكون مرتاح أوي لما بيجي يقعد معايا شوية هنا. لكن بكل أدب واحترام… وعلشان تبقى مطمن هو عنده خمسة وستين سنة… يعني أكبر من بابا.
– وإيه المطلوب مني؟ أبقى آجي اقعد معاه أنا كمان أسليه معاكي؟!
* لا يا حبيبي… أنا مش قصدي اجرحك. بس أنا حبيت أقولك على كل اللي كان في حياتي. لكن أوعدك أني هانهي علاقتي بأي شيء من الماضي لأن مافيش غيرك في حياتي ومش هايكون. أنا كان ممكن أخبي عليك وعمرك ما كنت هاتعرف. بس أنا أخدت عهد على نفسي ما أخبيش عنك حاجة. حتى لو كانت قبل ما أعرفك.

صدّق رشدي كلام كاميليا، لكنه شعر بشيء ما يؤلمه. فهو أناني في الحب… وقد أكدت له أنه الأول في قلبها… وسيكون الأخير، الأمر الذي بلغ الملك فاروق فغضب وثار، بل وللمرة الأولى توعَّد رشدي أباظة علناً.

ذهب رشدي وكاميليا يتناولان العشاء في «فندق مينا هاوس» في منطقة الأهرامات، وكان في نيتهما إكمال السهرة في الفندق، غير أن رشدي ما إن علم بوصول الملك حتى سارع وكاميليا بمغادرة الفندق، لكنه قبل أن يخرج من مطعم الفندق، فوجئ بفوهة مسدس في ظهره، استدار ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام ملك مصر والسودان، وقد صوب مسدسه تجاهه: أباظة… ابعد عن كاميليا.

لم ينطق رشدي كلمة، بل ظل واقفاً مكانه في انتظار أن يتحرك الملك، الذي قال جملته ثم أعاد المسدس مكانه، وأطلق ضحكة عالية هزت أرجاء المكان.

لم يخف رشدي، ولم يتأثر بما قاله الملك، بل زاده إصراراً على أن يتمسك بكاميليا، أولاً لأنه يحبها فعلاً. أما السبب الثاني، غير المعلن، فهو تحدي الملك، وهو ما استشعرته كاميليا في كلام رشدي، وحرصه على أن يعرف كل التفاصيل عن علاقتها بالملك، ما جعلها تشكك في حبه لها، وأن علاقته بها لم تخرج عن كونها مجرد تحدٍ للملك:

 

* عايزة أسألك سؤال يا رشدي… بس تجاوبني بصراحة.
– طبعا يا حبيبتي اسألي.
* انت بتحبني فعلا… ولا عايز بس تثبت لنفسك أنك تقدر تقف قدام الملك وتنتصر عليه؟
– كاميليا. أنا بحبك حب ممكن يخلي كل الناس اللي على الأرض يحبوا بعض.
* طب ليه مُصّر دايماً تحط الملك بينا.
– مش أنا… هو اللي بيحط مناخيره في كل حاجة. مُصّر يخطف كل حاجة حلوة في حياتنا.
* بس هو ماقدرش يخطفني منك. انت اللي…
– قصدك تقولي إن أنا اللي خطفتك منه. لا… انت اللي قدرتي تعرف القلب اللي حبك بجد. من اللي عايز ينهش لحمك ويرميك زي غيرك. بدليل أنه طلق الست المحترمة فريدة اللي كل الشعب بيحبها.
* إحنا هانفضل نتكلم عنه طول القعدة.
– لا خلاص. قوليلي انت هاتخلصي فيلمك مع إسماعيل ياسين أمتى؟
* أنا خلصت امبارح فيلم «قمر 14» وفاضلي مع إسماعيل ياسين في فيلم «المليونير» أسبوع.
– أعملي حسابك. احنا لازم نتجوز في أقرب وقت. لأن خلاص الصيف دخل علينا احنا في مايو… يعني كلها شهر والجو هايبقى نار.
* انت ناوي نقضي شهر العسل في مصر ولا الإسكندرية؟
– لا شهر العسل هانقضيه في إيطاليا… ومنها على فرنسا… هانلف أوروبا كلها.

لم يكن رشدي يترك كاميليا لحظة، سواء أثناء عملها في الأفلام التي تشارك في بطولتها، أو بعيداً عن الكاميرات، ليس لإدراكه حجم المؤامرة التي تحاك ضدها، بل لأنه أحبها بإخلاص، وأصبح يعد الأيام في انتظار انتهاء كاميليا من ارتباطاتها الفنية لإتمام الزواج، وهو ما حدداه في الأول من أكتوبر 1950.

قدمت كاميليا عام 1950، نشاطاً فنياً ملحوظاً، فقامت ببطولة كثير من الأفلام من بينها: «العقل زينة، المليونير، آخر كدبة، ولدي، قمر 14}، ثم «بابا عريس» آخر فيلم قدمته مع المخرج حسين فوزي الذي أدت بطولته زوجته نعيمة عاكف، وهو أول فيلم مصري يقدم بالألوان الطبيعية، فضلاً عن الفيلم الأميركي «الطريق إلى القاهرة»، حيث كانت المصرية الوحيدة المشاركة في الفيلم، واعتبره بعض النقاد والصحافيين، بداية جيدة لوضع قدميها على طريق العالمية، وهو ما فكرت فيه كاميليا فعلاً. غير أن الفيلم ترك علامة استفهام كبيرة، وما إن انتهت كاميليا من تصوير الأفلام المرتبطة بها، حتى قررت السفر في رحلة علاج إلى سويسرا:

 

– مش ممكن أسيبك لوحدك… لازم آجي معاكِ.
* حبيبي أنا مش هاتأخر. هي كلها أسبوعين… وأنا مرتبة كل حاجة هناك. مجرد ما أعمل الأشعة والتحاليل اللازمة وأخد العلاج. هارجع على طول… وكمان هاجيب معايا فستان الفرح.
– طب أنا عندي فكرة. نكتب الكتاب ونسافر… وأهو منه تتعالجي ومنه نقضي شهر العسل في سويسرا… ونطلع منها على باريس ونختم بإيطاليا.
* لا يا حبيبي… انت عاوز تضحك عليا. أنا هاقضي شهر العسل ولا هاتعالج.
– ماهو مش ممكن أسيبك.
* حبيبي… الأستاذ يوسف وهبي بعتلك علشان تشتغل معاه في فيلمه الجديد. وانت عارف يوسف وهبي في الشغل… ماعندوش تفاهم.
– لسه بدري ع الفيلم… يوسف وهبي هايصور أول الشتا. يعني مش قبل نوفمبرأو ديسمبر.
* صدقني هم أسبوعين مش هاأتأخر.

 

كانت آلام المعدة المتكررة تنغص على كاميليا حياتها، فأرادت أن تضع لها حداً، فقررت السفر إلى سويسرا لتعرض نفسها على الأطباء هناك، وطلبت حجز مكان لها على طائرة شركة الطيران الأميركية «تي دبليو إيه»، رحلة «نجمة ميرلاند رقم 903»، المتجهة إلى سويسرا، لتلحق بموعد حجز المستشفى السويسري، غير أنها لم تجد مكاناً لها على الطائرة، لكن موظف الشركة وعدها بأن يبذل قصارى جهده خاصة بعدما عرف بمرضها.

في المساء اتصل بها الموظف، وأخبرها عن تنازل صحافي مصري يدعى «أنيس منصور» عن مكانه وتذكرته بشكل مفاجئ لأسباب خاصة به، وفعلاً فرحت كاميليا وعقدت العزم على السفر، حيث كان رشدي أباظة في وداعها في المطار، بعدما تواعدا على اللقاء بعد أسبوعين لإتمام الزواج.

أقلعت الطائرة صباح يوم 31 أغسطس عام 1950، من مطار القاهرة، ولم يستمر طيرانها في سماء مصر أكثر من عشرين دقيقة، لتسقط الطائرة منفجرة فوق دلتا وادي النيل، في مدينة «الدلنجات» في محافظة البحيرة. ولم يُعثر إلا على «فردة حذائها الساتان الأخضر» بلون الفستان الذي ارتدته كاميليا، التي رحلت ولم يتجاوز عمرها الواحد والثلاثين. وتنقذ الأقدار رشدي أباظة من المصير نفسه، فقد كان مقدراً له أن يسافر معها، وهو ما ألح عليه رشدي، غير أن كاميليا أصرت على ألا يسافر معها.

 

أمضى رشدي أسبوعين في المستشفى، لم يستيقظ خلالهما إلا ساعات، حيث داوم الأطباء على إعطائه الأدوية المنومة والمهدئة، فكلما كان يفيق من نومه كان يُصاب بنوبة من الهياج العصبي، حزناً على رحيل كاميليا. وخرج بعد أسبوعين، وظل عازفاً عن كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *