جريمة على ضفاف النيل: تسريب ارشيف السينما المصرية للسعودية

بدأت قصة بيع تراث الأفلام، بعد قرار تأميم السينما المصرية، في ذلك الوقت أعُلن في مزاد علني عن بيع أكثر من ألف فيلم من إنتاج الأربعينات والخمسينات، كانت هذه الأفلام ملك ستوديو مصر، وكان سعر بيع نيجاتيف الفيلم الواحد لم يتعد 200 جنيه، وكان السبب وراء ذلك شخص يدعى الدكتور «حسن الجزيري»، كان المسئول العام عن التراث السينمائي في ستوديو مصر؛ لتصبح البداية الأولى لبيع التراث السينمائي المصري. وتأتي البداية الثانية: والتي كانت السبب في ضياع التراث السينمائي للأبد، بسبب نظام «الاحتكار»، الذي كان يتبعه التلفزيون المصري، وهو احتكار الفيلم الواحد لمدة 99 عامًا من الورثة بسعر 5 آلاف جنيه، وهذا الأمر جعل ملاك وورثة هذه الأفلام يقاضون التلفزيون، ليكون حكم القضاء بتقليص مدة الاحتكار 49 عامًا.

لم ينته الأمر على هذا، إذ سعى التلفزيون لفرض سلطته الرقابية لحذف مشاهد من بعض الأفلام، ومنع عرض أفلامٍ أخرى؛ مما أدى إلى غضب الورثة التي ارتأت، بأن هذه الأفلام كنزًا كبيرًا يعود بأموالٍ كثيرة عليهم، في حال عرضها، وما تزال الانتهاكات مستمرة من جانب التلفزيون؛ إذ تعرض نيجاتيف الأفلام المملوكة للدولة لعملية تخريب، بسبب وضع النيجاتيف، في أماكن غير صالحة؛ مما أدى إلى تلفه، كل هذا أدى إلى ظهور جهات تطلب شراء نيجاتيف هذه الأفلام للحفاظ عليه وترميمه، والاستفادة منه لتبدأ مرحلة جديدة لبيع التراث السينمائي.

 

بسبب نظام الاحتكار الذي كان يفرضه التلفزيون المصري، ونتيجة لتلف نيجاتيف الكثير من الأفلام تتولى شركة شراء هذا التراث من الورثة مقابل 20 ألف جنيه للفيلم الواحد، هي شركة «سانيلاند» القبرصية، وكان رئيس مجلس إداراتها رجل الأعمال اللبناني «محمد ياسين»، يذكر أن شركة «سانيلاند» القبرصية لم يكن لها رخصة مزاولة للمهنة في مصر، ولم تسجل في سجل الاستثمار، ولا في سجل المصدرين.

 

في عام 1993، بعد ظهور راديو وتلفزيون العرب أيه آر تي، يتضح أن شركة«سانيلاند» القبرصية هي إحدى شركات رجل الأعمال السعودي صالح كامل، وكان الهدف هو شراء نيجاتيف، واحتكار عرض الأفلام المصرية، بالإضافة إلى شراء كل الأفلام، التي قامت زوجته الفنانة صفاء أبو السعود بالتمثيل فيها، وقد أصدر قرارًا بحذف كل المشاهد التي تظهر فيها زوجته بطريقة غير مناسبة؛ لكن الغريب في الأمر أن «صالح كامل»، باع حقوق عرض أفلام زوجته لقنوات الأوربت بدون حذف أي مشهد!

مشهد من فيلم «عماشة في الأدغال» الذي منع من العرض

 

وقد منع عرض بعض الأفلام لأسباب دينية مثل فيلم خالد بن الوليد لـ«حسين صدقي»، وفيلم بلال مؤذن الرسول لـ«يحيى شاهين»، وقد منع عرض فيلم عماشة في الأدغال الذي اشتراه بـ 50 ألف دولار، بسبب ظهور زوجته بالمايوه في أحداث الفيلم، ويقال إن لهذا الفيلم قيمة تاريخية كبيرة، إذ استطاعت المخابرات المصرية عن طريقه نقل المعدات الحربية لعملية الحفار الشهيرة.

 

ويبلغ عدد الأفلام المصرية التي يمتلكها صالح كامل ألفي فيلم: ألف وخمسمائة فيلم قديم، و500 فيلم جديد. حسب موقع أخبار اليوم. وقد امتنع التلفزيون المصري عن حضور مزاد بيع هذه الأفلام، بحجة عدم وجود ميزانية تكفي لشراء هذه الأفلام، لتقوم شركة «سانيلاند» بشراء هذه الأفلام، في عهد المهندس «أسامة الشيخ» رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون. وقد تم بيع جزء من حصة «صالح كامل» من الأفلام بعد ذلك، إلى «الوليد بن طلال»، لكن لم يذكر عدد الأفلام التي تم بيعها.

 

في عام 2000، تأسست الشركة القابضة «فنون»، لصاحبها رجل الأعمال الأردني «علاء الخواجة»، وتحت إدارة زوجته الفنانة إسعاد يونس، ورجل الأعمال المصري أحمد هيكل، والذي كان شريكا أساسيًّا في شركة «هيرمس» القابضة، وكانت شركة «فنون» من ضمن مجموعة شركات «هيرمس»، واشترت الشركة نيجاتيف عدد كبير من الأفلام، بعضها من الورثة، وشركات قطاع عام، وشركات خاصة أعلنت إفلاسها، وباعت الشركة بعد ذلك 850 نيجاتيف فيلم لرجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال، يشار أن عدد الأفلام المصرية التي يمتلكها الوليد هو ألف وثلاثمائة فيلم تقريبًا، منهم أفلام مصرية قديمة سبق واشتراها قبل ذلك، وأفلام جديدة شاركت روتانا في إنتاجها.

 

لم تنته صفقة الوليد بن طلال عند شراء الأفلام المصرية؛ إذ قام بشراء جزء من التراث الغنائي المصري القديم والجديد أيضًا، ويبلغ 11 ألف دقيقة من الحفلات الغنائية للمشاهير من المطربين من أمثال: «أم كلثوم»، و«عبدالحليم حافظ»، و«محمد عبدالوهاب»، وقد بيع سعر الدقيقة الواحدة للأغنية بـ10دولارات، وهذا سعر قليل جدًّا؛ إذ تتراوح سعر الدقيقة من 500 إلى 600 دولار، ومن الممكن أن تصل إلى 1000دولار، طبقًا للائحة الأسعار الخاصة بالتلفزيون المصري، يشار إلى أنه لم يتم تحديد مدة زمنية لحق استغلال هذه الأغاني عند البيع، وتركت مدة استغلالها مفتوحة.

 

وقد أحال وزير الإعلام في ذلك الوقت أنس الفقي، صفقة بيع التراث الغنائي بهذا الثمن البخس للنائب العام، للتحقيق في هذا الأمر، لكن بلا فائدة، وأعلنت روتانا أنها اشترت هذا التراث من أحد الموظفين في التلفزيون المصري بهذا السعر، والغريب هنا عدم وجود اعتراض على عملية بيع التراث، وإنما كان الاعتراض على بيعه بثمن أقل من الأسعار المقررة للائحة التلفزيون. في عام 2010 عقد الوليد بن طلال شراكة مع رجل الأعمال اليهودي روبرت مردوخ، حيث تمتلك مجموعة «نيوز جرورب»، الإعلامية التابعة لمردوخ نسبة 14.53%، في مجموعة شركات روتانا للصوتيات والمرئيات.

 

ونشرت جريدة اليوم السابع المصرية ابريل من العام الماضي أن ما تبقى لنا من 100 سنة سينما وأكثر، 365 فيلمًا فقط تملكهم وزارة الثقافة العام من أصل 5000 فيلم سينمائى حسبما أكد الدكتور خالد عبد الجليل مستشار وزير الثقافة: “تراث مصر من الأفلام السينمائية يصل إلى 5000 فيلم، منها 1500 فيلم تملكها قنوات art و1600 فيلم تقريبا ملك قنوات روتانا و500 فيلم تملكها الشركة العربية، بينما تملك شركة الصوت والضوء التابعة لوزارة الثقافة 365 فيلما و1000 فيلم تسجيلى وروائى قصير”

 

منذ عام 1972، أى قبل 45 عاما، رفعت الدولة يدها عن السينما وتركتها تواجه مصيرها.. وتحت ضغط المستوى المتدنى الذى وصلت إليه السينما المصرية تعالت الأصوات المهمومة بالصناعة والجودة تطالب الدولة بالتدخل، لكنه كان تدخلا غير مؤثر ولم يزد على تقديم دعم للأفلام الجادة لا يزيد على عشرين مليون جنيه.. وهو مبلغ لم يعد ذا قيمة فى ظل الارتفاع المذهل فى تكاليف الصناعة وأجور النجوم!
ذهب د. خالد عبد الجليل وقت ولايته الأولى للمركز القومى للسينما إلى صناع السينما وخبرائها فى نقابة السينمائيين وغرفة صناعة السينما ولجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة، وجمع كل ما يتعلق بمشاكل السينما المصرية وتشخيص أمراضها، وصاغ بسنين خبرته كأستاذ فى معهد السينما مشروعا متكاملا قدمه إلى مجلس الوزراء وقت أن كان يرأسه د. حازم الببلاوى، واهتم رئيس الحكومة بالمشروع، وقرر تشكيل لجنة وزارية عليا لحل مشاكل صناعة السينما مكونة من 6 وزراء هم المعنيون بها، مقررها وزير الثقافة ومنسقها د. خالد عبد الجليل بصفته صاحب المشروع..
المشروع ينتظر قرارا مصيريا من مجلس الوزراء بنقل إدارة أصول السينما المصرية من شركة مصر للصوت والضوء إلى الشركة القابضة الجديدة حتى تستطيع أن تبدأ العمل على الأرض.. فلا يمكن أن يتحرك المشروع خطوة للأمام دون هذا القرار.. فكيف يمكن أن يبدأ فى ترميم الأفلام وإنشاء السينماتيك وتكليف شركة هندسية بتقسيم المكان وإنشاء المبانى فى حين أن ملكية الأصول تتبع شركة مصر للصوت والضوء؟!

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *