حجاب الفنانات: حرب الشيوخ على الفن المصري

الحجاب: الحلقة الثانية
قضية حجاب الفنانات المصريات هي جزء من قضية الحجاب في مصر بصفة عامة، وفكرة الحجاب عامة هي فكرة سياسية يتبناها التيار الذي يدشن تأسيس الإمارة الإسلامية، لأنه حسب مفاهيم الجماعات الدينية لا يصح ان يكون المجتمع الإسلامي في الإمارة الإسلامية فيه نساء “سافرات” أي بلا حجاب او نقاب او ترتدي البنطلون او اي ملابس غير الجلابية الطويلة الفضفاضة.

ولذلك في التصور الثقافي والفكري لهذه الجماعات أنه كلما زاد عدد البنات المحجبات او المنتقبات كلما اعتبر ذلك نصراً للإسلام والدين الإسلامي، لذلك هم يلجأون إلى كل الطرق والضغوط التي تجبر اكبر عدد من النساء والفتيات إلى إرتداء الحجاب ، وهم يستخدمون شيوخهم سواء كانوا أزهريين او شيوخ الفضائيات المعروفين لدفع المجتمع إلى الحجاب.

تبدأ الجماعات الدينية بطريقة الترغيب ، فتشرح للمجتمع ان المحجبة تتقرب إلى الله وترضى عنها السماء وتحفظ عفتها وكرامتها وتحمى نفسها من التحرش والفتنة الجنسية وتنال مكانها بعد الموت في الجنة، عندما تفشل في الترغيب تبدأ في الترهيب الفكري بتخويف البنات بأن غير المحجبة هي مغضوب عليها من الله ورسوله وان مصيرها جهنم ، ويستمر التصعيد في تحريض الوالدين بشدة على تحجيب الطفلة حتى تتعود على فكرة الحجاب وان تضغط الأسرة على البنات ليرتدين الحجاب.

لا تتوقف طرق الترهيب والعنف للمرأة عند التخويف من جهنم وغضب الله بل يصل الأمر إلى نوع من الإضطهاد النفسي في المجتمع سواء مجتمع الجيران الذين يعزلون الفتاة غير المحجبة او حتى في المدرسة او اي مكان العمل، بل وممارسة كل طرق الضغوط النفسية المؤلمة لدفع البنات للحجاب.
قد تتطور ايضا طرق الجماعات الدينية في فرض الحجاب على المرأة في المجتمع إلى العنف الحقيقي مثل الإعتداء الجسدي على المرأة الغير محجبة واحيانا الفتيات غير المحجبات مثل الضرب والتحرش الجنسي أو استخدام ماء النار في تشويه الجسد ، وفي بعض المدارس قامت بعض المدرسات المنتقبات او المنتميات لهذه الجماعات الدينية بضرب التليمذات وطردهن من الفصل الدراسي او قص شعرهن.

ونظرا لأن الفنانات المصريات لهن بريق وجمال وجاذبية وشهرة متسعة ، فأنت لن تجد من لا يعرف من هي الفنانة شادية او الفنانة شمس البارودي او الفنانة عفاف شعيب او سهير رمزي ، ومن هنا كان منطلق الجماعات الدينية في التأثير على الفنانات لإرتداء الحجاب ، فإن إرتداء فنانة مشهورة للحجاب لاشك سوف يؤثر ذلك على مئات الآلاف من المعجبات وقد يدفعهن لتقليدهن ، بل أن حجاب الفنانة قد يقلص كثيرا من فن التليفزيون والسينما في مصر وهو مجال يعتبر من أهم المجالات التي تريد هذه الجماعات مسحها من على خريطة مصر.

قامت الجماعات الإسلامية بإستخدام شيوخ ذوي أسماء معروفة من أجل التأثير على فنانات معروفات ودفعوا بهؤلاء الشيوخ إلى هذا المجال الذين بدأوا بمهاجمة الفن والسينما والفنانين مثل الشيخ الشعراوي والشيخ الراحل محمد الغزالي وشيوخ الفضائيات أمثال عمرو خالد وقال الشيخ الغزالي حينئذ عن الفن المصري: ” إذا كان مانراه عندنا فناً فإن الفن إذن حرام .. حرام .. حرام”

تحريم الفن .. الهجوم على الفنانات … والهجوم على السينما والمسرح كانت حملة منظمة يقودها شيوخ تنبعث من ثرواتهم رائحة النفط السعودي والكويتي ، فهم ربطوا فن السينما بالعداوة للإسلام والله ورسوله ، ولا شك ان هذه الحملة كانت مدفوعة الآجر من دول النفط الرجعية ، والبعض يقول ان هناك مكافأت سخية بالملايين دفعت للفنانات المعتزلات المحجبات من قبل هذه الدول ، ولكن ليس هناك اي إثبات او سند يؤكد إدعاء قبول الفنانات لرشاوي من دول النفط او الشيوخ المصريين الممولين من دول النفط.

لكن في النهاية نجحت الحملة في اعتزال وحجاب فنانات مشهورات مثل شمس البارودي وشادية وكاميليا العربي وهالة فؤاد وهناء ثروت وشهيرة ونورا ومديحة كامل وفريدة سيف النصر وسهير رمزي وهالة الصافي ومنى جبر وكان لكل قصة حجاب ضجة إعلامية مصاحبة ولقاءات صحفية مدوية.
وبعد إعتلاء الأخوان سدة الحكم في مصر العام الماضي ارتفعت حدة الهجوم على الفن والفنانات بشكل عنيف وبدأ حتى شيوخ الحواري والزوايا واصحاب السوابق في التعدي على الفن السينمائي

ووصلت درجة العنف إلى إعتداءات اثناء تصوير بعض الأفلام أو على مهرجانات فنية في الخارج من قبل الجاليات التي يهيمن عليها الجماعات الإرهابية بل وبعض القنوات الدينية الممولة من شيوخ وأمراء سعوديين وكان من اشهر الحملات الهجومية هي حملة الداعية عبد الله بدر على الفنانة إلهام شاهين وحملة الشيخ الملتحي أبو إسلام على الفنانين والفنانات.

حجاب الفنانات لا يمكن فصله عن سياق حرب شيوخ الاسلام في مصر على فن السينما ، حيث ان عداوتهم مع فن السينما لها دوافع تتعلق بقيام هذه الأفلام بفضح هؤلاء الشيوخ وتصرفاتهم واستغلالهم للدين في الهيمنة على الناس والتربح ، وقل ما يظهر رجل دين اسلامي في السينما إلا بشكل فاضح او فيه سخرية او نقد لاذع لتلك الشخصية الدينية الإزدواجية.

وكان شيوخ الاخوان والسلفيين الذين نجحوا في دخول مجلس الشعب ومجلس الشورى ولجنة الدستور يخططون تخطيطاً جاداً من اجل منع عرض الأفلام المصرية وتحريمها بل وفي احسن الأحوال تفعيل المقصات فيها لعزل كل ماهو لا يتناسب مع مزاجهم الدينى.

وقد يعتبر البعض ان قرارات الفنانات لإرتداء الحجاب والنقاب أمر شخصي لا علاقة له بشيوخ او رشاوي من دول النفط ولكن لا يفسر لنا المقتنعون بهذا الرأي سر ربط الحجاب لدى هؤلاء الفنانات بالأخلاق او هجوم بعض الفنانات المحجبات على الفن وزميلاتهن الغير محجبات ، لأن إرتداء الحجاب في اساسه ليس فرضية لحسن الأخلاق ولكنه قرار شخصي جدا.

وكما شرحنا في تحقيق سابق ان فكرة فرضية الحجاب هي فكرة وهمية اخترعها الرجل المسلم ليزيد من سطوته وسلطته في المجتمع وساعده في ذلك بعض الشيوخ المتشددين في الفقه الإسلامي ، وان الحجاب لم يكن ابدا فرض على المرأة ولم تتحجب المرأة المسلمة في عهد الرسول نفسه. وحجاب المرأة هو نوع من الملابس لاعلاقة له بالدين أو الإيمان بل له اصول في مجتمعات مختلفة ومنها ايضا مجتمع العرب قبل الاسلام

هناك في حجاب الفنانات بعض التخبط والتردد يحتاج إلى تفسير حيث ان بعض الفنانات بعد ان أرتدين النقاب لعشرات السنوات اكتشفن انه كان قرار خاطئ مثل الفنانة شمس البارودي التي اقنعها احد الشيوخ ان النقاب هو الزي الشرعي ثم اكتشفت ان هذا الرأي غير صحيح فعادت لإردتداء الحجاب ، وهناك بعض الفنانات اللاتي أقسمن على عدم العودة للفن ولكنهن عدن بقوة إلى العمل في المسلسلات وكان آخرها في شهر رمضان هذا العام مثل الفنانة صابرين في مسلسل الشك وقبل منها الفنانة حنان ترك التي مثلت مسلسل أخت تريز.
حقوق النشر محفوظة لموقع يورو عرب برس

Sharing is caring!

One Comment

  1. Pingback: هي ايه حكايات السينما المصرية؟ – السينما المصرية Ägyptische Kino Egyptian Cinema

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *