هل المواجهة مع واشنطن عسكرياً تقترب؟

Sharing is caring!

الضربات الجوية الأمريكية ضد مواقع كتائب حزب الله العراقي وما تلاها من تصعيد ومحاولة اقتحام السفارة في بغداد من جانب الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً ربما تمثِّل مرحلة خطيرة من التصعيد بين واشنطن وطهران، خصوصاً أن الثانية أكثر استعداداً للمجازفة الآن.

موقع ستراتفور الأمريكي نشر تقريراً بعنوان: «المواجهة الإيرانية-الأمريكية في العراق تحتدم»، تناول فيه احتمالات التصعيد ومخاطره على الأطراف الثلاثة «العراق والولايات المتحدة وإيران».

زاد الرد العسكري الأمريكي على مجموعة شبه عسكرية عراقية مقربة لإيران من خطر تطوُّر نمط تصاعدي من العنف بين إيران (ووكلائها) والولايات المتحدة، إذ استهدفت ثلاث غارات جوية أمريكية في 29 ديسمبر/كانون الأول مواقع في العراق تتواجد فيها ميليشيا «كتائب حزب الله» المدعومة من إيران، وضربت الغارات الجوية المتزامنة اثنين من مواقع الميليشيا في سوريا بالقرب من مدينة القائم الحدودية العراقية. وجاءت هذه الغارات رداً على هجوم صاروخي في 27 ديسمبر/كانون الأول ضد قاعدة (K-1) بالقرب من كركوك، أسفر عن مقتل متعاقد مدني أمريكي وإصابة أربعة من العسكريين الأمريكيين، وألقت الولايات المتحدة باللوم على كتائب حزب الله، وهي إحدى وحدات قوات الحشد الشعبي العراقي، في تنفيذ هذا الهجوم.

يعتمد العراق على كل من الولايات المتحدة وإيران لمساعدته في الحفاظ على أمنه، ومع تأجج التوترات بين هذين الشريكين الأمنيين، سيجد العراق صعوبة في الحفاظ على التوازن في علاقاته مع كليهما. وتمثل الغارات الجوية الأمريكية على الميليشيات المتحالفة مع إيران في العراق أحدث تصعيد بين واشنطن وطهران؛ مما يزيد الضغط على الحكومة العراقية لتبرير استمرار الاعتماد على الدعم الأمني ​​الأمريكي لمواطنيها. إلى جانب ذلك، تزيد الضربات الأمريكية من خطر حدوث مزيد من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران داخل العراق.

ويسجل مقتل المتعاقد الأمريكي، في هجوم 27 ديسمبر/كانون الأول، سقوط أول ضحية للولايات المتحدة في عام 2019 نتيجة لهجوم ميليشيا تابعة للحشد الشعبي في العراق أو سوريا. وبالمثل، فإنَّ مقتل العشرات من أعضاء كتائب حزب الله في التفجيرات الانتقامية يمثل تصعيداً كبيراً في العمليات الأمريكية ضد الوحدات المرتبطة بإيران في البلدين. وتُعزَى هذه الأحداث المميتة الأخيرة إلى التوتر المحتدم بين إيران والولايات المتحدة، واستعداد متزايد من جانب إيران لاستخدام وكلائها لتحدي واشنطن. فعلى سبيل المثال، أشار مسؤولون عسكريون أمريكيون إلى أنَّ إطلاق نحو 30 صاروخاً على قاعدة (K-1) هو الهجوم رقم 11 الذي تشنه وحدات الحشد الشعبي منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول على مناطق يوجد فيها أفراد أمريكيون في العراق.

توفر صِلات إيران الواسعة مع الميليشيات في كل من سوريا والعراق وسيلة تتمكن من خلالها من ضرب القوات الأمريكية بالوكالة. وبالنظر إلى نزاع طهران الأكبر مع واشنطن في خضم حملة العقوبات الأمريكية التي تخنق اقتصادها، أصبحت إيران أكثر استعداداً للجوء لهذا الخيار. لكن مثلما يتضح من الهجوم المضاد الأمريكي، فأي هجوم بالوكالة يحمل معه إمكانية حقيقية لتصعيد الهجمات والهجمات المضادة من كلا الجانبين. فعقب الغارات الجوية مباشرة، أكدت الولايات المتحدة أنها انتقام مباشر للهجوم على قاعدة (K-1)، ووصفتها بأنها محاولة لردع عمليات الميليشيات المستقبلية ضد قواتها. وهذا يتماشى مع استراتيجية واشنطن المفضلة المتمثلة في الاعتماد بقوة على العقوبات، بما في ذلك تلك التي فرضتها في ديسمبر/كانون الأول ضد قادة الميليشيات العراقية؛ لعرقلة إيران، وفي الوقت نفسه السعي لتجنب التصعيد العسكري إلى حرب كاملة.

إلى جانب ذلك، تدرك الولايات المتحدة أنَّ البيئة العملياتية في العراق وسوريا تجعل قواتها المنتشرة في البلدين عُرضة لهجمات الميليشيات المرتبطة بإيران. ومن جانبها، تدرك إيران المخاطر التي ينطوي عليها التصعيد العسكري مع دولة قوية مثل الولايات المتحدة، لكن الضغط الناجم عن العقوبات الاقتصادية جعل طهران أكثر استعداداً لتقبل تلك المخاطر بينما تبحث عن طرق للرد.

وبالإضافة إلى المخاطرة بقتال مع الولايات المتحدة يمكن أن يمتد إلى إيران نفسها، فإنَّ تصعيد العنف في الوقت الذي ينتقد فيه متظاهرون عراقيون النفوذ الإيراني في بلادهم يمكن أن يأتي بنتائج عكسية على طهران. لكن حتى مع سحابة تلك المخاطر التي تخيم على رؤوسهم، فإنَّ اقتصاد إيران المتدهور وتطلع بعض وكلائها في ميليشيات الحشد الشعبي لمواجهة القوات الأمريكية يمكن أن يغري القادة الإيرانيين بالرد. لكن حتى إذا لم يُنفَذ هجوم مضاد إيراني واسع النطاق رداً على الضربة الأمريكية على كتائب حزب الله، فمن المرجح أن تستمر الهجمات الصاروخية على المواقع الأمريكية في العراق وسوريا، بل وقد تزداد شدة أيضاً.

ويمكن أن يستخدم الوكلاء الإيرانيون وسائل أخرى للهجوم، مثل القنابل يدوية الصنع. وهذا يعني أنَّ الاحتمالات كبيرة ومستمرة لوقوع مزيد من الإصابات بين الأمريكيين على أيدي الميليشيات المرتبطة بإيران. وهذا، بدوره، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الضربات الانتقامية الأمريكية. وفي تلك المرحلة من المواجهة، سيصعب حتماً تجنب تفاقم العنف بين البلدين بوتيرة سريعة. ومع ذلك، فإنَّ احتمالية وقوع المزيد من الحوادث ستظل مرتفعة طالما بقيت حدة التوتر السياسي بين الدول على وضعها الحالي.

إنَّ التبادلات العنيفة بين الولايات المتحدة وإيران تزيد من تعقيد الوضع السياسي الفوضوي في بغداد، وستؤدي كذلك إلى توتر علاقات العراق مع كل من البلدين. وتلقت العديد من الجماعات التابعة لقوات الحشد الشعبي تمويلاً وتسليحاً مباشراً من إيران؛ وبالتالي تعتبرها واشنطن أدوات مباشرة لإيران. لكن حقيقة أنَّ هذه الميليشيات تضم مقاتلين عراقيين تمنح إيران درجة من الحماية السياسية من الحكومة العراقية في ما يتعلق باستمرار تجنيد هذه الميليشيات في العراق، وأنها تمنحها قدرة معقولة على إنكار أنها تستخدم هذه الميليشيات لتعزيز هيمنتها الإقليمية.

وأعرب الساسة العراقيون الذين تربطهم صلات مع كل من الولايات المتحدة وإيران عن إدانات بالغة لهذه الغارات الجوية، لكنهم لم يصلوا إلى حد الدعوة إلى انسحاب القوات الأمريكية من بلادهم. وهذا يؤكد رغبتهم في عدم استعداء أي من البلدين، اللذين يشكلان داعمين أمنيين قويين وشريكين اقتصاديين حيويين لبغداد. ففي 29 ديسمبر/كانون الأول، على سبيل المثال، وصف الرئيس العراقي برهم صالح الغارة الجوية الأمريكية بأنها غير مقبولة، وفي اليوم نفسه، أصدر حزب «الدعوة الإسلامية» القوي بياناً أدان فيه استخدام الولايات المتحدة وإيران للعراق موقعاً لتسوية حساباتهما. فيما قال مكتب رئيس الوزراء العراقي، الذي أُخطِر عن هذه الغارات الجوية قبل نحو نصف ساعة من شنها، إنه «يرفض بشدة» هذه الأفعال. وفي الوقت نفسه، طالب قادة قوات الحشد الشعبي المتحالفة مع إيران، بمن في ذلك القائد أبوالمهدي المهندس، بانسحاب القوات الأمريكية من العراق. وهدَّد المهندس كذلك برد قاسٍ، وهو تهديد ليس هيناً.

وبخلاف الإدانات العراقية، فإنَّ عجز بغداد عن السيطرة على الأعمال الأمريكية أو الإيرانية على أرض العراق يفتح المجال لحدوث بعض التدهور الدبلوماسي بين واشنطن وبغداد. وبالنظر إلى أنَّ مقاتلي الحشد الشعبي عراقيون، فستضطر بغداد لأنَّ تنأى بنفسها علانيةً عن التعاون المباشر مع أية أعمال أمريكية مستقبلاً ضدهم، وحتى بالرغم من جهود بغداد على مدار السنوات السابقة لكبح بعض الأعمال العدوانية لقوات الحشد الشعبي، والتي فشل معظمها. وكانت العراق والولايات المتحدة قد وقّعتا اتفاقية إطار عمل استراتيجي تُسهِل التنسيق عن قرب بين قوات الأمن العراقية وما يُقدَّر بنحو 5000 جندي أمريكي في البلاد. وعلى الرغم من أنَّ هذه الاتفاقية أثبتت أهميتها في تعزيز الأمن العراقي، تعرضت الاتفاقية لضغوط متزايدة من السياسيين المتحالفين مع إيران في البرلمان العراقي الذين يريدون رحيل القوات الأمريكية عن بلادهم. ومن جانبه، أعلن مجلس الأمن العراقي، الإثنين 30 ديسمبر/كانون الأول، أنه «سيُعيد النظر» في العلاقة بين العراق والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»؛ مما يعكس الموقف الصعب الذي تعلَق فيه بغداد حالياً.

وستُشعِل الغارات الجوية من حدة النقاش الدائر، على الرغم من أنَّ وحدات الحشد الشعبي المتحالفة مع إيران لا تزال تفتقر إلى الشعبية بين الكثير من العراقيين؛ بسبب ميلها للعنف شبه القانوني، ولأنَّ وجودها يجعل العراق مسرحاً معرضاً لحروب الوكالة. وهناك عامل آخر في عملية صنع القرار السياسي في بغداد يتمثل في رد فعل الحركة الاحتجاجية في العراق، خاصة إذا طالب المتظاهرون بالحد من العمليات الأمريكية في بلدهم. ونظراً للقيود التي تواجه حكومة تصريف الأعمال الحالية في العراق في الرد على المتظاهرين الذين تملأهم الجرأة، فإنَّ عملية إعادة تقييم اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي عرقلها البرلمان العراقي ستتسارع إذا طلب المحتجون العراقيون ذلك.

ونتبين مما سبق أنَّ العراق سيظل مسرحاً شديد الاضطراب للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؛ مما يضر بعلاقات بغداد الدبلوماسية مع كلا البلدين. لكن الكرة حالياً في ملعب إيران، ومدى قوة رد الميليشيات المرتبطة بإيران على الغارات الجوية الأمريكية هو ما سيحدد ما إذا كانت دورة التصعيد ستُطبِق يدَيها على العراق أم لا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *