سامي عنان: رجل العسكر الأخواني

Sharing is caring!

تشهد منطقتنا تحولات ضخمة تعيد تشكيل بنيتها، ويساهم في ذلك عوامل داخلية وأخرى إقليمية ودولية، لكن وبلا شك هناك شخصيات مؤثرة تعمل في خضم هذه التحولات، ولها أدوار خاصة في الظل، وأدوار أخرى منتظرة في المستقبل يتوقع أن تكون أكبر. وعلى ذلك آثر نون بوست البحث في هذه الأدوار لبعض الشخصيات، وتقديم ملف “رجال الظل” ليساهم في إجلاء صور الفاعلين منهم في مستقبل الدول العربية، بتحديد الحيثيات التي تجعلهم رجالًا في الظل، وكذلك شبكة علاقاتهم الإقليمية والدولية، وطبيعة دور هذه الشخصيات في التأثير على الواقع الحاليّ، وكذلك مدى فرصهم في الوصول إلى مناصب رسمية في المستقبل.

هذا الملف يساعد على إظهار حقيقة بعض الأدوار الخفية التي تُمارس في المنطقة عبر شبكات من العلاقات الإقليمية والدولية، ولها التأثير الأبرز في صناعة المشهد الحاليّ للمنطقة، عبر الأشخاص الذين سيتناول الملف التعريف بهم وبطبيعة أدوارهم الحاليّة والمتوقعة مستقبلًا.

 

ربما كان الرجل أشهر من أن نعرِّف به، لعب أهم الأدوار خلال أيام ثورة يناير 2011، منذ نزول القوات المسلحة إلى الشوارع يوم جمعة الغضب، 28 يناير، وحتى تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك، في الـ 11 من فبراير، وعندما خرج من الخدمة العسكرية رسميًّا بقرار من الرئيس السابق محمد مرسي، لم يعنِ ذلك أبدًا أنه قد خرج من اللعبة السياسية في مصر، حيث ظل اسمه مطروحًا في لعبة السياسة والحكم في مصر.

 

تعود أهمية الدور الذي لعبه الفريق سامي عنان قائد أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال أحداث ثورة يناير، إلى منصبه العسكري، فهو المسؤول العسكري الأول عن تحريك القوات من أصغر جندي حتى مستوى الجيوش الميدانية.

 

وعلى الرغم من أن القرارات الخاصة بالتعامل مع ثورة يناير وأحداثها وما تلاها من تطورات حتى إقالته من منصبه في 12 من أغسطس 2012، كانت قرارات جماعية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فإن موقفه كان فائق الأهمية بحكم صلاحياته، وكان يمكنه تغيير الكثير من الأمور، لو أنه كان قد انحاز إلى مبارك في ذلك الحين.

 

وهو أمرٌ متعارف عليه في مثل هذه الحالات من الأحداث التي تتطلب تحركًا سياسيًّا داخليًّا من القوات المسلحة في أي بلد، سواء في مواقف مثل ثورة يناير، أو خلال الانقلابات، لأهمية منصب صحابه، حتى في الدول التي يكون فيها وزير الدفاع عسكريًّا، رئيس الأركان يُعتبر أكبر سلطة عسكرية في المؤسسة، سواء من الناحية القانونية لو كان الوزير مدنيًّا، كما في الولايات المتحدة، أو فعليًّا لو كان الوزير عسكريًّا، كما هو الحال في مصر.

 

فالوزير منصب سياسي وليس إداريًّا في مصر، ووزير الدفاع بالتالي هو منصب سياسي، اختصاصه الأساسي الإشراف على شؤون القوات المسلحة الإدارية والمالية والتسليح بشكل عام، بالإضافة إلى تنظيم العلاقات بين القوات المسلحة ووزارة الدفاع، وباقي وزارات الحكومة وهيئات الدولة الأخرى، أما متابعة الوحدات العسكرية وأداء القوات المسلحة وجميع تحركاتها، فهي في جعبة رئيس الأركان بالأساس.

وهو ما كان واضحًا حتى خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، حيث كان اعتقال وقتل رئيس الأركان خلوصي آكار، هدفٌ مقدمٌ على اعتقال أو قتل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذاته، رغم أنه كان هو المستهدف بالانقلاب.

 

قبل ثورة يناير، لم يكن هناك كبير ذكر إعلامي أو معرفة عامة عن سامي عنان كأحد قادة القوات المسلحة المصرية، ولم يكن له أي دور سياسي بارز.

 

ولم يكن هذا الوضع قاصرًا على عنان فحسب، فباستثناء وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة في ذلك الحين، المشير محمد حسين طنطاوي، كان هناك عاملين مهمين جعلا من قادة القوات المسلحة المصرية، وجوهًا غير معروفة إعلاميًّا.

 

العامل الأول، هو حرص مبارك على إبعاد الجيش عن السياسة قدر المستطاع، وتحقيق مبدأيْ الاحترافية والفصل بين الأجهزة الأمنية والعسكرية المختلفة، منعًا لأي تداخلٍ فيما بينها، وتقليص قدرتها على التدخل في السياسة، منعًا لتكرار سيناريوهات على غرار اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، أو أن يظهر بديل محتمل لمبارك من القوات المسلحة مثلما كان الحال مع وزير الدفاع الأسبق الراحل المشير عبد الحليم أبو غزالة.

 

ولكن كان هناك استثناءات لذلك، مثل اللواء عمر سليمان مدير جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق، والذي أصبح نائبًا للرئيس لفترة لم تتجاوز الأسبوعَيْن، بعد جمعة الغضب، حيث كان لكاريزما سليمان ودوره في إنقاذ مبارك من الاغتيال في واقعة إثيوبيا الشهيرة في يونيو من العام 1995، دورًا كبيرًا في تعظيم دوره السياسي، لدرجة توليته وجهازه ملفات كاملة على حساب جهاز الدبلوماسية المصري الأساسي في وزارة الخارجية مثل الملف الفلسطيني.

 

كما بزغ نجم وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، بعد بدء مخطط توريث السلطة لنجل مبارك، جمال، والذي رأى في وزارة الداخلية وأجهزتها الكبرى مثل جهاز مباحث أمن الدولة المنحل، عاملاً وازنًا في مواجهة الأجهزة الأخرى الرافضة للتوريث، كما كان الحال في المؤسسة العسكرية والمخابرات العامة، حيث كان ذلك الأمر أحد أهم عوامل اندلاع ثورة يناير.

 

وبالعودة إلى سامي عنان، كان العامل الثاني وراء عدم كونه وجهًا إعلاميًّا مرموقًا قبل الثورة، هو أن سامي عنان من جيلٍ تالٍ من القوات المسلحة، لم يكن له بحكم السن، أية أدوار قيادية في حروب مصر مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، حتى آخر هذه الحروب، رمضان/ أكتوبر 1973.

 

فالفريق عنان أصلاً من مواليد 2 من فبراير من العام 1948، وهو عام حرب النكبة، وبالتالي كان يبلغ من العمر 8 أعوام وبضعة أشهر خلال حرب العدوان الثلاثي في العام 1956، و19 عامًا خلال حرب النكسة، في يونيو من العام 1967.

 

كان أول التحاق عنان بالخدمة العسكرية في 1 من ديسمبر من العام 1967، وهو ما يعني مشاركته كضابط في حربَيْ الاستنزاف وأكتوبر، بينما كان أول منصب قيادي له في القوات المسلحة، في أغسطس من العام 1992، كقائد للواء في قوات الدفاع الجوي.

 

ثم تولى عنان قيادة الفرقة الخامسة عشر دفاع جوي، في يناير من العام 1996، ومنذ ذلك الحين، وحتى توليه رئاسة أركان حرب القوات المسلحة، في أكتوبر من العام 2005، تدرج في المناصب في قوات الدفاع الجوي، حيث رأس فرع العمليات في يوليو 1998، ثم تولى رئاسة أركان قوات الدفاع الجوي في يناير 2000، ثم قائدًا لقوات الدفاع الجوي كله في العام 2001 حتى 2005، سنة توليه رئاسة أركان القوات المسلحة.

 

قبل العام 1992، لا توجد معلومات متوفرة أو متاحة عن المناصب العسكرية التي تولاها عنان، ولكن النقطة اللافتة في تاريخ عنان العسكري ولا يعرفها الكثيرون، أنه كان ملحقًا للدفاع في المغرب في العام 1990، وهو منصب ذو طابع استخباري، ووفق الأعراف المرعية في القوات المسلحة، فإن ذلك يعني أن شاغله عمل سلفًا في بعض المسارات المرتبطة بسلاح المخابرات الحربية والاستطلاع التابعة لهيئة أركان القوات المسلحة المصرية.

 

لا يمتلك عنان كاريزما خاصة، ولا يُعتبر من قادة القوات المسلحة المصرية التاريخيين مثل المشير أبو غزالة أو في وزن سعد الدين الشاذلي، إلا أنه يملك ثلاثة أمور أساسية تجعله أحد أهم “قوات الاحتياط” في عالم السياسة في مصر، أو من بين أهم نجوم الظل، لو صحَّ التعبير في الوقت الراهن.

 

الأمر الأول هو منصبه العسكري الأخير، الذي أتاح له أن يوجد في كل مكان داخل القوات المسلحة.

وفي ظل التعتيم الذي كان قائمًا على أنشطة القوات المسلحة في فترة السلام الطويلة إبان حكم مبارك، وكونه كان مصرًّا على عزلها عن العمل السياسي المباشر، وتحويلها لمؤسسة احترافية، بنى عنان، وفي هدوء، شبكة علاقات واسعة للغاية في مختلف مؤسسات القوات المسلحة وهيئاتها ووحداتها.

 

وهو كان أمرًا طبيعيًّا بحكم منصبه، حتى لو لم يكن يطمع في أي دور سياسي له، وهو أصلاً كان أمرًا مستبعدًا قبل ثورة يناير.

 

الأمر الثاني، عند اندلاع ثورة يناير، صار عنان بمكانة نائب لرئيس الجمهورية، بعد تنحي مبارك وتولي المشير طنطاوي الذي كان يرأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في ذلك الحين، منصب الحاكم الفعلي لمصر، بموجب تفويض مبارك للمجلس بإدارة شؤون البلاد بعد تنحيه.

 

فعنان كان نائبًا لرئيس المجلس العسكري، بالتالي ومع تولي المجلس إدارة شؤون البلاد، وتحول طنطاوي إلى حاكم مؤقت للبلاد لحين انتخاب رئيس جديد لها، صار عنان في منصب يوازي نائب رئيس الجمهورية في الحالات العادية.

 

وهو مصدر الثقل والقوة الثاني لعنان في الحياة السياسية المصرية في الوقت الراهن، حيث مكنه ذلك من أن يبني قاعدة واسعة من العلاقات السياسية، نتيجة المهام التي كانت ملقاة على عاتقه في ذلك الحين، من أجل إتمام ترتيبات المرحلة الانتقالية في مصر ما بعد ثورة يناير.

 

وساهم في وضع القبول لعنان لدى الكثير من القوى السياسية، طبيعته الهادئة الصامتة والتي تجعله أقرب إلى سماع الآخرين والتفاهم معهم، بينما كان المشير طنطاوي أقرب إلى الصِدامية وفرض الرأي على القيادات السياسية التي كان يلتقيها.

 

وكان لعنان أكثر من موقف مع قيادات الإخوان المسلمين خلال أزمة وثيقة المبادئ فوق الدستورية، في صيف العام 2011، والتي طرحها الدكتور علي السلمي أحد موز الحزب الوطني المنحل، قبل إقرار دستور البلاد الجديد بعد الثورة، شبهوه فيها بمبارك والعادلي في أسلوب تعامله.

 

ومن بين أهم الجبهات السياسية التي كان عنان بحكم الأمر الواقع على درجة لصيقة من الاتصال معها، هي القوى الإسلامية باعتبار أنه كان لها الكلمة العليا في تلك الفترة، وعلى رأسها الإخوان المسلمين والقوى السلفية بتنويعاتها المختلفة.

 

ورغم كل ما أصاب الإخوان المسلمين على يد النظام العسكري الحاليّ في مصر، منذ انقلاب يوليو 2013، وميل السلفيين إلى الاستمرار في العملية السياسية الحاليّة، وتفكك عُرى القوى المنتمية إلى تيار الجماعة الإسلامية، تبقى هي القوى السياسية الأهم التي توازن قوة النظام الحالي في الدولة وفي الشارع.

 

وبالتالي فإن عنان على قدر كبير من القرب من أهم القوى السياسية المعارضة والتي لها امتداد جماهيري وطيف مجتمعي واسع، حتى ولو كانت قواعدها صامتة في الوقت الراهن ولا تتحرك، ولكن لا يمكن أبدًا تجاهلها لأنها لو حدث وسنحت الظروف بحركتها، سوف يكون لها اليد الطولى.

 

وحتى بعد إقالة عنان من منصبه العسكري، عقب حادثة رفح الأولى التي وقعت في السادس من أغسطس 2012، استمرت علاقات عنان في المجال السياسي قائمة، باعتباره شخصية وسط في الأزمة التي بدأت تتفاعل بين المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين، وكان في المنتصف منها الرئيس السابق محمد مرسي.

 

وساعد على ذلك، أنه – ولو اسميًّا – كان مستشارًا عسكريًّا للرئيس مرسي، وكان بحكم منصبه هذا ومناصبه السابقة، على اتصال مع كبار قادة القوات المسلحة والصف الأوسط منهم، بالإضافة إلى رموز سياسيين، مدنيين وإسلاميين.

 

الأمر الثالث، وهو الأهم بالفعل، ونشأ من مجموع العاملَيْن السابقَيْن، ويجعل من سامي عنان احتياطيًّا استراتيجيًّا كبديل للحكم في مصر، أنه الوجه الذي يوائم بين المؤسسة العسكرية والقوى الإسلامية والسياسية بشكل عام الموجودة في مصر.

 

فبكل تأكيد، وهي قناعة موضوعية من خلال ما أثبتته الأحداث في السنوات الماضية لا يمكن تجاوز المؤسسة العسكرية في أية ترتيبات سياسية في مصر.

 

في المقابل، فإن الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي، هو مرفوض في حد ذاته، بل إن كثيرًا من الإخوان عبَّروا قبل وبعد جريمة فض رابعة والنهضة، في أغسطس من العام 2013، أنه يمكن الوصول إلى حلٍّ للأزمة التي نشبت بسبب الانقلاب، حتى مع المؤسسة العسكرية، لو كان السيسي خارج المشهد.

 

وفي هذا الإطار، وفي ظل قناعة بأنه لا يمكن استبعاد المؤسسة العسكرية من المعادلة، طُرح اسم الفريق سامي عنان كبديل، بل إن بعض الأطراف، ولو بشكل غير رسمي، سواء من الإخوان المسلمين أو من قوى نظام مبارك، ومن بينهم الفريق أحمد شفيق رئيس آخر حكومة في عهد مبارك، دعمت ترشح عنان في انتخابات الرئاسة التي جرت في العام 2014، وجاءت بالسيسي إلى الحكم.

 

وكان عنان واللواء مراد الموافي الذي شغل منصبَيْ مدير المخابرات الحربية ثم مدير المخابرات العامة عبر تاريخه المهني، من بين أهم الأسماء التي تم طرحها كبديل يوازن بين اعتبارات وجود الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية على رأس السلطة في مصر، وضرورة اختفاء السيسي من المشهد.

 

تُعتبر الأزمة الراهنة بين الدولة والإخوان ومكونات سياسية واجتماعية أخرى، ودفعت مصر ثمنًا كبيرًا لها من اقتصادها وأمنها واستقرارها، عاملاً مهمًّا لعدم الاستقرار الإقليمي، ومصدر خطر لكثير من الأنظمة التي تستند في استقرارها إلى استقرار الأوضاع في مصر، ولا سيما في بعض الدول الخليجية مثل الإمارات والسعودية والبحرين والكويت.

 

وفي هذا الإطار، وفي فترة من الفترات، سعت بعض الأطراف إلى طرح اسم عنان أو شفيق، لأن يكون ممثلاً للمؤسسة العسكرية في مرحلة انتقالية جديدة بعد تنحي السيسي وتركه السلطة، قبل أن يتم إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة في مصر، بعد مصالحة تشمل الإخوان المسلمين.

 

وظل هذا الأمر يتردد حتى فترة أشهر سابقة، وتدخلت فيه دول كبرى من بينها بريطانيا التي سعت – بشكل عام بعيدًا عن شخص عنان – إلى ممارسة ضغوط على القاهرة، من خلال الرياض، لإجراء مصالحة في مصر بين الدولة والإخوان، على ألا يكون السيسي موجودًا في الصورة.

 

إلا أن أزمات المنطقة أوقفت ذلك كله، وكان للتبدل المفاجئ في العلاقات المصرية/ الإماراتية، مع المملكة العربية السعودية، وفي السياسات الخارجية المصرية وتحالفاتها، ميلاً إلى المحور الإيراني الروسي في المنطقة، دوره في إعادة رسم مسارات الحياة السياسية في مصر.

 

وفيما يخص الفريق عنان، فإن هناك عقبة مهمة تحول دون منحه المرونة اللازمة للحركة لبناء جبهة قوية تدعمه في أي محاولة لإعادته إلى الحياة السياسية المصرية مستقبلاً، ما لم يكن هناك تحولاً قريبًا، وهو كونه تحت رقابة وسيطرة القوات المسلحة والتي تدين بالولاء الآن للمجموعة الموجودة.

 

وثمَّة تقارير تتحدث في هذا الصدد عن تخوين بعض الأوساط القيادية في القوات المسلحة لعنان، ورأوا في استمرار تواصله مع بعض الأوساط المعارضة لـ30 يونيو وانقلاب يوليو 2013، حتى من داخل دوائر كانت حاكمة أو على درجة من القرب من مبارك ونظامه.

 

ولتصور الموقف، يكفي هنا أن نشير إلى موقف النظام الحاليّ في مصر، من حبيب العادلي وزير داخلية النظام السابق، فربما هو الوحيد من بين رموز عهد مبارك الذين تمت مقاضاتهم، لم يحصل على البراءة أو يخرج من محبسه، رغم تدهور حالته الصحية بشكل كبير.

 

ويعود ذلك إلى مفصلية دعم العادلي لمشروع التوريث، حيث كان العامل الأهم في استمرار جمال مبارك ومجموعة لجنة السياسات في ترتيب الأمر في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولولا سعي العادلي من خلال أجهزة الوزارة السيادية، لا سيما أمن دولة والأمن المركزي – الأخير وُصِّف من جانب المؤسسة العسكرية على أنه جزء من محاولة العادلي لخلق قوة مسلحة موازية للجيش – لموازنة قوة المؤسسة العسكرية، لما كان من الممكن لجمال مبارك ترتيب أي شيء أو طرح نفسه بأية صورة من الصور. وبدا حاكمية الموقف في المؤسسة العسكرية واضحًا في انتخابات 2014 الرئاسية، حيث تمت تنحية عنان وموافي في هدوء، بعد إعلان كليهما نيته الترشح.

 

وهنا نشير على حذر إلى خبر نقلته في حينه وكالة “الأناضول” التركية، يوم 29 من يناير 2014، وتفسر وجود عنان في خانة شديدة السلبية لدى المؤسسة العسكرية في الوقت الراهن، وهو أنه طلب اللقاء بعدد من قيادات من الإخوان داخل وخارج مصر، لطلب دعم الجماعة في انتخابات الرئاسة مقابل “امتيازات”، أهمها رفع الحظر عن جماعة الإخوان المسلمين، وأن الإخوان رفضوا طلبه [مصادر: «عنان» يطلب دعم الإخوان في انتخابات الرئاسة والجماعة ترفض].

 

في المقابل فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال طرح اسم عنان في حال وقوع تغيير ذو طابع ثوري في مصر. حيث أن الأمر بهذه الصورة قد يتخذ ناحية أكثر راديكالية في التعامل مع مؤسسات الدولة العميقة، ولن يمكن طرح أي علاج سياسي للوضع يتضمن أسلوب “المواءمات” المعتاد الذي تمت تجربته بين الإخوان والدولة فيما سبق أكثر من مرة.

 

فالأمور بين ثلاثة احتمالات، إما أن يستمر السيسي، وهنا موقف عنان محسوم بالاستمرار في الاختباء في الظل، أو تغيير ذو طابع ثوري في مصر، لن يكون للمؤسسة العسكرية فيها الكلمة الأولى واليد الطولى لو نجحت، أما الاحتمال الثالث، والمتعلق بحدوث تغيير للوجوه لامتصاص حالة الشحن الجماهيري والسياسي الراهنة ضد السيسي الآن، واستبداله – بموافقة المؤسسة العسكرية – بشخصية أخرى مقبولة مثل عنان.

 

نون بوست

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *