من أسرار حياة الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب

abdelwahabعلى رغم شهرته الواسعة وإرثه الفني والموسيقي الكبير، مازال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب يحمل الكثير من الأسرار. ومن أبرز هذه الأسرار أنه كان يؤذن فوق مئذنة مسجد “سيد الشعراني” بحي باب الشعرية. ومن أقواله

”لأنني لا أحس برغبة في أي شئ” هكذا أجاب موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب عن سؤال  لماذا تلحن؟، وهكذا يلخص حياته بعد أن لم يبق في جوانحه رغبة في غير الفن.

إنه الفنان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ذو الحنجرة الذهبية محمد عبدالوهاب. يقدمه لنا المؤلف  الكاتب محمود عوض من خلال فصول جديدة من حياته ربما لا يعرفها كثير منا في كتابه “محمد عبدالوهاب الذي لا يعرفه أحد” الصادر مؤخراً عن سلسلة “فنون” التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلاسل مكتبة الأسرة.

 

يسرد الكتاب لنا طفولته وعلاقته بأمير الشعراء ومسرح بداياته الفنية وزوجاته المتعددات، ثمانية فصول تنتهي بفصل إضافي لمجموعة من الصور النادرة تضم قرابة العشرين صورة تمثل أهم مراحل حياته.

 

إننا كما يقول المؤلف نسمعه في ميكروفون الإذاعة، أو نشاهده على شاشة التليفزيون. إن الشاشة لها متطلبات. إنها تضع أصباغاً على وجوه أبطالها لكي نراهم نحن في أجمل صورة، هناك فناً يميز عبدالوهاب كما يقول المؤلف فن آخر غير الموسيقى إنه فن الشخصية، والكتاب كما يؤكد صاحبه يزيل الأصباغ عن وجه عبدالوهاب.

 

هناك دنيا مخصوصة لعبد الوهاب كما يؤكد محمود عوض، ففي دنيا عبدالوهاب لا توجد شمس ولا قمر ولا نجوم ولا صيف ولا شتاء ولا خريف، لا توجد برودة ولا يوجد صقيع لا توجد حرارة أكثر مما ينبغي ولا تغيير ولا مفاجآت ولا حتى انفعال.

 

يقول عبدالوهاب: “أنا كان عندي من الستات..عقدة أعرف سببها جيداً عندما كنت صغيراً تزوج أبي على أمي بزوجة أخرى من يومها رأيت في عينها الحزن من يومها شعرت معها بالتعاطف”.

 

وتحكي زوجته نهلة التي تلقب عبدالوهاب بـ”بيبي” عن مضايقات المعجبات، حتى أن عبدالوهاب اضطر لتغيير رقم تليفون منزله بسبب فتاة اعتادت أن تطلب “بيبي” كل ليلة ليقول لها “تصبحي على خير” وإلا فإنها لا تنام!.

 

يحكي الكتاب أن عبدالوهاب ذهب مرة يغني في أحد الأفراح بقرية مجاورة لبنها، وقبل الغناء دعاه صاحب الفرح للعشاء على مائدة المدعوين في حين اختار لأفراد الفرقة الموسيقية مكاناً في حظيرة البهائم. لحظتها انصرف عبدالوهاب مع فرقته احتجاجاً على هذا التصرف. وفعلاً عاد الجميع ليلتها دون أن يقوموا بإحياء الحفل.

 

التصرف من وجهة مظر عبدالوهاب كان ضرورياً لأنه يرى احترام الناس لأفراد فرقته هو جزء من احترامهم له شخصياً. واحترامهم له هو بالتالي جزء من احترامهم لمهنته وعمله.

 

يرى المؤلف أن رد الفعل الذي خلقته أيام الفقر والمهانة  التي عاشها عبدالوهاب، هو الحرص على الأموال التي يكسبها. يقول: إنك مع عبدالوهاب تشعر أنك مع مليونير فقد ثروته منذ خمس دقائق، بالطبع هو لم يفقد ثروته. ولكن تصرفاته نفسها تعطيك هذا الإحساس. وربما يكون هذا بخلاً والبعض يسميه حرصاً، المتفق عليه أن الجنيه الذي يدخل جيبه هو عشرة قروش، ولكنه يخرج من جيبه كعشرة جنيهات! إن عبدالوهاب هو رجل اشتراكي جدا في عواطفه، ولكنه رأسمالي للغاية في أمواله،  أقصى أرباح بأقل ثمن.

 

إن حرصه على المال يأتي كرد فعل لأيام الفقر التي بدأ بها حياته. رد فعل لارتفاعه من قاع المجتمع. إن عبدالوهاب خرج من القاع وصعد على السلم وأصبح هناك في أعلاه وهو يخشى السقوط دائماً، المخيف هنا لا يكون الفقر في حد ذاته، ولكن الإذلال الذي يترتب دائماً على الفقر. في الدنيا التي صنعها عبدالوهاب لنفسه كان المال دائماً أحد الضمانين اللذين يستمر بهما في الحياة. إن الضمان الأول هو فنه والثاني هو أمواله.

 

إن اسوأ عادات عبدالوهاب كما يبرز الكتاب هي الوسوسة الخوف من المرض، الخوف من احتمال المرض، يقول المؤلف: إن الوسوسة إذا سيطرت على عقله نحوك فإنه ينادي الخادم فوراً ليغسل يده بالكولونيا. هذه إحدى العادات التي انتقلت لعبدالوهاب من أحمد شوقي.

 

ويعلق المؤلف: عبدالوهاب يحب الحياة ويحب نفسه أكثر من الحياة، كان يعتبر أن أي لحظة مرض هي لحظة مخصومة من حياته.

 

يحكي الكتاب عن ولادة عبدالوهاب العسيرة وإصابته بنزلة معوية حتى أن الطبيب أبلغ والده بأنه لن يعيش ونصحه باستخراج شهادة وفاة له، إلا أنه لم يمت!. كذلك يشير الكتاب لكره عبدالوهاب لمادة الحساب في الكُتّاب، وكيف أنه كان يهرب من شيخه حتى أنه اصطدم بعربة حنطور في أثناء فراره منه ذات يوم، وهي الحادثة التي تركت آثارها في الجانب الأيمن من رأسه واستمرت معه طوال حياته بعد ذلك.

 

يؤكد المؤلف أن القرآن الكريم كان يشده في طفولته فلا يردد آياته في الكُتّاب فحسب، ولكن في المسجد أيضاً، يقول عبدالوهاب عن ذلك: “كنت أرى وأسمع حلقات الذكر التي كان المصلون يقيمونها في المسجد بعد صلاة الفجر في بعض الأحيان، وبعد صلاة العشاء في أحيان أخرى وبرغم أنني كنت في حوالي السابعة، فإنني كنت أشعر كلما سمعت إنشاد المصلين في أنغام الذكر الرتيبة بانقياد عجيب. وكانت أهازيجهم الدينية تطربني وتبعث في أعماقي نشوة لها مفعول السحر. وهكذا بدأت أتعلق بحضور هذه الحلقات. فكنت أستيقظ كل يوم قبل الفجر، ثم أنفلت إلى المسجد حيث أروي ظمئي من أناشيد الذكر وأرددها مع المصلين. وكان ثمة شئ لا يدركه عقلي الصغير هو الذي يربط إحساسي الداخلي إلى هذه الأنغام الدينية العذبة برباط متين من الإعجاب والتقديس وكان ذلك الشئ هو الإيمان”.

 

حصل عبدالوهاب على لقب “مطرب الحارة” بعدما غنى للشيخ سلامة حجازي أغنياته وحظى بتصفيق زملائه في الحارة من الأطفال الصغار؛ ويحكي محمد عبدالوهاب كيف أنه كان يُطرد من الأفراح حين يرغب في سماع المطربين، وعن الحيل التي كان ينتهجها للدخول إلى تلك الأفراح منها مثلاً أنه عرض على رجل عجوز من خدم سرادق الفرح أن يحمل بدلاً منه صينية الطعام، وبالفعل دخل إلى سرادق الفرح ووضع صينية الطعام فوق إحدى الموائد وأسرع بالاختباء تحت “دكة” المطرب وبطانته ليستمع للغناء!.

 

في عام 1917 بمسرح الكلوب المصري، نقرأ إعلانات على الحائط “الطفل المعجزة..أعجوبة الزمان الذي سيطربكم محمد البغدادي!”. سمي محمد عبدالوهاب، بمحمد البغدادي خوفاً من معرفة أسرته بأنه يغني، لذلك غنى متنكراً تحت هذا الاسم، كان يغني لجمهور المسرح بين فصول الروايات التمثيلية، سمعه الجمهور وصفق له، وكان يغني من كلمات يونس القاضي: “أنا عندي منجة ..وصوتي كمنجة..أبيع وأدندن..وآكل منجة”.

 

سمع أمير الشعراء أحمد شوقي، محمد عبدالوهاب وهو يغني على المسرح وأرسل لصاحب المسرح “رسل” باشا حكمدار القاهرة ليمنعه من الغناء لأنه صغير السن!. هكذا كره عبدالوهاب شوقي!.

 

ويحكي الكتاب عن فشل عبدالوهاب المتواصل في أن يصبح مطرباً، ثم عمله كمدرس للأناشيد في مدرسة “الخازندارة” ويعترف عبدالوهاب قائلاً: “إنني لم أكن تلميذاً فاشلاً فحسب، بل أصبحت كذلك مدرساً فاشلاً. لقد دخلت الفصل لأول مرة وفي ذهني تلك الصورة الجميلة لشخصية الرجل الذي سيصنع من الطلبة الأطفال عباقرة يدينون له بالفضل والولاء في مستقبل الأيام. لكنه لم يحدث.. كان التلاميذ “العفاريت” يرددون الأناشيد كالببغاوات وكأنهم يرددون “فزورة” أو يقلدون الحيوانات من باب التسلية، وكان أكثر هؤلاء الأولاد شقاوة وأفشلهم في حفظ الأناشيد هو إحسان عبدالقدوس الذي أصبح فيما بعد رئيساً لتحرير روز اليوسف”.

 

يسوقه القدر بعد ذلك لمقابلة شوقي بك أمير الشعراء، الذي وصف عبدالوهاب  بالكروان، يقول عبدالوهاب: “أحسست على الفور أننا أصبحنا أصدقاء، برغم الفارق الواضح بينا في السن والبيئة والمركز”. نمت صداقة بينهما ووضع أحمد شوقي أول أغنية من تأليفه ليغنيها عبدالوهاب، ولم تكن “يا جارة الوادي” هي أول أغنية، سبقها دور عامي بعنوان “شبكت قلبي يا عيني” يقول شوقي:

 

توحشني وانت ويايا/ واشتاق لك وعنيك في عنيا/ واتذلل والحق معايا/ واعاتبك ما تهونشي عليا

بهذه الأغنية بدا غناء عبدالوهاب لشوقي، وبدأ عبدالوهاب يضاعف من مجهوده لدراسة الموسيقى.

 

هاجم المازني والعقاد عبدالوهاب بسبب تبني شوقي له، وقد كانوا في خصومة مع شوقي رغم أنهم لم يسمعوا عبدالوهاب من قبل، فدعت روز اليوسف في بيتها العقاد والمازني ليستمعوا إلى عبدالوهاب، الذي حاز إعجابهم جميعاً، حينها انشد العقاد فيه شعراً وقال: إيه عبدالوهاب إنك شاد/ يطرب السمع والحجا والفؤاد/ قد سمعناك ليلة فعلمنا/ كيف يهوى المعذبون السهادا/ ونفينا الرقاد عنا لأنا/ قد حلمنا وما غشينا الرقادا/ وبارك الله في حياتك للفن/ وأبقاك للمحبين زادا

 

ويشير الكتاب إلى أن صداقة عبدالوهاب بشوقي كانت بمثابة جواز المرور إلى الشخصيات العظيمة، ومفتاح الدخول للمجتمع الأرستقراطي المتعالي.

 

يحكي الكتاب عن زواج عبدالوهاب السري من السيدة “ز” هانم التي كانت تكبره بعشرين عاماً، وهو الزوج الأول في حياته الذي ظل سراً لا يعرفه إلا احمد شوقي وتوفيق الحكيم، ومحمد التابعي، استمر الزواج في السر عشر سنوات وانتهى بالطلاق بسبب غيرة زوجته المفرطة من المعجبين.

 

زوجته الثانية هي السيدة إقبال نصار استمر الزواج 12 عام، أنجب خلاله 3 بنات وولدين، ثم تزوج السيدة نهلة القدسي زوجة سفير الأردن في أمريكا، وعن ذلك يقول عبدالوهاب: “أن الحب كان موجوداً في الزيجات الثلاث، ولكن العنوان المناسب لمشاعري في الزواج الأول هو: الابن، وفي الزواج الثاني: الأب. وفي الثالث :الزوج”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *