الوزير الذى نفذ بجلده

unonajyيورو عرب برس

كم من قصص الحياة تنسج خيوطها السنين ولابد ان ننتظر طويلاً وطويلا حتى نقرأها كاملة ونصل إلى النهاية وعندما نعتقد أنها النهاية ، نكتشف أننا لم نتخطى البداية بعد ، فعالم الأسرار تغزلها أيادي خفية بأطراف بارعة.
تنتهي قصة سفير العراق في النمسا فارس نعمة بعد 11 سبتمبر عام 2001 عندما كتبت مجلة بروفيل النمساوية تحقيقاً في نوفمبر من نفس العام تؤكد أن فارس نعمة أحد قادة الكتائب في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانيات يخشى العودة للعراق خوفا من السجن أو التصفية.

لم يكذب أحد أو ينكر مانشرته جريدة البروفيل بشكل رسمى سواء السفارة العراقية أو السفير نفسه. ولكن مسئولوا الأمن النمساويين نفوا خبر أن السفير السابق طلب اللجوء السياسي للنمسا. وظل مقيماً فى فيينا بعد ترك منصبه ، مرافقاً لزوجته التى عينت مستشارة ثقافية في السفارة العراقية ووجدت بناته وظائف مرموقة في المنظمات الدولية في فيينا ، ومن المعروف أن بعض سفراء العراق في النمسا عادة يلجأون سياسياً بعد إنتهاء مدة خدمتهم مثل محمد المشاط الذي لجأ لكندا وهشام الشاوي الذي لجأ لبريطانيا ورحيم عبد الكتل لجأ للنمسا.

ومع نهاية هذه القصة بدأت قصة جديدة على المسرح النمساوي ، وهي قصة بزوغ نجم عراقى جديد ، السفير ناجي صبرى الحديثى ، وهو على حق كان نجم ، ففي فترة قصيرة جداً كسب الأصدقاء وكانت له شعبية كبيرة داخل الجالية العربية ، وفي أول إحتفال بالعيد الوطنى للعراق كان الإحتفال كأنه عرس وإكتظ القصر الذي هو مقر السفارة العراقية في الحي الثالث أمام أجمل وأعرق منتزهات العاصمة فيينا ” شتادت بارك” بالضيوف والأحباء والأصدقاء.

بحسه السياسي لمس الحديثى أن النمسا تأخذ “طريق اليمين” لتتحول حكومتها إلي حزب الأحرار والحزب المحافظ ، فقرر أن يقترن باليمين ، واصبح صديقاً حميماً للزعيم النمساوى اليمينى المشهور يورج هيدر ، والذي قام بزيارة خاصة التقى بها بالرئيس صدام حسين ، وأثارت ضجة على المستوى السياسي والإعلامي ، ليدخل يورج هيدر ” عالم صدام حسين وبدأت تتردد في الكواليس أن ناجي صبري الحديثى هو رأس جهاز المخابرات البعثية في أوربا ، وكانت هنالك علاقات عميقة تربطة بمايسترو الحكومة اليمينة في النمسا يورج هيدر ، حيث هناك في حقول مقاطعة في فيللا أنيقة يقطن أحد اهم تجار الأسلحة العراقيين. وحيث قام أيضا الحديثى بزيارة المقاطعة أكثر من مرة.

ويقال أنه أثناء حرب العراق في مارس 2003 لجأ إليها أيضاً لم يكن الدخان من غير نار ، فأهمية شخصية الحديثى لدى الرئيس صدام حسين تتصاعد وفي خلال عام تم ترقيته إلى وزير لخارجية العراق ليزيح محمد سعيد الصحاف وطارق عزيز من كرسى الخارجية ، والبعض يقول أن مسألة رئاسة جهاز المخابرات قصة خرافية وكل الأمر لا يتعدي وساطة وتوصية من مهندسة معمارية مقربة من صدام حسين ، كانت قد سافرت لفيينا للعلاج الطبى ولاقت رعاية فائقة من الحديثى وهو سفير ومن رجال السفارة وحراسها ، وهناك لدى صدام تحدثت عن مدى إخلاص ناجي الحديثى.

ولعل الذي يصدق هذه القصة لديه سبب منطقى ألا وهو أن صدام أتهم شقيق الحديثى بالتآمر وقام بإعدامه ، حيث كان شقيق ناجي أسمه محمد صبري الحديثى وكان نائب وزير الخارجية وعلى خلاف كبير مع حسن المجيد الملقب ” على الكيماوي” والذي إستطاع هو ورجاله أن يقنعوا صدام بأن محمد الحديثى يتآمر لقلب نظام الحكم فأعدمه ، على كل الحال قصة المهندسة العراقية مصدرها أحد الدبلوماسيين السابقين المنشقين الذى ألف كتاب بعنوان “نساء في حياة صدام” ونشره بإسم مستعار وهو فالح العامري.

ولد ناجي صبري الحديثي عام 1948 في بلدة حديثة التابعة إلى الرمادي، المدينة والتى تجلى ميل سكانها، في الغالب، للانتماء إلى حركات ذات نزعة قومية مثل حزب البعث، ثم أنتسب إلى جامعة بغداد طالباً في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية. وإقتحم المجال الإعلامي وهو في مقتبل عمره ، وبرز كمدير تحرير لصحيفة الثورة الناطقة باسم حزب البعث، وهو المنصب الذي ظل محتفظاً به حتى عام 1975، حيث شغل بعدها منصب المستشار الثقافي للسفارة العراقية في لندن، وهناك أسس المركز الثقافي العراقي بقصد الترويج لسياسات نظام صدام حسين.
وفي عام 1979 ، تناقلت الأنباء إعدام شقيقه محمد صبري الذي كان وكيلاً لوزير الخارجية بتهمة المشاركة بمحاولة أنقلاب على صدام ، بينما كان قد اعتقل مسبقاً شقيقه الآخر شكري صبري أحد كوادر حزب البعث في الستينات وخرج من السجن إلى القبرفي ظل هذه الظروف، كان ناجي صبري يدرك بعمق أن رقبته قد تكون في خطر، وبات عليه أن يحثّ الخطى للتكيف سريعاً مع الواقع الجديد. ويبدى بشكل واضح ولاءه التام للزعيم صدام.

شغل ناجي صبري مناصب إعلامية أخرى، كرئيس تحرير صحيفة بغداد أوبزرفر الناطقة بالإنجليزية ومنصب المدير العام لمؤسسة دار المأمون للنشر ثم شغل في العام 1990 منصب مدير عام للإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام. وما أن شغل هذا المنصب، حتى تسارعت الأحداث على نحو دراماتيكي حين غزت قوات بلاده دولة الكويت، فترقى إثرها ليشغل منصب وكيل للوزارة ذاتها، أدار من موقعه الجديد هذا الحملة الإعلامية الخاصة بعمل المراسلين الأجانب في العراق. وفي عام 1995، انتقل ناجي صبري إلى القصر الجمهوري، فشغل منصب المستشار الإعلامي بديوان الرئاسة، وهو المنصب الذي جعله على تماس مباشر مع صانع القرار الوحيد في بغداد. ثم عين سفير العراق ي النمسا وبعدها وزيراً للخارجية

عاد ناجي صبرى الحديثى مرة أخرى للنمسا هذا المرة كوزير خارجية عامي 2002 و 2003 في زيارات مكوكية ولقاءات مع كوفي عنان لإنقاذ العراق من قرار الحرب ، وفي فيينا إلتقى بالأمين العام للأمم المتحدة وقتها كوفي عنان ، ولكن للأسف كان صبري الحديثى هو المفاوض الماهر الذي يدافع عن قضية خاسرة ، لأن قرار الحرب كان حتمياً ولا مفر منه ، ووقف الأمين العام محاصراً برجاله في الصالة الرئيسية لمبنى الأمم المتحدة في فيينا ليعلن فشل المفاوضات مع وزير الخارجية العراقي.

وودع كوفي عنان الصحفيين الذين احتشدوا في نصف دائرة وهو يمد شفتيه تعبيراً عن الأسف ، ليحتل المنصة بعدها الوزير الحديثى ورجاله ليؤكد فشل المفاوضات لتكون تلك اللحظة التاريخية التى معها بدأ قرار ضرب العراق. وفجأة أختفى الحديثى رجل صدام الذي قرر أن يعتمد على حذاقته في التفاوض مع بداية الحرب ، وأنتشرت الإشاعات وكثرت بينما لا يعرف أحد حتى الآن كيف نجا وزير خارجية العراق الآخير لصدام حسين من الحرب ومن المحاسبة بعد الحرب.

فهناك قصة تقول أنه أقنع قصى أنه في حالة إختفاء والده سوف يحكم البلاد وأن عليه السفر والمغادرة لأنه سوف يجري زيارة دبلوماسية هامة لروسيا وأختفى في روسيا بضعة شهور ثم عاد لمدينة الدوحة وقصة أخرى تقول أنه أقيم في الأردن أثناء الحرب ومن هناك سافر إلى قطر. وذكرت إحدى الصحف النمساوية أنه أخذ أموالاً من خزانة الخارجية وهرب إلى سوريا بسيارة ليموزين حكومية.

وهناك سيناريو آخر بدأه يورج هيدر عندما صرح للصحافة أنه يعرف طريق صديقه صبرى وأنه بخير وليس هناك اي قلق عليه ، مما جعل الصحافة تحاول أن تشتم رائحة الحديثى لدى مخابئ هيدر في مقاطعة كيرتن وكتبت أنه يختبئ لدى هيدر. وقالت الصحافة النمساوية أن الوزير الحديثى ظل مختبئاً في النمسا لمدة 6 شهور بعد ضرب العراق في مارس 2003 بعدها انتقل جواً من فيينا إلى العاصمة القطرية الدوحة ليلحق بعدد كبير من العراقيين اللاجئين لقطر منهم الدكتور رياض القيسى والسيدة إلهام خير الله إبنة خال الرئيس صدام وغيرهم من الأكاديميين والدبلوماسيين.

وتظل كلها مجرد سيناريوهات وقصص لا دليل عليها ولكنها المتداولة حتى الآن ولعل أقربها السيناريو الآخير ، خاصة بعد تصريحات يورج هيدر أثناء اختفاء الوزير ، وفي النهاية أيضا رسا المطاف في الدوحة ، حيث يقوم الحديثى بالتدريس في كلية الإعلام، لم تسير الأمور هكذا في هدوء بعد إستقرار الحديثى في الدوحة بل في عام 2006 فجرت شبكة NBC الاخبارية الأمريكية قنبلة غير متوقعة ، حيث كشفت أن الوزير كان في نيويورك في سبتمبر 2 0 0 2 ، وخلال اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء صبري لتمثيل العراق وشن هجوما عنيفا على الإدارة الأمريكية حيث قرأ رسالة من صدام حسين جاء فيها ان” الادارة الاميركية تتصرف باسم الصهيونية “، نافيا وجود أسلحة دمار شامل في العراق، لكنه خرج بعد ذلك،من مبنى الأمم المتحدة وتوجه ليلتقي في أحد فنادق نيويورك الوسيط الذي يربطه بالاستخبارات الأمريكية.وذكر تقرير شبكة NBC أن فرنسا متورطة في موضوع تعاون صبري مع المخابرات الأمريكية، وأشارت الى انه خلال تلك الرحلة جرت اتصالات سرية بواسطة المخابرات الفرنسية .

وذكرت مصادر المخابرات ان لقاء عقد في أحد فنادق نيويورك ضم وسيطا يمثل صبري وضباطا من الـCIA وأضافت الشبكة الأمريكية في تقريرها أن ناجي صبري كان يلتقي CIA من خلال طرف ثالث، بعد أن دفعت له نحو 100 ألف دولار ، وقال محلل الأخبار لدى “NBC” الجنرال المتقاعد واين داوننج، إن صبري كان منجم ذهب للمعلومات.

وتابع تقرير الشبكة الأمريكية أن العلاقة مع صبري انتهت عندما طلبت CIA منه القيام بانقلاب علاقات عامة ,وضغطت عليه للفرار الى الولايات المتحدة إلا انه رفض ذلك مرارا ثم انقطعت العلاقة. لم يصمت الوزير ناجي صبري الحديثى على هذا الفيلم الإخباري وقال: ” هذا المعلومات التى وردت في هذه القصة الغربية ملفقة وباطلة وكاذبة جملة وتفصيلاً وعارية عن الصحة تماماً ولا أساس لها على الإطلاق” .. الحديثى لم يقاض القناة التليفزيونية ولكنه أكتفى بتكذيبها وفي النهاية لم يدرج إسم الحديثى في قائمة القادة الـ 55 المطلوبين للمحاكمة.

 

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *