المعاقات ذهنيا”.. حقوق ضائعة.. وأعراض منتهكة

zenaظاهرة استئصال أرحام الفتيات ذوات الإعاقة الذهنية لها أبعاد ذات طابع إنسانى، ترتبط بمدى الالتزام الأخلاقى والإنسانى بالمفاهيم الحقوقية ذات النزعة العالمية والتي ترفض وتدين ارتكاب مثل هذه الجرائم المشينه، وقد تم التعبير عن هذه المفاهيم في نطاق الأمم المتحدة، حيث توالى صدور الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان على جميع الأصعدة، ومن بينها حقوق الأشخاص المعوقين تفصيلا للحد من هذه الظاهرة، ومع ذلك تستمر مصر في تلك الممارسات بعد زيادة معدل حالات الاغتصاب للفتيات والسيدات، فضلا عن اعتبار الأهل أن هذا هو الحل الأسهل ، بدلا من اللجوء إلى أي وسائل أخرى تمنع الحمل.


ولعل عجز الإحصائيات في العالم العربي عموماً وفي العالم ناتج لعدة أسباب، منها إن الإعاقة ليس من السهل أن تعترف بها الأسرة؛ ولذلك يخجل أغلب الأهالي من التصريح بحقيقة إعاقة أبنائهم ؛ فلا تُعطي الإحصائيات السليمة، أيضا لا توجد لدينا إحصائيات عامة تستطيع أن تحصر نسبة الإعاقة في المجتمع المصري أو في المجتمع العربي ككُل، ولكن تصل نسبة الإعاقة الذهنية إلى 50% من نسبة الغعاقة بشكل عام .
عجوز “بني سويف”.. تغتصب في “السيدة”

اسمها “فاطمة نبوي”، تبلغ من العمر حوالي 55عاما، تعاني من خلل عقلي منذ ولادتها في محافظة بني سويف، تقول إن ابن عمها قد اعتدى عليها جنسيا منذ أن كان عمرها 18 عاما، فقام أهلها بضربها وتكسير يدها اليمنى وإحداث فتح في الرأس، وقيدوها بحبل في منزلها حتى لا تخرج في الشارع ويتم اعتصابها مرة أخرى.
وذات يوم أشارت عليها إحدى جاراتها بأن تفك لها تلك القيود وتوصلها إلى محطة القطار لكي ترحل من الصعيد “بعارها” وتأتي إلى “مصر” حيث الزحام، وأن تجلس أمام أي مسجد وستجد رزقا كثيرا، وبالفعل جاءت إلى القاهرة منذ 25 عاما، ويعرفها جميع “المقاطيع” في السيدة زينب والحسين وأغلب المساجد “المقامات”.
وتقول إحدى السيدات المتواجدة معها، إن “فاطمة” تقيم على الأرصفة منذ 25 عاما، وهي تعرفها منذ ذلك الحين، وقد اعتدى عليها الكثيرون نظرا لحالتها العقلية التي تجعلها لا تدرك ما يفعلونه بها، مشيرة إلى أنها حملت عدة مرات ولكنها كانت تجهض بسبب كثرة مرات الاغتصاب، وأوضحت أن “رجل مباحث” وقتها قال لها: “احنا زهقنا منك ومش كل يومين هنوديكي المستشفى”، وبعد ذلك دخلت مستشفى الحسين، لمدة 10 أيام ومنعوا عنها الزيارة، مؤكدة ان إحدى الممرضات أخبرتها بأنهم أجروا لها عملية استئصال للرحم.

فاقدات الأهلية.. من الشارع إلى دور الرعاية

السيدة التي تبدو في العقد السادس من عمرها، ولا مأوى لها سوى أرصفة شارع القصر العيني، وميدان عبد المنعم رياض، رفضت التحدث إلى أي شخص، وهو ما فسره المارة في الشارع بأنها تخشى التعامل مع البشر، نظرا لما تعرضت له من عنف في أبشع صوره، حيث تظهر في جسدها آثار للحروق والتعذيب، كما أكد البعض تعرضها للاغتصاب والتحرش أكثر من مرة، بسبب مبيتها في الشوارع لتكون لقمة سائغة يفترسها أي شخص ودون أن يحاسبه أحد.
الغريب في قصة تلك المرأة ـالمجهولة الاسم والهويةـ أن قوة من قسم قصر النيل قد ألقت القبض عليها بعد أن تجردت من ملابسها بالكامل في شارع القصر العيني، وبعد الصراخ والعويل تمكن ضابط شرطة من وضع غطاء عليها، واصطحابها إلى القسم لمعرفة الأسباب التي دفعتها لذلك، وتبين أنها تعاني من حروق خطيرة في قدميها والفخذين ومنطقة الصدر.
وربما كان الأدهى من ذلك أن تراها مرة أخرى في ذات المكان، وتقوم بنفس الفعل في الشارع وأمام الجميع، وبعد السؤال عنها في قسم قصر النيل، أكد أحد أمناء الشرطة أن القسم طلب لها سيارة الإسعاف، وأنهم بذلك أخلوا مسئوليتهم، وأصبحت في حمى مستشفى المنيرة.
الرقيب “عبد الرحيم.م” أكد أن قسم قصر النيل يتلقى بعض الحالات لمعاقات ذهنيا، وهؤلاء يعاملون كفاقدين للأهلية، ويتم إثبات الحالة وعمل محضر يكون “صوريا” غالبا، نظرا لعدم توافر أي معلومات لدى القسم، وتنتقل أهليتهم لأي دار رعاية أو مستشفى تابعة للحكومة، وهي التي تتولى أمورهم.
وأضاف “عبد الرحيم” أن قانون التحرش الجديد وعودة القبضة الأمنية، ربما يحد من حوادث الاغتصاب والاعتداء التي تتعرض لها هؤلاء السيدات اللائي يتم استغلالهن جنسيا بسبب حالتهن الذهنية، وظروفهن الاجتماعية التي دفعت ذويهن للتخلص منهن باعتبارهن عبئا ثقيلا وعارا على الأسرة.
ابن المغتصبة.. مشكلة أخرى

في الداخلة، بالوادى الجديد، تباشر النيابة تحقيقاتها فى بلاغ لوالد فتاة معاقة ذهنيًا من قرية البشندى، التابعة لمركز بلاط، يتهم فيه عاطلا بالقرية بالاعتداء على ابنته واغتصابها عدة مرات حتى حملت منه سفاحًا، وقام بتحرير المحضر رقم 161 إدارى بلاط لسنة 2014م، والذى تمت إحالته للنيابة التى أمرت بضبط وإحضار المتهم.
ويقول الأب: إنه فوجيء ببعض التغيرات التي طرأت على ابنته المعاقة ذهنيا، والتي توفيت والدتها منذ 5 أعوام تقريبا، وقد استغل هذا الشاب حالتها العقلية واغتصبها عدة مرات، حتى حملت منه، ولم يدر الأب إلا بعدما أصبحت ابنته في شهرها السادس، بعد أن بانت علامات الحمل عليها وكبر حجم بطنها، ولم يقرر حتى الآن ماذا سيفعل بهذا الطفل المنتظر قدومه للحياة، والذي سيكون ابنا لأم لا تدري أي شيء عن العناية بالأطفال أو حتى خدمة نفسها.
“الداخلية” تُخلي مسئوليتها بإخطار “الشئون الاجتماعية”

ويقول “محمد.ع” معاون مباحث ، إن منطقة “أبو قتادة” هي إحدى المناطق التي تحوي بين جنباتها حالات كثيرة يتم انتهاكها والتعدي عليها جنسيا. يقول “محمد.ع” معاون مباحث: إن هذه الحالات يتم حصرها عن طريق مباحث قسم الجيزة، ثم يتم إخطار قوة من الأمن تحضرهم إلى القسم، ثم يقوم القسم بإخطار وزارة الشئون الاجتماعية التي يصبح دورها رعاية هؤلاء الفتيات، ويكون دور وزارة الداخلية قد انتهى عند هذا الحد.
وأشار إلى أن من يتم النظر إليهم كأطفال شوارع يحرر لهم محضر إسقاط أهلية، كي تتمكن وزارة الشئون الاجتماعية بالتعاون مع وزارة الداحلية من التعامل معهم وعمل اللازم، لافتا إلى أن عمليات استئصال الرحم ـإن استدعى الأمرـ تتم بموافقة الأهل الذين يفضلون أن تكون بطريقة سرية ودون أن يفصحوا عنها حتى لأقاربهم، وهم يوقعون على تعهد وإقرار منهم بالرغبة في إجراء العملية، خشية أن تنجب الفتاة طفلا معاقا مثلها.
فساد في دور الرعاية
أما الجهة الرسمية المنوط بها حماية هؤلاء المستضعفين، فقد أكدت “داليا عاطف مصطفى”، مدير إدارة الطفل والمرأة بالمجلس القومي لشئون الإعاقة، أن المجلس قد كشف عن إحدى دور رعاية المعاقين ذهنيا بمنطقة عين شمس، وهي بمثابة “السلخانة” للفتيات والشباب، حيث يتم استغلال الأطفال جنسيا، ويتعرضون للتعذيب بطرق مخيفة، فيقوم المشرفون على الدار بإطفاء السجائر في أجساد الفتيات، فضلا عن ضربهم بشكل مبرح وربطهم من أيديهم وأرجلهم في الأسرة.
وأشارت إلى أن الإخصائية الاجتماعية هي التي أبلغتهم بهذا الأمر، بعد أن حكت لها الفتيات عن تعرضهن للاغتصاب من العاملين في الدار، والكارثة أن هناك طفلا يدعى “أحمد” وهو أيضا يعاني من إعاقة ذهنية، قد تعرض لحوادث مشابهة من قبل حارس المكان، وعندما علم العاملون في هذه الدار قاموا بطرد الإخصائية وضرب الفتيات وتخويفهن، ليمتنعن عن الحكاية لأي شخص آخر.
وأضافت “داليا” أن المجلس في طريقه لاستكمال جميع الأدلة للإبلاغ عن هذا المكان الذي ينتهك العاملون به حقوق المعاقين ذهنيا، وينظرون إليه باعتباره “سبوبة”، حيث يدفع الأهالي عن كل ابن أو ابنة 2500 جنيه شهريا، عوضا عن “روشتات” العلاج “المضروبة” التي يتم تزويرها ويدفع الأهالي ثمنها، ليشتروا راحتهم على حساب عذاب ذويهم.
“زنا المحارم”.. وجه آخر للمأساة
في منطقة الخصوص تحكي “أم آية” أن ابنتها قد وُلدت معاقة بـ”التخلف الذهني”، وهي الآن تبلغ من العمر 20 عاما، وقد أدى فقر الأسرة إلى عدم الاهتمام بها علميا، حيث لا توجد أي مدارس للتربية الفكرية قريبة من مسكنهم، ولذلك ظلت الفتاة تكسب مهارات بسيطة من الأسرة دون أن تفقه شيئا سواء في القراءة أو الكتابة، وتسبب ذلك في انطوائها وجلوسها فترات طويلة بمعزل عن إخوتها وعن الجيران.
واستطردت الأم قائلة: “تابعنا حالتها مع العديد من الأطباء، وكنا نذهب بها إلى مستشفى الدمرداش كل شهر لأن مناعتها ضعيفة جدا، وبسبب ضيق الحال أصبحنا لا نهتم بالذهاب الدوري إلى المستشفى، فضلا عن أنه منذ بدأت علامات البلوغ تبدو عليها، أصبحت لا تفهم ما يحدث لها من تطورات، وعندما جلست معها لم أتمكن من توصيل المعلومة لها، وفشلت في إقناعها بأن هذا شيء طبيعي”.
وتابعت الأم باكية: “ذات يوم ذهبت إلى زيارة أبي المريض، وتركت ابنتي مع أخيها من الأب، وهو شاب يبلغ من العمر 23 سنة ويعمل “نجار”، وعندما خلا البيت اعتدى عليها، واستغل إعاقتها وغيابي وهددها بأنها لو أخبرتني “هيدبحها”، وبالتالي لم أعرف شيئا عن تلك الواقعة، ورغم الإلحاح بمعرفة سبب حزنها رفضت الحديث معي، وكانت نظراتها لأخيها مليئة بالكره، وحين كنت أطلب منها دخول غرفته لتوقظه من نومه أو تقدم له طعاما، كانت ترفض وتنصرف إلى أي مكان يكون غير متواجد فيه”.
وفي النهاية اكتشفت الأم هذا الأمر، أثناء عودتها من السوق لتجد “الابن” قد عاد من الورشة مبكرا، ويحاول الاعتداء عليها مرة أخرى، متجاهلا صراخها واستغاثتها، وعندما فوجئ بدخول الأم إلى الغرفة اعترف أنها ليست المرة الأولى.
وتقول الأم: “لولا أني خفت أسيبها لوحدها، كنت موته ودخلت فيه السجن”، ولكنها اتصلت بأعمامه بعد أن انهالت عليه بالضرب وطلبت منهم أن يسلموه إلى القسم، ولكنهم اعتذروا وتوسلوا إليها أن تكتفي بطرده من المنزل وأن يتولوا هم أمره.
وأكدت أنها لجأت إلى إحدى المستشفيات الخاصة، وكتبت على نفسها إقرارا بأنها تريد استئصال رحم الفتاة العشرينية لهدفين، أولا: خوفا من حملها أو تعرضها لمثل هذا الحادث مرة أخرى، وثانيا: أن الفتاة تعاني من حرج شديد في فترة الطمث نظرا لجهلها بالنظافة الشخصية وكيفية الاهتمام بنفسها في مرحلة البلوغ، مشيرة إلى أنها دبرت المبلغ المطلوب بالكاد، ولكن كان خوفها على ابنتها دافعا أساسيا في القيام بتلك المخاطرة التي نجت منها ابنتها بأعجوبة.
استئصال رحم المعاقة المغتصبة.. جائز شرعا

من الناحية الدينية، يقول الدكتور محمد رأفت عثمان, أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء، إنه يجوز “تعقيم” الأنثى المعاقة ذهنيا، إذا أثبتت الأبحاث أو الاختبارات الوراثية أن الأولاد سيكونون معاقين بطريقة يقينية، ففى هذه الحالة يباح التعقيم, لأن الموازنة تكون بين أمرين هما: إنجاب أطفال معاقين، أو عدم إنجاب أطفال من الأساس، ولكل منهما ضرره، والقاعدة الشرعية تقول: إنه إذا تعرض الإنسان لأمرين فى كليهما ضرر، يتم الأخذ بأخفهما ضررا، لدفع الضرر الأعظم منه، معتبرًا أن الضرر الأعظم فى تلك الحالة، هو إنجاب أطفال معاقين.
وأضاف: «يجوز إجهاض الجنين قبل مرور120 يوما من بدء الحمل إذا اكتشف الأطباء أنه سيكون مشوها، ولذلك يجب متابعة الحمل فى الفترة الأولى حتى لا يصل إلى الـ120 يوما، وهى فترة دبيب الروح، ويتصرف الطبيب بما تقتضيه المصلحة: إما الإجهاض وإما علاج الجنين، إذا كانت الحالة قابلة للعلاج، وهكذا نأمن زيادة أعداد ذوى الاحتياجات الخاصة فى المجتمع، أما عن الإعاقة الذهنية فهى ليست من الأمراض الوراثية، وليس هناك مانع شرعى فى تزويج البنت المعاقة عقليا، بشرط أن يكون المتقدم عالما بمستواها العقلى، فيكون الدخول على العقد غير مجهول من أحد العاقدين، وعلى هذا فالكلمة الأولى والأخيرة للخاطب الذى يرغب فى الزواج منها».
يقول حسين الشافعى، منسق حملة “امسك متحرش”، إن المعاقات جسديًا وذهنيًا يتعرضن لتحرش كأي فتيات في الشارع، وتعرضهن لتحرش يكون له مخاطر أكثر من الفتيات العادية، حيث إن التأثير نفسيًا عليهن يكون لهم أضراره أكثر من الأصحاء ، موضحًا أن الحالات التى تعرضت لتحرش منهن في الغالب لم تقمن بالإبلاغ.
و أضاف أن الاهالي هم فقط من يبلغن في حالة حدوث اعتداء جنسي وليس تحرشا، وهذا يحدث بنسبة كبيرة، خاصة حين اختلاطهم بالعالم الخارجي، مع العلم أنهم لا يسجلون تلك الحالات في أغلب الأوقات، ويكتفون بأن يعزلوا الفتاة التي تم الاعتداء عليها عن العالم، على أمل أن يحافظوا عليها إلى ان تتزوج أو تتوفى.
من أرشيف جريدة “البديل” المصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *