“قراءة فى واقعنا الكنسى ـ شهادة ورؤية” كتاب يطالب بآليات حديثة للكنيسة

Sharing is caring!

تkamalzacherقديم المؤلف: الاستاذ كمال زاخر

فى المراحل الإنتقالية، خاصة فى المجتمعات التقليدية، يكون الإرتباك هو السمة البارزة فيها، كناتج طبيعى لمقاومة القديم للخروج من ما استقر لديه من مفاهيم وعلاقات ومراكز قانونية ومجتمعية وربما مصالح، وبين الجديد الذى يتبنى سعى التحديث والخروج من نفق طال، كانت الدنيا خارجه تموج بالتطورات والأحداث، وبزوغ اجيال جديدة تشكل وجدانها وذهنيتها فى مناخات مختلفة، وتحتاج الى لغة مختلفة وربما ادوات مختلفة فى التواصل معها.

ويدق الأمر عندما يكون الأمر متعلقاً بمؤسسة دينية عريقة (الكنيسة)، وفى لحظة تشهد تغيرات خارجها حادة وعاصفة.
ولا يمكن بحال أن نغفل أن الكنيسة ظلت بامتداد اربعة عقود تحت قيادة البابا شنودة الثالث، والذى كان قبلها لنحو عشر سنوات قريباً من مركز اتخاذ القرار بها، باعتباره اسقفاً عاماً للتعليم، وكانت له رؤيته ومنهجه فى التعليم والإدارة، وكان الإشتباك مع الفضاء العام والسياسى أبرز معالمه، فى مرحلتى الأسقفية والبابوية، وعندما رحل كان مجمع الأساقفة بجملته من تلاميذه واختياراته، وكان لهذا انعكاساته على مشهد اليوم.

ولم يكن رحيل قداسة البابا شنودة الثالث بشيبة صالحة، ومجئ قداسة البابا تواضروس الثانى، مجرد تتالى طبيعى فى سلسلة بطاركة وبابوات الكنيسة الممتدة، فقد حدث هذا فى لحظة فارقة تشهد إنتقالات محلية وكونية، محلياً نشهد تغيرات سياسية وجيلية متسارعة وعاصفة، وفى العالم نشهد الإنتقال العاصف من انساق الثورة الصناعية وعلاقاتها الرتيبة واحتكار المعلومة، وانعكاسات هذا على تعميق المجتمع الأبوى، إلى الثورة المعلوماتية وقفزات تقنيات التواصل، وشيوع المعلومة، وتفكيك المجتمع الأبوى العتيد، ليقفز الزمن فيصبح العامل الحاكم فى علاقات الناس والإنتاج والدول، ويلقى بظلاله على أداءات ومطاليب اتخاذ القرار.

book

كنسياً كان الإنتقال رغم حتميته صادماً، فقد شغل قداسة البابا مواقعه التدبيرية بامتداد نصف قرن (1962 ـ 2012) أسقفاً لعشر سنوات، ثم بابا وبطريركاً لأربعين سنة، ولم تكن مجرد عدد من السنوات بل كانت مسرحاً لتقلبات سياسية عارمة اشتبكت مع الكنيسة واستهدفت سلامها ووجودها، وكان البابا فى القلب من عواصفها، وكشأن القيادات التاريخية التى يمتد بها الإقامة فى مواقعها، حدث تماهى بينها وبين الموقع، بما يمثل عبئاً يقيد حركة من يخلفها، إذ تظل المقارنات بينهما قائمة لسنوات، وتظهر معها مقاومة من استقرت لهم مواقع ومراكز ومكتسبات بامتداد النصف قرن، لمحاولات القادم إعمال رؤيته أو مراجعة ما كان والإقتراب مما يستوجب التصحيح أو الإصلاح.

ولما كان من الثابت أن التجارب والشخوص لا تستنسخ، نكون أمام اشكالية حقيقية، تواجه البابا تواضروس فى مهمته المعقدة والمتشابكة، مع عديد من الأطراف داخل الكنيسة وخارجها. ويواجه البابا تداعيات الإنتقال من موقع الرجل الثانى فى إيبارشية نائية، وفى ظل مطران له ثقله وخبراته، ومن موقع صاحب الخيارات التنفيذية المسالمة، إلى موقع الرجل الأول فى الكنسية على اتساعها، وإلى موقع صاحب القرارات الفاصلة، التى تفرض عليه المواجهة والحسم، بما يستوجب معرفة وتقدير تشابكات وتشعبات علاقات الموقع الجديد.

وبين هذه وتلك تأتى السمات التى يفرضها المكون الرهبانى على كل من تشكل قدرٌ من وجدانه فى منظومة الرهبنة، فيشق عليه، أحياناً، تنوع وتعدد الرؤى والأطروحات، فينحاز الى قناعاته، وخياراته، وقد إعتاد على معاندة ذاته ومقاومتها فى جهاده النسكى، فيصطدم مع المناخ العام ومع أجيال خرجت عن السيطرة بفعل الأنفتاح المعلوماتى والتغيير الجيلى كواحد من تداعيات ثورة الإتصالات وسيولة المعرفة، أضف اليها خفوت التلمذة والإنقطاع الجيلى الحاد والعاصف.

فى هذا السياق تتولد فكرة الكتاب الذى نحن بصدده (قراءة فى واقعنا الكنسى ـ شهادة ورؤية) وهى الإقتراب من المحاور الرئيسية التى تشكل تحدياً حقيقياً لعبور المرحلة الإنتقالية واستكمال مسيرة الكنيسة كما ارادها الإنجيل والمسيح، تأسيساً على موروثها الصحيح باعتبارها كنيسة تقليدية آبائية محملة بالمقاربة بين الأصالة والمعاصرة، أو بين الموروث والتحديث، وهى مهمة شاقة فى مناخ مازال يعانى من التراجع المعرفى الأبجدى والثقافى، وربما الى درجة الإنقطاع المعرفى عن جذوره اللاهوتية والروحية.

لكن تحويل الفكرة الى سطور وصفحات لم يكن أمراً سهلاً فالمناخ السائد، داخل الكنيسة وخارجها، لم يكن مهيئاً لقبول الإقتراب من هذه الإشكاليات، خاصة وأن الطرح لم يكن منحصراً فى الشأن الكنسى بشكل مجرد، إنما يأتى متلامساً مع الفضاء العام، المجتمعى والسياسى، وهو ما حملته سطور مقدمة الكتاب تراوحت بين الأسئلة والإيضاحات نقرأ معاً بعض منها :

“هل يمكنُ أن نغامرَ بالكتابة فى منطقة تجمعُ بين الدينى والسياسى والإجتماعى والتاريخى، دون أن نتعرضَ لنيران، بعضها صديقة، ترى فى الكلمات دخولاً بغير إستئذان فى مناطق نفوذها، وإقتراباً من خطوطها الحمراء التى رسمتها لحماية مصالح إستقرت لزمن طال، وفى مواجهة ذهنية شعبية تخلط البشرى بالمقدس، والشخوصَ بالكيانات، ولم تعُد تقبلُ مجردَ مناقشة ما استقر إستناداً إلى أن المناقشة تتعرض بالضرورة لمن هم محل ثقة تصل إلى حد الإيمان عند طيفٍ من المتلقين، وقد تشكلت عند كثيرين حالة من التوجُس والريَّبة والتخوفِ نتجتْ عن موجاتِ الإستهداف التى تطاردُ الأقباطَ خاصة بعد إنهيار التجربة الناصرية وصعود تيارات الإسلام السياسى وبروز الأجنحة المتطرفة منها، بل ويتعمقُ تاريخياً إلى زمن محمد على (1805 ـ 1848) والذى سعى إلى تأسيس دولة حديثة، بمعايير زمانه، والخروج من دولة المِلل والطوائف، التى ترسختْ قبله فى عصور المماليك والعثمانيين، لكنه رغم ذلك لم يستِطع، ولم يرغب، إدماجَ الأقباط فى المشهد العام باعتبارهم “مواطنين”، بسبب ثقل الموروث عند الشارع وعند الطبقات الحاكمة، وربما عنده، مدعوماً برؤى دينية مستقرة، وبسبب عدم إدراكه لمفهوم المواطنة، ليظل الأقباطُ عند الإنظمة الحاكمة المتعاقبة “ملّة” ينوب عنها البابا البطريرك، بإعتباره وفقَ السائدِ “عظيمَ القبط” أو “رئيسَ الطائفة”.

ولم تكُن لحظة المَّد الوطنى فى 1919 إستثناءً، فقد كانت مشغولة بقضية التحرر الوطنى، وفيها بادرَ الأقباطُ بالذهاب إلى الزعيم سعد زغلول مطالبين بالمشاركة فى تحركه الثورى، ومع ذلك لم تنجح ثورة 19 فى تأسيس الدولة الوطنية بالمعنى الصحيح، ولم تستِطع أن تغيِّر كثيراً فى الذهنية العامة، وظل الأقباطُ بعيداً عن الإستدعاء الوطنى إلا فى لحظات الخطر، بحكم فقه الضرورة، والذى فيه يضطرُ الحاكم إلى إفساح مساحة من المشاركة للأقباط تحت ضغط توجه الحشد، وبفعل وطنية ومبادرة الأقباط التلقائية، وإنعكس هذا على الدساتير التى عرفتها مصر، حتى فى دستور 23 الذى يُحسب أيقونة الدساتير، وقد تسللتْ إلى نصوصه الإشارة إلى دين الدولة فى أحكامه العامة الواردة فى بابه السادس

وعلى الرغم من اللحظة التاريخية الفارقة التى عاشتها مصرُ مع ثورة يوليو 1952، والتى شكَّلت فرصة لتصحيح ما استقر فى الشارع السياسى من استبعاد الأقباط ، إلا أن الوضعَ استمر على ما هو عليه، ولم يكن إندماجُ الأقباط فى الشأن العام يشغلُ الزعيمَ عبدَ الناصر، ولم ينتبه إلى أهميته وهو يبنى الحُلمَ القومى.

وعندما يزدادُ المَّد الدينى، ويتغولُ من السعى لإستبعاد الأقباط إلى إستهداف وجودهم يتحصنُ الأقباط بالكنيسة، فى محاولة لحماية الهوية والوجود، ويتصدر المشهدَ الكنسى شبابُ الأربعينيات الذى نجح فيما بعد فى الوصول إلى قيادة الكنيسة، بشكلٍ متدرج بامتداد نحو ثلاثة عقود، والتى تشهد تفاعلاتٍ عارمة تُعمِّقُ التوجسَ والتخوفَ القبطى، لكنهم اخفقوا فى معالجة آثار وتداعيات الإنقطاع المعرفى اللاهوتى الذى أصابَ الكنيسة على إمتداد قرون، بفعل الإنتقال من اليونانية اللغة التى تسجلت بها أدبياتُ وعقيدة الكنيسة، إلى القبطية اللغة الشعبية وقتها، بعد زلزال مجمع خلقيدونية،451م، والذى أسس للإنشقاق الكبير فى الكنيسة، وفيه تقفز الصراعاتُ القومية وتسيطرُ على أجواء المجمع وتعمِّق الخلاف، فيما غابت مساعى التقارب اللاهوتى، ويشتعلُ الصراعُ على المناصب ليتراجع التواصل الفكرى، وربما نكتشف عند إعادة قراءة أوراق هذا المجمع حدة إختلاط السياسى بالدينى

ثم يتجدد الإنقطاعُ المعرفى اللاهوتى مرة أخرى وبشكل أعنف بالإنتقال القسرى من القبطية إلى العربية (ما بين القرن العاشر والقرن الثانى عشر) لأسباب سياسية وتعنُتِ الحكام وإرهابهم، وما بين الإنتقالين تشهد الكنيسة محاولاتِ إعادة بناء منظومةٍ فكريةٍ لاهوتية باللغة الجديدة، لكنها تتعثر لأسباب موضوعية، داخل الكنيسة، التى لم تكن وقتها قد تمكنتْ من معرفة اللغة الجديدة بالقدر الذى يمكنُها من الترجمة والنقل الدقيق، فضلاً عن المقاومات العاتية، من خارج الكنيسة والمطاردات التى كانت تعانى منها.

ويزداد التوجس مع إرتباكات النصف الثانى من القرن العشرين، وإنشغال الكنيسة بقضية الوجود والبقاء، ومقاومة إرهاب الجماعات المتطرفة واختلالات النظم الحاكمة، ويتعطلُ مشروعُ الكنيسة التنويرى، الذى بشَّر به الأستاذ نظيرُ جِّيد فى صدر شبابه، على صفحات مجلة مدارس الأحد (1947ـ1954) ثم ألهبَ به حماسَ الشباب حين يصير أسقفاً للتعليم باسم الأنبا شنودة (1962ـ1971) ثم يتعثر بفعل مصادمات وتحديات مرحلة البابوية (1971ـ2012).

وبين المراحل الثلاث يزدادُ التوجسُ والتخوفات فى الشارع القبطى من محاولات ممارسة القراءة النقدية للواقع الكنسى والقبطى والنظر اليها بريبة باعتبارها دعماً لمحاولات هدم كيان الكنيسة، وفى بعضها تُعتبر فى الذهنية السائدة نقداً لقداسة البابا شنودة الثالث، وإنكاراً لدوره وجهوده فى قيادة الكنيسة، وتوسعاتها بامتداد الجغرافيا حتى إلى امريكا وأوروبا، وفى التوسع الداخلى برسامات الأساقفة عبر تقسيم الإيبارشيات القائمة ورسامة المزيد من الأساقفة العموم بغير إيبارشيات، ليتحول إلى أيقونة مصرية، خاصة بعد مواقفه التى تُحسبُ أغلبُها له فى مواجهة السادات ونظامه، والتى انتهت إلى واحدة من القصص التراجيدية بعزله من منصبه بقرار رئاسى وإعتقاله بدير أنبا بيشوى بصحراء وادى النطرون (5 سبتمبر1981)، وتتعمق صورته فى الذهنية الأسطورية باغتيال السادات (6 إكتوبر1981) على يد الجماعات التى منحها الحياة، والتى فُسرت، شعبوياً، بأنها عقوبة إلهية جزاءَ ما فعله مع رجل الله، ورغم هذا يبقى البابا رهنَ الإعتقال ثلاثَ سنواتِ ونيفا، فى حكم حسنى مبارك ويعود إلى كرسيه فى (6 يناير1985) عشية عيد الميلاد.ِ

ويمثل قداسة البابا شنودة الثالث حالة يمكن أن ترتقى إلى مستوى الظاهرة، بحد تعبير الدكتور يونان لبيب رزق، استاذ التاريخ والمؤرخ البارز، فى مقاله بمجلة المصور، فقد اشتبك قداسته مع الشأن الكنسى مبكراً، وهو بعد طالبٌ بالمرحلة الجامعية على صفحات مجلة مدارس الأحد (1947ـ1954)، كاتباً فمسئولاً فعلياً عن تحريرها ثم رئيسَ تحريرٍ رسمياً لها، ويخرج منها إلى دير السريان بصحراء وادى النطرون قاصداً الرهبنة (1954)، ومنها إلى سكرتارية قداسة البابا كيرلس السادس (1960 ـ 1962) ليُرسم أسقفاً عاماً للتعليم (1962 ـ 1971)، ويعتلى الكرسىَ المرقسىَ بطريركاً وبابا للكرازة المرقسية (1981 ـ 2012)، وفى كل هذه المحطات يكون حضورُه مميزاً، ومعاركُه فارقة، لها وعليها، خلَّفت وراءها مريدين وجرحى، تكونت على ضفافها مراكز قوى وظفت قربها منه لحساب مصالحها وتحمل قداسته فواتيرها، وأثارت قضايا مازالت تحت الفحص.

كان للمناخ العام خارج الكنيسة دورٌ فى صناعة النجم، وكانت لقدراته الشخصية أيضاً دورُها، وصار عند قاعدة شعبية عريضة وجارفة بطلاً، وحل ضيفاً على موائد النقد عند غيرها، فى دوائر السياسة والكنيسة، كان مقاتلاً لا تلين له قناة، ومازلنا بحاجة بعيداً عن التقييمات الإنفعاليه إلى شهادات من عاصروا مراحله المختلفة واشتبكوا معها ومعه، اتفاقاً واختلافاً، وتفسيرهم للإنتقال فى علاقاتٍ عديدة من الحميمية إلى المصادمة التى تصلُ فى بعضها إلى القطيعة خاصة مع رفاق سنى التكوين، وزمالة رحلة اللجنة العليا لمدارس الأحد، وتحالفات ما قبل البابوية، ومن ساندوه فى معاركه حتى مشارف السبعينيات من القرن العشرين، فلا يمكن فهمُ الكثير من الأحداث التى مرت بها الكنيسة فى عصره بعيداً عن فهم شخصيته، النشأة والتكوين ومنهج التفكير والمؤثرات الحياتية.

هل كان لهذا دوره فى الإرتداد بالكنيسة من المؤسسة إلى الفرد، لتتسللَ إليها المركزية وتنتقل إلى الإيبارشيات على مستويات متعددة لتصبح نسقَ إدارة، فتختزل التعددية التى تميزُ الكنيسة إلى فرد، وتنتج كلَ أمراض الفردانية؟.
هل يمكن أن تنجح محاولة الكتابة والطرح فى غير الحقول التى إعتادها القارئ، والتى استراح إليها؟، فعلى الرغم من أن الموضوعَ المطروح مرتبطٌ بالكنيسة والأقباط فإن سطوره لا تنتج ” كتاباً قبطياً ” بفعل إشتباك قضاياه بالواقع المصرى، ورغم أنه يتعرضُ لواقع الرهبنة والتعليم الكنسى إلا أنه ليس ” كتاباً كنسياً عن الرهبنة أو لاهوتياً “، وفيما هو يتناول قضايا العلاقة بين مكونات الكنيسة وترتيباتها الإدارية إلا أنه لا يُحسب ” كتاباً فى الترتيب الكنسى “، وقد تقترب السطورُ من وقائعَ تاريخية موثقة وبعضها عاشها الكاتبُ واشتبك معها بضراوة، لكن هذا الإقترابَ لا يجعلُ منه ” كتاباً فى تاريخ الكنيسة والأقباط “.

ظنى أن سطورى مجردُ اقترابٍ من حقبة تمتد إلى مايزيد عن قرن فى بعضها، وتشتبك مع نصفه الأخير، وتحاول أن تجيبَ على أسئلة تبحث عن إجابات، بعيداً عن الإنطباعية، وهى فى بعضها شهادة شخصية وفى مجملها محاولة لرسم خارطة طريقٍ للخروج من نفقٍ إمتدَ طويلاً.

وفى كل الأحوال هى محاولة لتدشين طريق القراءة النقدية فى أدبياتنا القبطية دون أن تنحرف إلى الشخصنة ودون أن تنتهى إلى عداوة ومصادمة، وهى فى ظنى مغامرة أخوضُها متسلحاً بقدرٍ وافر من حبٍ لتلك المحبوبة التى ترَّبى وجدانى بين أحضانها، وأدينُ لها بالكثير .. الكنيسة.

وقد تنتهى إلى خلق تيارٍ مستنير، أتمناه وأسعى إليه، يحققُ الإنتقالَ من الفرد إلى المؤسسة، وينقل المنهجَ الأبوى من دائرة التسلط إلى عمق السلطان الروحى بالمحبة الذى ينير مساحاتٍ معتمة فى الذهنية العامة، وفى ذهنية الخدام ـ علمانيين وإكليروس ـ ويعلن المسيحَ الحقيقى وحدَه ويجمعنا إليه، ويستطيع العبورَ فوق مساحاتِ النفور التاريخية المتراكمة، لقرون، عبرَ بناء جسور الوعى بجوهر عملِ المسيح المُصالِح، داخل الكنيسة وبينها وبين اخوتها، لتصبح، معهم، واحدة مقدسة جامعة رسولية.”

نعود للكتاب فنجده استهل طرحه بالإقتراب من ازمة رهبان وادى الريان، وهى منطقة تقع فى صحراء الفيوم، شهدت تجمعاً رهبانياً كان محل اختلاف وتعرض لشروع الحكومة فى شق طريق يخترق مكان تجمعهم، ويرونه يتهدد اثار المنطقة، وتنقسم المواقف وتتشعب لتكشف عن واقع كنسى ورهبانى يحتاج لمراجعة وقراءة متبصرة، كانت الدافع الرئيسى لكتابة هذا الكتاب.

ثم يتعرص لمحاور رئيسية ثلاثة : التعليم والرهبنة والإدارة،وفى عجالة يتوقف عند كنيسة اليوم ليطرح حزمة من الأسئلة والملاحظات استوقفته وتحتاج إلى إجابات ومراجعات، وهى بمثابة عصف ذهنى قد يحرك سكونا طال، وقد يغرى الباحثين لتناولها بشكل مدقق وموضوعى لحساب مستقبل الكنيسة.

وينتهى الكتاب بتقديم ملحقين يتضمن الأول جدولاً ببعض المصطلحات الكنسية الشائعة فيها سعياً لضبطها وتوضيحها حتى يستقيم الحوار تأسيساً على فهم مشترك لها.

بينماالملحق الثانى يقدم دراسة بحثية لواحد من الرهبان المستنيرين من دير “ابو مقار” بوادى النطرون (الراهب باسيليوس المقارى) عن التأديبات الكنسية، المعروفة شعبياً بالمحاكمات الكنسية، وهو ورقة بحثية كان قد شارك بها فى مؤتمر التيار العلمانى (2006).

ويمكن ايجاز ما تعرض له الكتاب فى :

التراجعاتُ فى دائرة التعليم اللاهوتى وخفوت التسليم الآبائى .
مشاكلُ الأديرة بعد انفتاحها على العالم.
اختلالات الإدارة الكنسية المتوارثة فى دوائر اتخاذ القرار والدوائر المعاونة
ويقترح فى الرهبنة ابتكار نسقٍ وسيط بين شكلها التقليدى وبين احتياج الكنيسة لطاقاتها فى منظومة التعليم ودوائر العمل الإجتماعى، “أخوية المكرسين”، أو “الدياكونية المكرسة”؟.
ويطالب بعلاج اختلالاتُ العلاقة بين الإكليروس والعلمانيين، بين الحمائم والصقور، والتقارب والتباعد، والتكامل والإصطفاف فى مواجهة بينهما. ليصبحا معاً “الكنيسة جسد المسيح”.
وينتهى إلى أن أزمة الكنيسة فى أنها مازالت تتعاملُ مع الإدارة بمعطيات القرن التاسع عشر، وإن استخدمت آليات التواصل الحديثة، لتصبح كمن يضع رقعة جديدة لرتق ثوب عتيق، وعلى الرغم من أن مواقع إدارتها العليا دانت لخريجى الجامعات وصار أغلبُ اساقفتها من الحاصلين على درجاتٍ علمية متقدمة، إلا أن مفاهيم السلطة والأبوة مازالت، عند البعض، متوقفة عند نسق المجتمع الأبوى وربما القبلى، الذى تجاوزه الزمن، وتحتاج هذه المفاهيم إلى إعادة توصيف وإلى فهم متقدم يتسق مع غاية وهدف الخدمة ويوظف السلطة والأبوة لهذا، فى ضوء تطور العلاقات المجتمعية، والإختلاف الجيلى، وهو ما سبقتها إليه كنائس تقليدية رسولية مثيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *