التجسّس الإسرائيلي على أمريكا يفوق الوصف

israel_usaعبّر مسؤولون في الاستخبارات الأميركية عن بالغ قلقهم أمام الكونغرس، من حجم التجسّس الإسرائيلي على بلادهم، والذي وفق قولهم «تجاوز الخطوط الحمر ». ونقلت مجلة «نيوزويك» الأميركية عن مصادر في الاستخبارات الأميركية، قولها في لقاءات مغلقة مع أعضاء في الكونغرس في الأسابيع الأخيرة، إن إسرائيل تتمادى في محاولتها التجسّس على الولايات المتحدة. وأضافت أن التصريحات أدليت في نقاشات داخل لجان مختلفة في الكونغرس، في إطار مناقشة اقتراح قانون لإعفاء الإسرائيليين من الحصول على تأشيرات دخول للولايات المتحدة، وأضافت أن هذه التصريحات تقلّل من فرص نجاح القانون .


وقالت المصادر الاستخبارية: إن إسرائيل تتجسّس على الولايات المتحدة تحت ستار الممثّليّات التجارية، أو من خلال التعاون في مجال الصناعات العسكرية، ونقلت الصحيفة عن مصادر أن «إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمر ».
وأفادت مصادر استخبارية تعمل في مجال مكافحة التجسّس، في جلسات للجنتي القضاء والخارجية في مجلس النواب في نهاية شهر كانون الثاني (يناير ) الماضي، إن «النشاط التجسّسي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لا منافس له، مقارنة بالدول التي تعتبر حليفة للولايات المتحدة مثل: فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان ».

ونقلت الصحيفة عن مستشار في الكونغرس قوله، إن التصريحات التي أدليت «مقلقة ومخيفة»، فيما وصفها مصدر آخر بأنها مدهشة . وأوضح التقرير أن الهدف الرئيسي للجهود التجسّسية التي تقوم بها إسرائيل هو «الأسرار الصناعية والتقنيّة الأميركية»، وقال موظّف سابق في الكونغرس : «لا توجد دولة مقرّبة من الولايات المتحدة ولا تزال تتجاوز الحدود في مجال التجسّس مثل ما يفعل الإسرائيليون ».

وحضر الموظّف مناقشة حول الموضوع في نهاية العام 2013 ، وكانت واحدة من نقاشات عدّة تمّت في الأشهر الأخيرة، وقدّمها مسؤولون في وزارة الأمن القومي، الخارجية، ومسؤولون من مكتب التحقيقات الفيديرالي «إف بي آي»، ودائرة مكافحة التجسّس الوطنية، بحسب المجلّة. وقال الموظّف السابق إن الوكالات الاستخبارية لم تقدّم معلومات محدّدة عن مظاهر التجسّس، لكن الموظّف تحدّث عن «التجسّس الصناعي»، حيث يأتي أشخاص بمهامّ تجارية أو يعملون مع شركات إسرائيلية، أو عملاء إسرائيليون تدير تحرّكاتهم الحكومة، «وأفترض أن ذلك يتمّ من خلال السفارة الإسرائيلية في واشنطن ».

وهذه هي المرّة الثانية التي تنشر فيها في وسائل الاعلام الأميركية، حول رفض الاستخبارات الأميركية إعفاء الإسرائيليّين من تأشيرات الدخول . وأشار الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه » في الشرق الأوسط وجنوبي آسيا، بول بيلار، إلى أنه «لا يمكن قتل العادات القديمة، فالصهاينة كانوا يرسلون الجواسيس لأميركا حتى قبل ولادة إسرائيل، لجمع المال والمواد اللازمة لبناء الدولة.. كما وتمّ جمع جزء كبير من المشروع النووي الإسرائيلي بطريقة سرّيّة في الولايات المتحدة ».

وأضاف المساعد السابق في الكونغرس: «لو أتحنا لهم حرّيّة الدخول إلى هنا، فكيف سنوقفهم، هم شرسون بطريقة لا يمكن تخيّلها، وفي كلّ مظاهر العلاقة مع الولايات المتحدة، ولكن استخباراتهم مختلفة عنهم ».

تاريخ من التجسّس
وبحسب مؤرّخين ووثائق مسموح الاطّلاع عليها، فإن نمط التجسّس الإسرائيلي على الولايات المتحدة ليس بالأمر الجديد، بل يعود الى تاريخ إنشاء دولة إسرائيل. ففي الأربعينيّات: كان إفرايم بن ـ أرتزي أول ملحق عسكري أرسل إلى واشنطن في حزيران (يونيو) من العام 1948. وهو نفسه الذي أسّس مجلساً يضمّ أربعة أشخاص للتجسّس على الولايات المتحدة. أما الأربعة فهم الى بن ـ أرتزي، عضو في الوفد الإسرائيلي إلى هيئة الأمم في نيويورك، وعميل مخابرات محترف كان يتنقّل بين إسرائيل والولايات المتحدة ومحام أميركي في نيويورك .

وكان بين المشاريع الأولى التي قام بها المجلس إنشاء مركز في نيويورك لتدريب العملاء المجنّدين على أساليب التجسّس، كالمراقبة الإلكترونية في الشوارع، استخدام الحبر السرّي، واستخدام الشيفرة في المراسلات، ووضع آلات التنصّت في الفنادق التي تنزل فيها الوفود العربية إلى هيئة الأمم والسيارات التي يتنقّلون فيها. لكنهم منذ البداية أيضاً استهدفوا التجسّس على مصالح أميركية،

وربما كان ذلك يشمل الحصول على نموذج أوّلي لرادار أميركي صغير متحرّك للانذار المبكر، وشحنه إلى تشيكوسلوفاكيا مقابل أسلحة تشيكوسلوفاكية للهاغاناه في فلسطين . وفي العام 1956 اتّصل مسؤول إسرائيلي كبير اسمه أيزنشتاد، بمسؤول في السفارة الأميركية اسمه إيرل آي. جنسن، وعرض عليه مبلغاً من المال مقابل الحصول له على معلومات سرّيّة ووثائق، فتظاهر جنسن بالقبول وسلّم بإشراف مكتب التحقيقات الفيديرالي مواد مختارة لعميلين إسرائيليين وهما أبرامسكي ونيفوث .

وعندما نُقل جنسن إلى واشنطن تبعه العميلان الإسرائيليان لمواصلة عملهما . ولمّا لم يكن الإسرائيليون إذ ذاك يتمتّعون بالحصانة الديبلوماسية، فقد اتّفقت وزارة الخارجية ووزارة العدل كتابة على تقديمهما للمحاكمة، بموجب قانون وكالة تسجيل الأجانب والقوانين المتعلّقة بأعمال التجسّس. لكن لم يُعتقلا ولم يقدّما إلى المحاكمة .

وفي أواسط الستينيّات قام مكتب التحقيقات الفيديرالي بالتوسّع في التحقيق، الذي كان يقوم به آنذاك مع لجنة الطاقة الذرّيّة، حول احتمال قيام مؤسّسة المواد والطاقة الذرّيّة (NUMEC) في بلدة أبولو في ولاية بنسلفانيا، بتحويل اليورانيوم المصنّع لإسرائيل . وكان مكتب التحقيقات حريصاً بالدرجة الأولى على صون الوثائق السرّيّة المتعلّقة بتقنيّة الأسلحة المخزونة في أبولو. على أن بعض الزوّار الإسرائيليّين، وبينهم رئيس الأركان الإسرائيلي السابق رفائيل إيتان، تمكّنوا من الوصول إلى تلك الوثائق. وكان إيتان معروفاً عندئذ بعلاقته بالمخابرات الإسرائيلية. وهو نفسه الذي كشف تورّطه فيما بعد بقضيّة الجاسوس جوناتان بولارد .

وفي العام 1969 ، وبناء على توصيات مكتب التحقيقات الفيديرالي، تمّ إلغاء عقد مؤسّسة المواد والطاقة الذرّيّة، وسحب التصريح بإيداع الوثائق المتعلّقة بالأسلحة فيها، وعدم السماح للدكتور زالمان شابيرو، رئيس المؤسّسة، بالاطّلاع على الوثائق .

في السبعينيّات: ربما كان الكولونيل يوسف لانغوتسكي أشدّ الجواسيس الذين أرسلتهم إسرائيل إلى الولايات المتحدة إزعاجاً ومثابرة. وقد تنبّه له مكتب التحقيقات الفيديرالي بعد وقت قصير من تعيينه في أواسط سنة 1976 ، مساعداً للملحق العسكري في السفارة الإسرائيلية في واشنطن. وقد تمكّن من اختراق المناطق الحسّاسة المغلقة في وزارة الدفاع الأميركية مرّات عدّة . وحاول بطرق غير لائقة تجنيد موظّفين في وزارة الدفاع للتجسّس. وبعدما أنذرت الوزارة السفارة الإسرائيلية مرّات عدّة، رفضت أن تتعاون معه بأي شكل ومنعته من الاتّصال بها. وفي أوائل العام 1979 استدعته الحكومة الإسرائيلية .

وفي العام 1983 فتّش مكتب الأمن التابع لوكالة المخابرات في وزارة الدفاع الأميركية، مكان عمل وبيت أستاذ كبير في كلّيّة وزارة الدفاع للتجسّس. وكان عدد من زملائه قد رفعوا تقارير حول علاقاته المشبوهة بمسؤولين إسرائيليين عسكريين يعملون في المخابرات، ولم يعثر مكتب الأمن على أيّة وثائق سرّيّة مسروقة خلال التفتيش، لكنه عثر على مئات الكتب الممزّقة التي كانت قد سُحبت بالاحتيال والتزوير من مكتبة الكلّيّة وشُوّهت. وعلى أثر ذلك أحالت وزارة الدفاع القضيّة على النيابة العامة .

وأخيراً جرت تسوية مع الأستاذ، فاعترف أمام محكمة المنطقة في ألكسندريا في ولاية فرجينيا، بأنه مذنب بالاعتداء على ممتلكات الدولة، فأصدرت المحكمة حكماً بإدانته وحكمت عليه بدفع غرامة؛ ولكن بدلاً من سجنه حكمت عليه بالقيام بأعمال لخدمة المجتمع خلال مدّة معيّنة. وشملت التسوية وجوب استقالته فوراً من منصبه، كموظّف مدني في وكالة المخابرات التابعة لوزارة الدفاع والتي تدير الكلّيّة. لكن لم تناقش المحكمة أي جانب أمني من جوانب القضية. ويشغل هذا الأستاذ الآن منصب مدير دراسات الشرق الأوسط في إحدى جامعات واشنطن .

وفي 22 أيار (مايو) من العام 1989 ، كان اعتقال جوناثان بولارد وإدانته «بالتآمر للقيام بأعمال التجسّس » لإسرائيل على الولايات المتحدة، حدثاً مشحوناً بالعاطفة والمرارة في كلا البلدين. وحتى عندما تمّ الحكم عليه بالسجن مدى الحياة في آذار (مارس) من العام 1987 ، فإن العواطف لم تهدأ. صحيح أنه غاب عن الأنظار منذ ذلك الحين، لكن القضايا التي أثيرت بسبب تجسّسه لا تزال تتفاعل .

وباختصار، فإن قضية بولارد كان ولا يزال لها تأثير سلبي قوي على العلاقات العمليّة بين هذين البلدين اللذين عقدا تحالفاً أمنياً وثيقاً . ولا عجب إذن في أن هناك محاولات جادّة «لإعادة النظر» في القضيّة، وكسب العطف والتأييد لبولارد وزوجته التي كانت قد اعترفت بأنها مذنبة، ولكن باقترافها جرماً أخفّ من جرم زوجها، وهو «تسلّم ممتلكات حكومية مسروقة ».

والوتر الرئيسي الذي يضرب عليه الذين يطالبون بإعادة النظر في القضيّة، هي أن الوثائق السرّيّة التي سرقها بولارد وباعها لوحدة مخابرات خاصّة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، ذات أهمّيّة أساسية لبقاء إسرائيل. ويقول بليتزر بالاستناد إلى محامي بولارد، إن المواد المسروقة تحتوي على معلومات عمّا لدى الدول العربية من أنظمة أسلحة وأجهزة مخابرات وقدرات عسكرية، كما تحتوي على تحليل لنوايا الزعماء العرب السياسية، وعلى تفاصيل عن الأسلحة السوفياتية التي ستقدّم لأعداء إسرائيل .

والمدافعون عن بولارد يحاولون أن يُظهروه في صورة شاب يهودي أميركي لامع، مزّقته هواجس القلق على بقاء إسرائيل من ناحية، وواجبه بوصفه ضابط مخابرات أميركي في حفظ أسرار الأمن في بلاده من جهة أخرى. ولا تخلو هذه الصورة من شيء من المنطق وحتى من الحقيقة. ولكن ليس هذا هو السبب الذي حُكم من أجله بالسجن المؤبّد على بولارد.

فالقضيّة أكبر بكثير؛ ذلك أنه بعد اعتقال بولارد في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1985 بوقت قصير، تأكد لمحقّقي وزارة الدفاع ومكتب التحقيق الفيديرالي أن غالبية ما سرقه من وثائق لا علاقة له البتّة بمصالح الأمن الأساسية لإسرائيل. وقد أقلق هذا الحكومة الأميركية أكثر مما أقلقها ذلك العدد الهائل من الوثائق المسروقة التي تبلغ نحو 850000 صفحة، أو حتى درجة السرّيّة المصنّفة تبعاً لها. فأكثر من نصفها كان مصنّفاً بأنه سرّي من الدرجة الأولى .

فالمشكلة التي واجهت المحقّقين كانت في أساسها تتلخّص في أنهم تأكدوا من القوائم المخبّأة في طاولة بولارد، أنه كان يعمل وفاقاً لطلبات وإرشادات محدّدة، أي أن العملاء الإسرائيليين كانوا قد توصّلوا إلى معرفة الوثائق التي يريدونها بعناوينها وأرقامها. فتبادر إلى أذهانهم للوهلة الأولى أن هناك عميلاً مجهولاً كان يوجّه بولارد نحو الوثائق المطلوبة.

لكن المحقّقين تمكّنوا، باستخدام جهاز كشف الكذب، من حمل بولارد على الاعتراف بما شك فيه المسؤولون في وزارة الدفاع منذ البداية، فقال بأن إحدى الوثائق الأولى التي طُلب منه أن يسرقها، هي الدليل الضخم لمعرفة الوثائق العسكرية السرّيّة الذي يتجدّد كلّ ثلاثة أشهر. ففي هذا الدليل قوائم بأسماء عشرات الآلاف من الوثائق، مع نبذة قصيرة عن محتويات كلّ منها. وعليه فإنه لم يعد هناك مجال لافتراض وجود عميل مجهول .

وهكذا فإن ما حصل عليه الإسرائيليون منه كان بالضبط ما أرادوه. فما الذي حصلوا عليه؟ جاءت الصدمة الأولى التي أصابت محقّقي مكتب التحقيق الفيديرالي، عندما حلّلوا خمساً وعشرين وثيقة مسروقة وجدوها في حقيبة، كانت آن بولارد (زوجة بولارد) قد أخرجتها من شقتهما بناء على تعليماته لها، بعد أن قامت وزارة الدفاع بالتحقيق معه. وتبيّن أن عدداً كبيراً منها من النوع السرّي للغاية، وكلّها تقريباً تتعلّق بالقدرات والأسلحة الأميركية . والسؤال الذي لا يزال عالقاً حتى الآن هو: لماذا كان الإسرائيليون يريدون هذه المعلومات؟

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *