مصر توقف مشاريع قومية بسبب أزمة الدولار

أثارت الأزمة التي صاحبت تصريحات الإعلامي والنائب البرلماني المصري مصطفى بكري، وما تلاها من رد وزير النقل كامل الوزير، جدلاً واسعاً في مصر حول حقيقة وقف مشاريع قومية في مصر بسبب أزمة الدولار.

“عربي بوست” توجهت إلى مصدر في مجلس الوزراء المصري للوقوف على حقيقة وجود توجه لدى الدولة المصرية في وقف بعض المشاريع القومية.

ذكر المصدر المطلع في مجلس الوزراء المصري أن هناك مناقشات تجري بالفعل في الوقت الحالي في أروقة مجلس الوزراء حول جدوى استمرار أو إيقاف العمل في بعض المشروعات القومية التي تندرج تحت عنوان “كثيفة رأس المال”، بينما يمكن الاستمرار في المشروعات كثيفة العمالة، وكذلك المشروعات التي تحتاج إلى تمويل بالعملة الأجنبية.

وتوقع أن يبدأ تنفيذ قرارات إيقاف العمل في بعض المشروعات خلال الشهور القادمة وقبل نهاية العام الحالي، في ظل معاناة الدولة الواضحة من نقص السيولة من العملات الأجنبية، بحكم أن أغلب رصيد الاحتياطي المتوفر في البنك المركزي المصري من النقد الأجنبي يمثل ودائع للدول العربية الصديقة، وتلك الودائع لها تواريخ استحقاق يجب أن تكون متوفرة لدى البنك حين تحين مواعيد ردها لأصحابها.

وقال المصدر إن هناك بعض المشروعات التي توقف العمل فيها بالفعل أو يمكن القول تباطأ رِتم العمل فيها بسبب نقص السيولة من النقد الأجنبي واحتياج تلك المشروعات لمواد إنتاج مستوردة.

من هذه المشروعات – حسب المصدر – القطار الكهربائي بين مدينتي العين السخنة والعلمين، وهو المشروع الذي يعتبره وزير النقل المصري كامل الوزير مشروعه القومي الأول؛ إذ يحرص على وصفه في كل تصريحاته الإعلامية بأنه قناة سويس جديدة على قضبان، وكان يتكلف في بداية الحديث عنه 3 مليارات دولار، إلى أن فوجئ المصريون بارتفاع التكلفة وقت توقيع مذكرة التفاهم لتنفيذ المشروع مع شركة سيمنز الألمانية بعد 4 شهور فقط إلى 23 مليار دولار “حوالي 425 مليار جنيه”، بزيادة تُقدر بنحو 14 مليار دولار عن الرقم المُعلن من قبل، دون أن يقدم وزير النقل أو جهة حكومية في مصر تفسيراً لتلك الزيادة).

ومن المشروعات التي تباطأ العمل فيها أيضاً نتيجة نقص السيولة مشروع مونوريل أكتوبر/ العاصمة الإدارية، وبعض الإنشاءات الحكومية المتفرقة في العاصمة الإدارية الجديدة. وحول التبعات المتوقعة في حالة إيقاف تلك المشروعات، وخصوصاً حقوق الشركات الأجنبية التي تساهم في تنفيذها وإمكانية اللجوء إلى هيئات تحكيم دولية، أجاب المصدر بالقول إن مجلس الوزراء بصدد تشكيل لجنة تضم بعضاً من مستشاري المجلس القانونيين بجانب عدد من خبراء القانون الدولي والقوانين التجارية في الجامعات المصرية لتقديم تصوراتهم حول موقف مصر في حالة نشوب نزاعات قانونية مع الشركات الأجنبية، وتقدير حجم التعويضات التي يمكن أن يحكم بها لتلك الشركات حتى تؤخذ في الاعتبار قبل اتخاذ قرار بإيقاف العمل في المشروعات أو استمراره.

كانت أزمة بدأت قبل أيام، حين تحدث الإعلامي والنائب مصطفى بكري، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الأجهزة الأمنية، خلال جلسة للبرلمان المصري، مطالباً بوقف المشروعات القومية الكبرى لفترة من الوقت لحين تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، مضيفاً أنه يجب مراعاة الأولويات وإعطاء احتياجات الناس الأولوية، خصوصاً أن هناك حالة احتقان مجتمعي بسبب معاناة المواطنين.

في نفس اليوم ردَّ وزير النقل المصري كامل الوزير على بكري – دون تسميته – عبر مداخلات له مع برنامجي “الحكاية” للإعلامي عمرو أديب، و”على مسؤوليتي” للإعلامي أحمد موسى، المحسوبين على الأجهزة السيادية أيضاً، وقال الوزير في تصريحاته إن ميزانية  المشروعات القومية التي يتم تنفيذها حالياً تم توفيرها بالفعل من الدولة، ولو تم إيقافها ذلك  يهز الثقة  بأننا غير قادرين على استكمال المشروعات القومية، وتابع قائلاً: “لو أوقفنا المشروعات قد يقوم المستثمرون والشركات الأجنبية العاملة معنا باللجوء للتحكيم بسبب إيقاف العمل، ومصر قد تخسر كثيراً، فضلاً عن أن كل المشروعات توفر فرص عمل كثيرة للعاملين فيها”.

لكنَّ الوزير أشار في تصريحاته إلى أن “المشروعات القومية الجديدة التي بها مكون دولاري كبير ولم يتم البدء فيها تتم دراستها جيداً قبل تنفيذها والوقوف على الجدوى الاقتصادية لها  في هذه المرحلة”.

مصدر بجهاز سيادي مصري قال، في اتصال هاتفي مع “عربي بوست”، إن هناك انقساماً بالفعل بين الأجهزة السيادية على استمرار العمل في المشروعات القومية الكبرى التي تستنزف ميزانية الدولة احتياطياتها من العملات الأجنبية، خصوصاً في تلك الفترة العصيبة على الاقتصاد المصري، كاشفاً أن الخلاف بالأساس بين الأمن الوطني تحديداً من جهة، وبين الجيش المصري من جهة أخرى، مدعوماً من المخابرات العامة، بحكم أن القوات المسلحة تشرف على أغلب المشروعات القومية، وبالتالي ستكون هي الخاسر الأكبر في حال توقف تنفيذ تلك المشروعات.

 نظراً لأن أغلب المشروعات تحت التنفيذ بالفعل؛ ما يعني أن القوات المسلحة، وتحديداً وزارة الدفاع، أسندت التنفيذ إلى شركات مقاولات مدنية، ووقعت معها عقوداً، ودفعت لها دفعات تحت حساب التنفيذ، وبدأت الشركات في العمل بالفعل، وفي حال توقف العمل في المشروعات ستنشأ أزمة بين وزارة الدفاع وتلك الشركات التي ستطالب، دون شك، بالحصول على باقي مستحقاتها، ولن تستطيع الوزارة الدفع لها، مضيفاً: “صحيح أن كل الشركات المدنية لن تستطيع أن تفعل شيئاً للحصول على حقوقها؛ لأن القانون المصري يمنع مقاضاة الهيئات والجهات التابعة للقوات المسلحة، لكن على الأقل ستكون هناك أزمة ثقة يمكن أن تؤدي إلى انسحاب الشركات المدنية من العمل في المشروعات القومية حال تقرر استئناف العمل فيها لاحقاً.

وأرجع المصدر حالة التضارب التي يعيشها الإعلام المصري هذه الأيام، بين تأييد استمرار المشروعات القومية أو المطالبة بإيقافها، إلى الصراع بين الأجهزة السيادية؛ حيث يقوم كل جهاز بتسخير النواب والإعلاميين التابعين له في الدفاع عن وجهة نظره، وفي الوقت نفسه خلق حالة جدلية لدى الرأي العام لمعرفة توجهاته حيال تلك القضية.

يذكر أن تقريراً صدر عن رئاسة الوزراء المصرية، نهاية العام الماضي 2021، حمل اسم مسيرة الإنجازات في 7 سنوات، قال: إنه جرى إنجاز وجارٍ تنفيذ مشروعات قومية في الدولة المصرية بقيمة 6.2 تريليونات جنيه حتى الآن، نفذتها وزارة الدفاع، ممثلة في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بينما تولى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع للقوات المسلحة أيضاً، التنفيذ والإشراف على العديد من المشروعات المنفذة، وذلك بإجمالي 1.52 تريليون جنيه.

واستأثرت 3 قطاعات، ليس من بينها الصحة أو التعليم، بحجم الإنفاق، وهي: الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة بنحو 1.5 تريليون جنيه، والبترول والثروة المعدنية بنحو 1.1 تريليون جنيه، والنقل بنحو 1.3 تريليون جنيه.

كما نفذت الحكومة المصرية، خلال السنوات الـ7 الماضية، طرقاً جديدة وكباري ونحو 11 محوراً بلغ طولها نحو 5000 كيلو متر، بتكلفة بلغت حوالي 127 مليار جنيه (حوالي 6.9 مليار دولار)، وأنشأت 15 مدينة جديدة في مختلف المحافظات، بخلاف شق تفريعة لقناة السويس، تكلفت، بحسب ما أُعلن، 4 مليارات دولار.

وبلغت التكلفة الإجمالية لتلك المشروعات، بحسب ما أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه، 400 مليار دولار (حوالي 7 تريليونات و380 مليار جنيه بحسب السعر الحالي للدولار الذي يساوي 18.45 جنيه)، ويناهز هذا الرقم حجم إيرادات الدولة المصرية طوال 9 سنوات، منذ الاطاحة بالرئيس الراحل د. محمد مرسي من منصبه، حيث بلغ إجمالي إيرادات الدولة خلال تلك السنوات الـ9 بحسب تقارير حكومية حوالي 7 تريليونات و584 مليار و70 مليون جنيه، حيث بلغت الإيرادات في العام المالي 2013/2014 (يبدأ العام المالي في مصر في الأول من يوليو/تموز وينتهي في 30 يونيو/حزيران من العام التالي) 456.8 مليار جنيه، بينما بلغت 1365 مليار جنيه في عام 2021/2022.

من غير المعروف على وجه الدقة كيفية تمويل تلك المشروعات باهظة التكاليف، والتي لا تتناسب مع إيرادات الدولة، لكن باحثين تحدث معهم “عربي بوست” رجحوا أن تمويلها يجري من خلال القروض، وهو ما يفسر، من وجهة نظرهم، الارتفاع المخيف في معدل الاقتراض المصري خلال فترة حكم الرئيس السيسي، سواء الديون الخارجية أو الداخلية، والذي ارتفع من 1.2 تريليون جنيه في بداية توليه مهام رئاسة الجمهورية، بحسب ما أعلن هو نفسه في لقاء تليفزيوني، ليصل إلى حوالي 5 تريليونات و547 مليار جنيه، لكن الرئيس نفسه تجنب في أكثر من مناسبة الحديث عن مصادر تمويل المشروعات القومية، مكتفياً بإشارات غير كاملة، منها الإشارة إلى مساهمة من وصفها بـ”دول عربية شقيقة” في التمويل، دون الحديث عن أرقام محددة وتحديد المشروعات التي ساهمت تلك الدولة العربية الشقيقة في تمويلها، وفي مرة ثانية قال في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب: “إن أموال المشروعات القومية تأتي من مصر، احنا قادرين بفضل الله تعالى ونقدر نعمل كتير”. دون أن يوضح من أين تأتي تلك الأموال تحديداً، ولماذا لا تظهر في الموازنة العامة للدولة؟!

الأمر نفسه فعله السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، حين أجرى مداخلة تليفزيونية لتوضيح مصادر تمويل المشروعات القومية، فقال ما نصه: “إن حسن إدارة أصول الدولة يوفر التكلفة المالية للمشروعات القومية”، دون أن يذكر أي مصدر تمويلي لتلك المشروعات!

باحث سياسي بمركز حكومي للدراسات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية قال لـ”عربي بوست” إن لديه معلومات حول وجود أزمة عنيفة بين جهاز الأمن الوطني المصري من جهة وبين المخابرات العامة والحربية من جهة أخرى، بعد أن قللت الهيئتان الأخيرتان من أهمية تقارير رفعها الأمن الوطني لمؤسسة الرئاسة خلال شهر رمضان الماضي، حذرت من أن الاستمرار في رفع أسعار السلع والخدمات الحكومية سوف يؤدي بالضرورة الى انفجار الوضع الشعبي؛ لأن هناك حالة احتقان واضحة تظهر معالمها بشكل كبير بين أفراد الطبقة المتوسطة التي تتعرض لما يمكن وصفه بالسحق، وهي نفس التعبيرات التي استخدمها النائب والإعلامي مصطفى بكري في حديثه الأخير في مجلس النواب، بما يجعلنا نجزم بأن تحرك بكري تم بإيعاز من الأمن الوطني الذي يرتبط بعلاقات مع الإعلامي منذ أكثر من 30 عاماً.

ورجح الباحث أن بكري وبعض نواب حزب مستقبل وطن ممن طالبوا بإيقاف بعض المشروعات القومية مقابل توجيه قدر أكبر من ميزانية الدولة لتوفير الطعام للمواطنين كانوا مدفوعين من الأمن الوطني؛ لتوصيل رسالة إلى الرئيس السيسي حول حقيقة الأوضاع في الشارع المصري، بعدما فشلت التقارير السرية التي قدمها الجهاز في إقناع الرئيس بذلك بسبب قيام المخابرات العامة والحربية بالتقليل من أهميتها، ووصفها بأنها مبالغة في تقدير ردود الفعل المتوقعة من المصريين تجاه الارتفاع المتوقع للأسعار، ودلل الباحث على كلامه بالإشارة إلى أن بكري نفسه دافع باستماتة قبل شهرين فقط عن المشروعات القومية بدعوى أن هذه المشاريع تعيد بناء الدولة ويعمل بها نحو 5 ملايين مواطن.

وأضاف الباحث: “الغريب أنه رغم الصراع فإن المخابرات العامة والحربية قامت بتأييد تقرير للأمن الوطني في بداية رمضان الماضي، يحذر من رفع سعر البنزين بمعدلات كبيرة؛ لأن ذلك سيتسبب في زيادة احتقان المواطنين، خاصة أنه سوف يؤدي إلى رفع أسعار المواصلات العامة والخاصة ويؤثر على أسعار السلع، واستجاب الرئيس بالفعل لذلك التحذير، وأعطى تعليماته بأن تكون الزيادة 25 قرشاً فقط، رغم أن لائحة هيئة تسعير المنتجات البترولية حددت الزيادة أو التخفيض في السعر بحدود 10%، وهو ما كان يعني إمكانية زيادة سعر اللتر الواحد بحوالي 85 قرشاً.

في المقابل، اعتبر باحث في وزارة الاقتصاد أن إيقاف العمل في المشروعات القومية الآن سوف يرسل رسالة سلبية للمستثمرين الأجانب، ويؤثر على قدرة مصر في جذب استثمارات جديدة، واصفاً المشروعات التي تجري في مصر بأنها عمل عظيم يتم تنفيذه بشكل خاطئ، سواء من حيث مصادر تمويلها أو تحديد أولويتها وفقاً لظروف الاقتصاد المصري.

وأضاف أن مشكلة الدولة في السنوات الأخيرة أن كل شيء فيها يجري تنفيذه بشكل عشوائي دون الاعتداد أو حتى النظر لدراسات الجدوى والتقارير الاقتصادية التي يعدها المتخصصون في الوزارات المختلفة، وكان الرئيس السيسي قد صرح، خلال حضوره منتدى إفريقيا عام 2018، بأن “مصر لو مشيت بدراسات الجدوى وجعلتها العامل الحاسم في حل المسائل كنا هنحقق 20-25% فقط مما حققناه”.

ولفت الباحث إلى أنه يجب النظر في تبعات إيقاف المشروعات، أهمها فقدان من 3 إلى 5 ملايين فرصة عمل وفرتها المشروعات القومية، كما أن مشروعات إصلاح البنية التحتية في البلاد من طرق وكباري وشبكة سكك حديدية على سبيل المثال تمثل بداية مثالية لإصلاح الاقتصاد، فضلاً بالطبع عن أن وقف المشروعات القومية يعطي رسالة عكسية للاستثمار الأجنبي المباشر بعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر، وبالتالي استبعادها من الدول ذات المناخ الجاذب للاستثمار.

لكن الباحث أكد أن ذلك لا يعني الاستمرار في تلك المشروعات على حساب البشر وتوفير احتياجاتهم، مشيراً إلى أنه من المفترض في الوقت الحالي أن تكون هناك إعادة ترتيب للاقتصاد المصري عبر إيقاف بعض المشروعات القومية الحالية التي تحتاج لتمويل كبير، ولن تدر عائدات سريعة، واستبدالها ببعض المشروعات الإنتاجية والصناعية، على أن تعاد جدولة المشروعات المتوقفة لاستكمالها على خطة خمسية أو عشرية، حسب أولويات احتياجات مصادر الإنفاق مع إعادة ضبط السياسات المالية والنقدية، وهذا هو الشيء الهام في المرحلة المقبلة.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *