هل الانسان حر الإختيار؟

freeبقلم: وجيه فلبرماير

هناك بعض الاسئلة الفلسفية والنفسية الهامة التي يصعب الاجابة عليها، ولكن إذا استطاع الانسان ان يصل إلى واجابة عنها سوف يعيش في سلام نفسي وفي توازن بين جسده وروحه سواء على المستوى الشخصي او الاجتماعي، امثلة لهذه الاسئلة هي ، هل الانسان بطبيعته خير ام شرير؟ لماذا احب الحياة او لماذا اكرهها؟ هل الانسان حر الاختيار مخير ام مصير؟

وسوف نتناول هذه الموضوعات في اكثر من تحقيق من الناحية العلمية والفلسفية وليس من الناحية السياسية او الدينية حتى نستطيع ان نقدم للقارئ رأي مبنى على اسس علمية وليس مبنى على توجهات سياسية مغرضة او توجهات دينية اخطأت التفسير والتزمت بالمؤسسات اللاهوتية التي تتبع رجال الدين وتخدم مصالح هذه المؤسسات الدينية او تسيس الخطاب الدينى حسب الاهواء.

والاجابة على سؤال : هل الانسان حر الاختيار ام مجبر على السير في طريق حياته؟ يجب ان يكون من وجهة نظر علم النفس وعلم الفلسفة حتى نصل إلى رد مقنع ، نجد أن علم الانثربيولوجي النسبي يؤكد ان الانسان هو نتاج طبيعي لمحيطه الثقافي والاجتماعي بينما علم النفس يؤكد ان كل البشر لهم طبيعة انسانية بشرية من البداية تتشابه في معظم الشعوب.

وعن طبيعة الانسان او البشر يقول عالم النفس ايريخ فروم: “أن الانسان يواجه صراع داخلي مرعب، لانه أسير الطبيعة رغم ان له بعض الحرية داخل اطارها، هو جزء من الطبيعة وهو رد فعل تقلباتها، فهو تائه لا يجد نفسه هنا ولا هناك ولكن وعيه بوجوده وحالته وصراعه الداخلي خلق منه كائن غريب عن العالم المادي متميز عن كل الكائنات والمخلوقات ولكنه وحيداً”

عن اي صراع داخلي يتحدث إيريخ فروم ؟ في الحقيقة هو يتحدث عن صراع الروح والجسد حيث انه يرى ان الانسان ليس فقط جسدا ولكنه روحاً ايضا إنه ذو طبيعة حيوانية وفي نفس الوقت طبيعة روحانية ملائكية وهو يعى هذا الانقسام والصراع والثنائية ويعى انه يعيش في عالمين متناقضين داخل نفسه وهو الجسد والروح

هذه الثنائية التي يعانى منها الانسان بطبيعته تبحث عن حل وتبحث عن استقرار وهي نقطة قصة حياة الانسان عامة، الانسان يبحث عن حل لكي يتوازن جسدا مع روحه، ولكن هل يصل الجميع إلى حل ؟

من المؤكد ان كل منا يصل إلى حل يختاره ، قد يكون هذا الحل هو العودة للوراء والرجعية والماضي او التقدم للامام واكتمال الطبيعة البشرية لحدوث توازن بين الجسد والروح، المهم هو الوصول إلى ان يصبح الانسان إنساناً بالكامل داخله انسجام بين قطبي طبيعته المتناقضين او المتصارعين.

ونعود مرة اخرى لنسأل هل الانسان لديه القدرة على الاختيار بين (أ) و (ب) وهل الانسان لديه القدرة على الاختيار بين الخير والشر؟

بالطبع الاجابة على هذا السؤال يتطلب تعريف واضح للخير والشر والصح والخطأ ، لانه كيف يكون الانسان حر في الاختيار وهو اصلا لا يعرف تقدير قيم الخير والشر ، ولكن هذا موضوع اكثر تعقيدا ويحتاج إلى شرح في مقال اخرى وهو “مقاييس ومعايير الخير والشر”

ويرى علماء النفس ان كل انسان منا يسكن داخله قوى وغرائز قديمة رجعية وهي تتطور حسب سلوكيات الفرد كل منا على حده ، فكلما تصرف الانسان بشكل جيد وفعل الخير ثم الخير فتثبت سلوكياته على فعل الخير ولكن لو تصرف الانسان بشكل متكرر بفعل الشر ثم الشر فتثبت سلوكياته على فعل الشر ويصل بذلك الانسان إلى طبيعة او درجة يصعب خلالها العودة او الاختيار ، اي ان طباعه وسلوكياته مع التكرار والتكرار والسنين تجعله غير قادر على الاختيار او صعب عليه الاختيار من جيد بين الخير والشر بل هو شبه مجبر على السلوك في اتجاه معين إما الخير او الشر.

هناك الفلاسفة الحتميين وهم يتبنون وجهة نظر مختلفة تماما حيث انهم يروون ان الانسان مثله مثل كل الطبيعة وعناصرها ومخلوقاتها لا خيار له في الحياة فهو مجبر من عوامل خارجية بشكل حتمى على السير في طريق لا خيار له فيه مثله مثل الحجر الذي يسقط من اعلى لا خيار له في الهواء ان يتراجع عن سقوطه
والدين له وجهتي نظر مختلفتين او متناقضتين ، فبعض الاديان ترى ان حياة الانسان ليس فيها اختيار شخصي بل هي قدر كتبه الخالق على الانسان وكل شئ في حياته مقدر ومكتوب، وهناك اديان ترى ان الله خلق الانسان كائن حر لديه القدرة والكفاءة ان يختار ويميز بين الخير والشر.

علماء النفس المعاصرين يتحدثون عن حرية الاختيار للانسان ولكن ليس في اطار عام ، لان تناول فكرة حرية الاختيار في الاطار العام تبين ان الانسان لا يختار قدره وانه مجبر وليس لديه الحرية، لكن الصحيح هو ربط هذه الحرية بكيان معين او شخص معين وخبرته في الحياة او خبرة هذا المجتمع او هذا البلد المتراكمة.

ويرى ايضا علماء النفس المعاصرين ان التعقل والعواطف هي التي تحدد قدرة الانسان على الاختيار، فكلما كانت تصرفات وسلوكيات الانسان عقلانية كلما استطاع ان يختار بحرية ولكن كلما ارتبطت تصرفات الانسان بالعواطف والانفعالات كلما قلت فرصته في الاختيار.

كما ان حرية الاختيار مرتبطة بخبرات الانسان في الحياة، فالانسان الذي لديه خبرات في حياته بالاجتهاد والنجاح والصراع وتحويل الفشل إلى نجاح يتأصل في تركيبته الشخصية القدرة السهلة على الاختيار بينما الانسان الذي لديه خبرات الفشل المتكرر والتكاسل في العمل يصل لحالة من التركيبة الشخصية التي ليس لديها القدرة على الاختيار بين الامور ويصبح مجبرا من الاخرين والمحيط على ان يسير في اتجاه محدد.

وبناء على ذلك ، حرية الاختيار ليست تعريف ثابت او محدد ولكها تتوقف على خبرات الانسان وعلى قدراته الشخصية التي اما هي موجودة او غائبة، والتي هي تحدد إلى اي درجة وصل الانسان في حرية الاختيار ، هل وصل إلى طباع وسلوكيات صعب فيها الاختيار ام انه استطاع ان يطبع في شخصيته بخبرات السنين القدرة على الاختيارز

ولذلك هناك نوعان من البشر ، النوع الاول هو من استطاع ان يحافظ بخبرات الحياة على قدرته على الاختيار وبالتالي لا يحتاج لمجهودات كبيرة لاخذ القرار بينما الذين فقدوا القدرة تقريبا على الاختيار يحتاجون إلى مجهودات فذة لكي يصلحوا من هذا الوضع ويحتاجون إلى مساعدات من الآخرين ومن الخارج وهو مايجعل الحلول في حياتهم متعلقة بالاخرين وبالمحيط والمجتمع وليس بهم هم شخصيا.

وهناك نوع من البشر وهم افراد قليلون يقال عنهم النخبة او بمعنى ادق “الملهمون Illuminati ” وهم اشخاص لهم تاثير قوى على البشرية ليس لانهم اذكى او افضل ولكن لانهم اقوى من حيث قدرتهم على اخذ القرار فيما يخص قطاعات كبيرة من العالم

مثل هؤلاء هم اصحاب القرارات الاقتصادية ومدراء البنوك الكبرى العالمية والتى هي في الدول الغنية والغربية وكذلك رجال المنظمات السرية والمخابرات، وبعض السياسيين النافذين والذين يلعبون ادواراً اساسية في قرارات الحرب والتسليح

هذه الطائفة من البشر لديهم حريات واسعة وقدرات لا حدود لها إلا الموت.

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *