أصل الخير والشر لعالم النفس إيريخ فروم (2-10)

from2ترجمة وعرض من النص الالماني: وجيه فلبرماير

لو أسلمنا بالأمر ان طبيعة الانسان من الاساس شريرة وفاسدة وتميل للهدم والتخريب والعنف، فلماذا اذن يكون من العقل ان نحارب ونقف ضده طالما انها طبيعة الانسان؟ ويصاغ السؤال بطريقة اخرى عند علماء الفلسفة واللاهوت وهي:

 


هل جوهر ا لبشر شرير وفاسد ام انه طيب وعاقل ؟
يخبرنا العهد القديم في الكتاب المقدس ان آدم وحواء عندما عصيا الله لم تفسد طبيعتهما بل تفتحت اعينهما على معرفة الخير والشر وبذلك كانت اول خطوة للانسان في التحرر عندما ارتكب سلوك العصيان ضد الله ، ويبدو ان عصيان أدم وحواء كانت في خطة الله لتحرير الإنسان.

طرد الانسان من الجنة هو في حد ذاته كانت فرصة للبشر ان يكتشفوا كنه شخصيتهم وقواهم الداخلية وتطوير العالم الذي يعيشون فيه بعقلهم وارادتهم ، ولو كانت طبيعة البشر فاسدة وشريرة لما ارسل لهم الله انبياء لإنقاذهم مما هم فيه.

والحقيقة انه حسب رؤية العهد القديم ان الانسان كلما سلك في الشر اصبح شريراً مثل فرعون موسى الذي كان شريراً فتقسى قلبه شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى درجة من الشرور لا يستطيع العودة منها ، كما ذكر لنا العهد القديم ايضا امثلة اخرى تؤكد ان للإنسان ميول مزدوجة بين الخير والشر والبركة واللعنة والحياة والموت عليه ان يختار بينها.

وفي العهد القديم لم يتدخل الله في ارادة الانسان لكي يختار بين الخير والشر ، هو كان يساعد البشر بانه يرسل لهم المعلم الصالح او النبي لكي يرشدهم ويعلمهم وفي ضوء ذلك هم يختارون طريقهم ، ترك الله للانسان ميوله للخير والشر قائمة ولم يتدخل فيها وترك للإنسان حرية القرار والاختيار بين ميول الخير والشر.

وبعد ان ظهرت المسيحية اصبح المفهوم لدى الكنيسة عن الخير والشر مختلف حيث ان الكنيسة اعتبرت عصيان آدم وحواء للرب هي خطيئة اصلية التصقت بطبيعته فاصبح انسان فاسد وخاطئ ، بل ان نسله كله ورث هذا الفساد والخطيئة ، ولم يعد هناك مخرج من هذه الطبيعة الفاسدة ملك يده او في قدرته بمفرده فهو يحتاج إلى معونة من الرب نفسه.

ولذلك كانت خطة الرب في المسيحية انه ارسل السيد المسيح ابنه لكي يموت على الصليب ويحيا من الاموات ويمحو خطايا العالم ويحرر البشر من الطبيعة الفاسدة ويطلق عليه اسم “المخلص”

وفكرة الكنيسة في الخطيئة الاصلية الموروثة من آدم وحواء بدأت تواجه بالرفض والنقد قبل عصر النهضة ودفع ثمنها الكثيرين ممن اتهموا بانهم هراطقة ، وجاء مارتن لوثر ليواجه فكر الخطيئة الاصلية مواجهة حاسمة وقوية ، ثم جاء الفكر الانساني وفكر ماركس الذي اكد ان الانسان في طبيعته “خير وطيب” ولكن الظروف التي حوله من حروب وظلم وعنف هي التي جعلته شريراً وخاصة الحرب العالمية الاولى وهتلر والحكام الدكتاتوريين وتفجير هيروشما ونجازاكي بالقنبلة الذرية التي اثبتت ان الانسان بفعل الحرب والعنف اصبح اكثر شراً وانحاز إلى ميوله الشريرة المخربة.

وهنا بعد الحروب العالمية لنا وقفة مع الحروب، حيث انها تتم بأوامر من القادة السياسيين والاقتصاديين بسبب تهديد ما خارجي او بسبب توزيع الثروات الطبيعية او تحسين موقف تفاوضى سياسي على فوائد مادية، او حفاظا على الكرامة وفي معظم الاحوال الذين يأخذون قرارات الحرب هم اناس عادين مثلنا ولكن عندما يجدون انفسهم يملكون القدرة والقوة على تدمير بلاد باكملها يتحولون إلى خطر كبير على البشرية.

اكبر خطر على البشرية هو ان يصبح شخص عادي جدا في قمة السلطة والقوة ، ويمكنه بقراراته ان يمحوا البشرية جمعاء وهو ما يمكن تحقيقه باسلحة الدمار الشامل التي تملأ كوكب الارض.

ليس من المهم ان يكون القائد عاهر او فاسد أو سادي لكي يدمر ويقوم بالحروب الشريرة ، فيكفى الميول والشهوات الشخصية له في الحب والكراهية والتي تدفعه لقتل الملايين من البشر وخاصة ان الحرب الآن ليست بالرماح والسيوف ولكن نحن في عصر لو تم الضغط على زرار قنبلة هيدروجينية سوف تمحى دول من على وجه الدنيا.

اذن هناك ميول للخير وميول للشر وهي تتاثر بالبيئة التي حولنا وبحياتنا الشخصية وخبراتنا فيها وقد تم تقسيمها إلى ثلاثة اقسام رئيسية لكي تفسر حقيقة الميول الشريرة والتخريبية داخل النفس البشرية

هذه هي الاقسام الثلاثة من الناحية النفسية والتي تعتبر الميول التي توجه البشر إلى الشر والتخريب:-

أولاً: حب الأموات
ثانيا: النرجسية الشريرة
ثالثاً: غشيان المحارم وذوي القرابة

هذه الميول الثلاثة هي التي تؤدي بالانسان إلى التداعي المتلازم (الانهيار التام والشر) وتمكن القوى الشريرة المدمرة من الشخص وحبه للكراهية والتخريب

ومن الناحية العكسية هناك ميول الانسان الطبيعية التي تعمل في اتجاه الخير وهي

أولا: حب الأحياء والآخرين
ثانيا: الحرية والاستقلالية

وهي الميول التي تجعل الانسان ينمو ويتطور ويتحرر ويحب الخير وتتمكن من طبيعته الميول الطيبة وحب اعمال الخير.

وهي النتيجة التى وصلنا لها في الحلقة السابقة وهي ان البشر ثلاثة انواع ، نوع يحب الاموات وتتحكم فيه ميول الشر ونوع يحب الاحياء وتتحكم فيه ميول الخير ونوع ثالث يتأرجح بين الاثنين.

وفي الحلقة القادمة نبدأ في شرح الاشكال المختلفة للعنف واسبابها في المجتمع الانساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *