مترو الأنفاق: إهدار 300 مليار جنيه

Sharing is caring!

metroتعانى القاهرة أزمة مرور خانقة جعلت من المترو أسرع و أرخص وسيلة للإنتقال للملايين من سكان المدينة. وقد أثارت تصريحات رئيس هيئة الأنفاق بزيادة قيمة تذكرة مترو الأنفاق بنسبة من 50% الى 100% الكثير من الغضب فى الشارع المصرى لإستخفافها بمعاناة المواطن المصرى، و هو ما يظهر عدم إدراك للعواقب السياسية لمثل هذا القرار، حيث قامت مظاهرات حاشدة فى البرازيل لزيادة تذكرة المترو بمقدار 9% فقط.

و نظرا للتكلفة المرتفعة لإنشاء مترو الانفاق فى ظل الظروف الإقتصادية الصعبة التى تعيشها مصر و المصريين، يجب البحث فى البدائل الأخرى لتنفيذ خطوط المترو مثل المترو على كوبرى و المترو السطحى. تبلغ تكلفة إنشاء الكيلومتر الواحد من المترو، 2250 مليون جنيه لمترو الأنفاق ، و 100 مليون جنيه للمترو على كوبرى (4,50% من تكلفة الأنفاق)، و 50 مليون جنيه للمترو السطحى (2,25% من تكلفة الأنفاق).

و هو ما ينعكس على تكلفة تذكرة المترو حيث تبلغ 9 جنيهات لمترو الأنفاق و 40 قرشا للمترو على كوبرى (4,50% من تكلفة الأنفاق) و 20 قرشا للمترو السطحى (2,25% من تكلفة الأنفاق).
وهنا فإن الأمر يحتاج إلي مزيد من التفصيل: أولا مترو الأنفاق بتكلفة 2250 مليون جنيه للكيلومتر الواحد: حيث صرح رئيس هيئة الأنفاق بأن تكلفة المتر المربع من الأنفاق تبلغ ربع مليون جنيه (250 ألف)، و بما إن الكيلو متر من الأنفاق يحتوى على 9000 متر مربع (1000 متر طول x 9 متر عرض) تكون تكلفة الكيلومتر الواحد من الأنفاق 2250 مليون جنيه.

ثانيا مترو على كوبرى بتكلفة 100 مليون جنيه للكيلومتر الواحد: حيث توجد العديد من المدن التى تطبق هذا الحل ، منها مدينة شيكاغو التى بها أكبر “شبكة مترو كاملة على كوبرى” فى العالم تضم 8 خطوط و مدينة فانكوفر كندا 3 خطوط و مدينة دبى 3 خطوط و الخط السادس فى مترو باريس. وهذا البديل تم “إخفاؤه عمدا” من جانب هيئة الأنفاق بدعوى إن الأنفاق هى الحل “الوحيد” لحل أزمة المرور.
فهل مصر أغنى من أمريكا و كندا و دبى و فرنسا؟

فى دبى يقومون بعمل كوبرى حرف T فى الجزيرة الوسطى للشارع و هو حل ممكن تطبيقه مثلا فى المرحلة الأولى للخط الرابع التى تمر تحت شارع الهرم (الذى توجد به جزيرة وسطى)، و لكن هيئة الأنفاق قررت حفر نفق تحت شارع الهرم بتكلفة 3,6 مليار دولار منها 1,2 مليار دولار قرض يابانى، و تجاهلت الهيئة إمكانية تنفيذ المرحلة الأولى للخط الرابع على كوبرى (بأيدى مصرية و بدون قروض) بتكلفة لا تتجاوز 2 مليار جنيه فقط . مترو شيكاغو أكبر “شبكة مترو كاملة على كوبرى” فى العالم – 8 خطوط

ثالثا مترو سطحى معزول عن المرور بسور علي جانبيه بتكلفة 50 مليون جنيه للكيلومتر الواحد: و هو ما تم تطبيقه بنجاح فى الخط الأول للمترو حيث تم تجديد خط المرج و خط حلوان بطول 40 كيلومترا و دمجهما فى الخط الأول وكان النفق بطول 4 كيلو مترات مما جعل تكلفة الخط الأول 2 مليار جنيه فقط، و مع عزل المترو عن المرور و شراء قطارات حديثة أصبحت سرعة المترو فوق الأرض هى نفس سرعته تحت الأرض. ولكن فى الوقت الحالى تتم إزالة خطوط المترو السطحية القديمة لحفر أنفاق بدلا منها!!!

فى العادة فإن نصف تكلفة الأنفاق تكون بقروض أجنبية مما يرفع الدين الخارجى للدولة، و تقوم الحكومات الأجنبية بتقديم القروض لتشغيل شركاتها. ولكن تمويل الأنفاق من ميزانية الدولة فقط له أيضا مخاطره الشديدة، و نضرب هنا مثلا بتمويل إنشاء الخط الثانى للمترو الذى كان تمويلا مصريا 100% استنزف ميزانية وزارة النقل لسنين طويلة و جاء على حساب مرفق السكة الحديد الذى انهار بسبب تمويل الخط الثانى.

و هو نفس الإتجاه السائد فى ميزانية 2014/2015 حيث تبلغ مخصصات هيئة الأنفاق 55% من مخصصات وزارة النقل، فإذا كان الخط الثانى هو سبب انهيار قطاع كامل فى الدولة، لذا يجب التساؤل عن القطاعات الأربعة التى ستنهار عند إنشاء الخطوط الثالث و الرابع و الخامس و السادس؟ الا يسمى ذلك إسقاطا للدولة؟

و فى بلد وصلت ديونها الى 2200 مليار جنيه لا يمكن وصف الإصرار على الأنفاق كحل “وحيد” لأزمة المرور، إلا بإنه “إسراف مجنون”، و لكن توجد لهذا الإصرار أسباب تتلخص فى:
1- وظيفة هيئة الأنفاق هى حفر الأنفاق.
2- تبلغ أتعاب الإستشاريين المؤيدين للأنفاق (أجانب و مصريين) 2% من تكلفة المشروع.
3- أرباح شركات المقاولات و الحديد و الأسمنت من المشروع.
4- خطة الحكومة الفرنسية لإنقاذ شركة الستوم التى كانت على وشك الإفلاس بالترويج للشركة و تقديم قروض للمشروعات التى تنفذها فى الدول الأخرى.
5- الفساد، ففى 2010 تم إسناد تنفيذ المرحلة الثانية للخط الثالث بقيمة 12 مليار جنيه الى الشركات بالأمر المباشر و بدون إجراء مناقصات، علاوة على خضوع شركة الستوم الفرنسية لتحقيقات قضائية فى فرنسا و سويسرا و البرازيل بتهمة دفع رشاوى مقدارها 15% من قيمة المشروعات فى كل البلاد التى تعمل بها، و ذلك حسب ما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية مما أدى الى القبض على عدد من مديرى الشركة فى امريكا و بريطانيا.

و بناء عليه نصل الى نتيجة ان الدعم المقدم لبيع تذكرة مترو الأنفاق بجنيه واحد بالرغم من ان تكلفتها تبلغ 9 جنيهات، هو دعم لا يستفيد منه المواطن، بل إن العكس هو الصحيح حيث يدفع المواطن “الفقير الغلبان” هذا الدعم للإستشاريين و شركات المقاولات و الحديد و الأسمنت الأجنبية و المصرية.
مشروعات هيئة الأنفاق

تخطط هيئة الأنفاق لإنشاء المرحلتين الثالثة و الرابعة من الخط الثالث و الخطوط الرابع و الخامس و السادس بأطوال إجمالية 132 كيلومترا و تكلفة 297 مليار جنيه (قابلة للزيادة) و ذلك قبل 2020. نفس هذه الخطوط يمكن إنشاؤها بتكلفة 13,2 مليار جنيه على كوبرى (4,50% من تكلفة الأنفاق) أو 6,6 مليار جنيه عند تجديد الخطوط السطحية القديمة (2,25% من تكلفة الأنفاق).

وحتى فى حالة تنفيذ الأنفاق بالشركات المصرية فقط و تخفيض التكلفة الى النصف 150 مليار جنيه تظل التكلفة أعلى بـ 11ضعف عن تكلفة الكبارى. وتنوى هيئة الأنفاق التعاقد فى أكتوبر 2014 على تنفيذ المرحلتين الثالثة و الرابعة من الخط الثالث و المرحلة الأولى من الخط الرابع بتكلفة إجمالية 60 مليار جنيه، و لهذه المراحل الثلاث بدائل أقل فى التكلفة كالتالى:

1- المرحلة الثالثة للخط الثالث و سيتم فيها حفر نفق من “العتبة” إلى إمبابة بتكلفة 24 ألف مليون جنيه، و قد تم تجاهل إقتراح هيئة المعونة اليابانية الجايكا بإنشاء خط مترو سطحى من “رمسيس” الى إمبابة بتكلفة 350 مليون جنيه فقط. مع إن كلا الخطين يؤديان نفس الوظيفة و هى ربط وسط المدينة بإمبابة.
2- المرحلة الرابعة للخط الثالث و سيتم فيها حفر نفق من مصر الجديدة الى المطار بتكلفة 11 مليار جنيه بدلا من استخدام مسار مترو مصر الجديدة بتكلفة 400 مليون جنيه.
3- المرحلة الأولى من الخط الرابع و سيتم فيها حفر نفق تحت شارع الهرم بتكلفة 3,6 مليار دولار منها 1,2 مليار قرض يابانى، و تم تجاهل امكانية عمل كوبرى حرف T فى الجزيرة الوسطى للشارع مثل مترو دبى بتكلفة 2 مليار جنيه فقط .
تقوم العديد من المدن الاوروبية مثل باريس و برلين و روما بإنشاء شبكات جديدة للمترو السطحى.
و فى مصر، تم تجديد خط المرج و خط حلوان بطول 40 كيلومترا و دمجهما فى الخط الأول للمترو وكان النفق بطول 4 كيلو مترات مما جعل تكلفة الخط الأول 2 مليار جنيه فقط. حاليا يتم تنفيذ “خطة متعمدة” لإزالة الخطوط السطحية التى تمر فى شوارع مصر الجديدة و مدينة نصر، وهى شوارع واسعة بعرض 50 مترا على الأقل، و لا يشكل مرور المترو فيها أى مشكلة .. و ذلك لحفر أنفاق بدلا منها.

لا يمكن تبسيط الأمور ووصف ما يحدث بإن الشوارع مزدحمة و يستحسن توسيعها للسيارات، حيث إن كل كيلومتر تتم إزالته من المترو السطحى يتم إستبداله بكيلومتر من الأنفاق، و فى حين ان تطوير المترو السطحى يتكلف 50 مليون جنيه للكيلومتر، فإن إنشاء الأنفاق يتكلف 2250 مليون جنيه للكيلومتر… أى بفارق 2200 مليون جنيه فى الكيلومتر الواحد.

و فى الإجمالى تبلغ تكلفة الخطوط الجديدة للأنفاق 297 مليار جنيه مقابل 6,6 مليار جنيه عند تجديد الخطوط السطحية القديمة (2,25% من تكلفة الأنفاق). وما يحدث هو استنزاف للاقتصاد المصرى و للمصريين تحت راية حل أزمة المرور.

الأهالي: مهندس إستشارى/ عمرو رءوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *