قطر تمول جمعيات قريبة من الاخوان المسلمين في أوروبا بملايين الدولارات

Sharing is caring!

في وثائقي بعنوان “قطر: حرب التأثير على إسلام أوروربا”، كشفت قناة “آرتي” الفرنسية الألمانية برنامجاً قطرياً لتمويل شبكة كبيرة من الجمعيات القريبة من إيديولوجية الإخوان المسلمين في أنحاء أوروبا، وذلك عبر منظّمة “قطر الخيرية” (Qatar Charity).

المنظّمة غير الحكومية التي تأسّست عام 1992 في قطر والمنتشرة في أكثر من 70 دولة من أجل “مساعدة الأطفال ضحايا الأزمات والكوارث قبل أن تتوسّع مجالات عمل قطر الخيرية لتشمل قطاعات إنسانية وإنمائية متنوعة”، وفق موقعها الإلكتروني، دفعت أكثر من 120 مليون يورو لتمويل 140 مشروعاً تابعاً لجمعيات قريبة من الإخوان المسلمين في أوروبا تركز معظهما في بعض الدول، إذ شملت 47 مشروعاً في إيطاليا و22 في فرنسا و11 مشروعاً في كل من إسبانيا وبريطانيا وعشرة مشاريع في ألمانيا، مثلما ما أظهرت آلاف الوثائق السرية والتحويلات المصرفية والرسائل الإلكترونية (email) قدّمها مخبر لقناة “آرتي” في ملف في أواخر العام 2016.

تقول “قطر الخيرية”، في منشور بعنوان “مبادرة غيث للمراكز الإسلامية في دول أوروبا والأميركيتين” جاء ضمن وئاثق المخبر، إن جميع هذه المشاريع تدخل في صلب مبادرة من أجل “تعزيز الثقافة الإسلامية في الغرب خصوصاً وفي العالم”. ومن أبرز المتبرّعين للمنظّمة، وفق لائحة بأسماء هؤلاء، عدد من أبناء أسرة آل ثاني القطرية الحاكمة، بمن فيهم محمد بن حمد وسعود جاسم أحمد وخالد بن حمد بن عبدالله وجاسم بن سعود عبدالرحمن، إضافة إلى الديوان الأميري لحاكم قطر تميم بن حمد آل ثاني، طبقا لما جاء في التقرير الوثائقي. 

وبينما بدأت السعودية والإمارات ومصر والبحرين، منذ عام 2014، باتهام قطر بتمويل جماعات إسلامية متشدّدة، والإخوان المسلمين بشكل خاص، تحت غطاء المساعدات الإنسانية عبر “قطر الخيرية”، تنفي الدوحة هذه التهم وتؤكّد أن المنظمة مستقلة ولا علاقة مباشرة لها بالدولة. غير أن وثائق المخبر التي تلقّتها “آرتي” تتعارض مع ادعاءات قطر، ما دفع القناة إلى إجراء تحقيق في أوروبا بالاشتراك مع “Flach film production” على مدى عامين يثبت ذلك.

الملفات التي حازتها “آرتي” من المخبر الذي رفض الكشف عن اسمه، كشفت تفاصيل التمويل القطري لمشاريع إسلامية في عدد من الدول. ففي فرنسا، أثبتت الوثائق أن “قطر الخيرية” موّلت 22 مشروعاً واستثمرت فيها عشرات الملايين، ونفّذتها كلها “الجمعية الإسلامية في فرنسا” (Musulmans de France MF)، المعروفة سابقاً باسم “اتحاد المنظّمات الإسلامية في فرنسا” والقريبة من إيديولوجية الإخوان المسلمين.

تفصّل الوثائق دعم “قطر الخيرية” لإنشاء “مركز النور” في منطقة ميلوز شرق فرنسا، على مقربة من الحدود مع سويسرا وألمانيا. وفي فيديو يهدف لجذب المتبرّعين، جاء في التقرير، تعرض المنظمة صوراً مفترضة للمشروع الذي انطلقت ورشته عام 2006 وشارف على الانتهاء، ويشرح كذلك كتيّب آخر بالتفصيل الخدمات التي يقدّمها المركز.

يقول رئيس جمعية مسلمي الألزاس ناصر القاضي للقناة إن نحو نصف كلفة المشروع، التي بلغت حوالى 28 مليون يورو، تأمّنت من تبّرعات مصدرها أشخاص وجمعيات من الكويت وقطر، ونقلتها هذه الأخيرة عبر “قطر الخيرية” من دون فرض شروط وفق قوله، لكن هل ذلك صحيح فعلاً؟

يشكّك عنصر في الاستخبارات الفرنسية، رفض الكشف عن هويته، في أن تكون هذه التبرّعات من دون مقابل أو أهداف. ويشرح لـ”آرتي” تفاصيل التمويل القطري لـ”مركز النور” عبر الوثائق، والذي بلغ نحو 5 ملايين يورو في العام 2017 تضاف إلى نحو 5 ملايين أخرى في العام 2016. ويؤكّد “الاستخباراتي” ارتباط “مركز النور” بالإخوان المسلمين.

أثار هذا المشروع قلق المسؤولين الفرنسيين الذين بدأوا التحقيق في مصادر تمويله وشرعيّتها. نصف تكلفته تأمّنت عبر شبكة قانونية مدعومة من “قطر الخيرية” من خلال صندوق هبات يحمل اسم “Passerelles”، مثلما ذكر الوثائقي. ومنذ عام 2017، شكّل هذا الصندوق محلّ نزاع مع الدولة، الأمر الذي يظهر جلياً في رسالة من محافط “إيل دو فرانس” ميشال كادو، قال فيها “جزء من النشاطات المموّلة من الصندوق تشكّل بوضوح نشاطات اقتصادية تنافسية، تحديداً عبر بناء مساحات تجارية في مشروع النور”، طالباً “إيقاف العمليات الخارجة كلها عن النفع العام فوراً”. واعتبر المحافظ في رسالته التي عرضها التقرير أن المزج بين النشاطات الدينية والنشاطات التجارية في المشروع غير شرعي.

بعد استطلاعه ملف المخبر، قال مدير “برنامج التطرّف” في جامعة جورج واشنطن لورنزو فيدينو للقناة التلفزيونية “هناك جهود مبذولة من القطريين لتمويل شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا بشكل كبير ومبالغ كبيرة، وهذه الوثائق دليل رسمي… يدعمون جمعيات قريبة من الإخوان المسلمين فحسب”. ويؤكّد فردينو وقوف الإخوان المسلمين وراء جميع المشاريع الممولة من “قطر الخيرية”، مستنداً إلى وثيقة عرضها التقرير يدعو فيها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الداعية يوسف القرضاوي إلى دعم مشروع لبناء مسجد في ميلان في إيطاليا. فالقرضاوي يعتبر أبرز شيوخ الإخوان المسلمين، بعدما نفي إلى قطر التي حضنته ودعمته وقدّمت له الدعم المادي والإعلامي عبر قناة “الجزيرة”.  

واستناداً إلى الوثائق المعروضة في الوثائقي، تبدو إيطاليا الدولة الأكثر استهدافاً في أوروبا من الإخوان المسلمين، إذ ينفذون فيها 47 مشروعاً مموّلةً بنحو 25 مليون يورو من “قطر الخيرية” ومنفّذة بمعظمها من قبل “اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا” (Union des communautés islamiques en Italie)، القريب من جماعة “الإخوان”.

في ملف المخبر، منشور بعنوان “مشاريع قطر الخيرية بجزيرة صقلية– إيطاليا”، حيث تموّل المنظمة 11 مشروعاً. ويبرز كذلك طلب عرضه الوثائقي مقدّم من رئيس الجالية الإسلامية في صقلية وإمام كاتانيا خيط عبد الحفيض للمنظمة القطرية يطلب فيها معونةً ماليةً لمشروع لإغاثة اللاجئين السوريين الذي يصلون إلى الجزيرة. في هذا الصدد، يشير فيدينو إلى أن “الاستثمار الكثيف لقطر في صقلية أثار تساؤلات المسؤولين الإيطاليين وجهاز الاستخبارات. ويعتقدون في أحد تحليلاتهم، أن قطر الخيرية تستهدف الأماكن التي يصل إليها اللاجئون في أوروبا في إطار مشروعها من أجل إسلام أكثر تشدّداً في العالم”.

عبد الرضوان، الأمين العام للمسجد الكبير في روما الذي يدير غالبية المساجد في إيطاليا، يحارب إستراتيجية الإخوان المسلمين، ويقول في التقرير “يستخدم الإخوان المسلمون خطاباً معيناً معنا (المسلمين) وآخر أمام وسائل الإعلام، هذه إستراتيجيتهم، الخطاب المزدوج. الإخوان المسلمون يستمرون في التفكير في كيفية الوصول إلى السلطة وإنشاء الخلافة. نقلق من تعزيز هذا التيار في أوروبا، لأنه يشكّل خطراً على المسلمين قبل الأوروبيين”.

وفي هذا السياق، يشهد الشاب محمد لويزي لقناة “آرتي” على إستراتيجية الإخوان المسلمين، هو الذي انضمّ إليها في سن المراهقة قبل أن يغادرها بعد 15 عاماً في العام 2006. خلال سنوات انتسابه إلى جماعة “الإخوان”، انضمّ لويزي إلى “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” وتولى مسؤوليات محلية في منطقة فيل نوف داسك، حيث أثبتت الوثائق تمويل “قطر الخيرية” مركزاً إسلامياً بتاريخ 19 سبتمبر (أيلول) 2012 بقيمة 252200 ريال قطري أي نحو 60 ألف يورو، حسب الوثائقي. 

من خلال تجربته، تمكّن لويزي من تمييز وجوه بعض الأشخاص التابعين للإخوان المسلمين والمرتبطين بـ”قطر الخيرية”، والذين ظهروا في صورة لوفد من المنظمة أمام مسجد فيل نوف داسك في العام 2015. شملت الصورة التي عرضها التقرير رئيس “قطر الخيرية” ووزير خارجية قطر السابق الشيخ أحمد بن ناصر آل ثاني، وإمام المسجد محمد كارات، ورئيس ما كان يعرف بـ”اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” عمر الأصفر، إضافة إلى أحمد محمد الحمادي، الذي وصفه لويزي بـ”حامل حقيبة قطر الخيرية إلى أوروبا”، مشيراً إلى أن الدوحة “زوّدته بجواز سفر دبلوماسي ليدخل جميع الدول الأوروبية حيث يجتمع بالإخوان المسلمين في كل مدينة”.

رصد لويزي المدعو أحمد الحمادي في عدد من الصور في أماكن عدة من أوروبا. كما صوّر الحمادي 28 حلقة تلفزيونية في العام 2015 لصالح قناة قطرية بثتها في أوروبا، تهدف إلى حثّ القطريين والعرب على التبرّع لـ”قطر الخيرية” من أجل تنفيذ مشاريع مختلفة في القارة العجوز، وفق ما ذكر الوثائقي. أحد هذه المشاريع ينفّذه “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” في مدينة بواتيه لبناء “مسجد بلاط الشهداء”، الذي أظهرت وثائق عائدة للعام 2012 تبرّع المنظمة القطرية بنحو 400 ألف يورو لبنائه.

في ألمانيا كذلك، مساع قطرية لدعم الإسلام المتشدّد. في حديث لـ”آرتي”، يقول مدير مكتب حماية الدستور في شمال الراين بوركارت فراير “نلاحظ منذ بعض الوقت في ألمانيا أن الإخوان المسلمين كثفوا نشاطاتهم، وننطلق في المبدأ من أنهم مموّلون بهبات ومن دول عربية”.

هذا ولم تغب سويسرا عن أهداف القطريين، ففي إطار المساعي الأميركية للكشف عن ممولي هجمات 11 سبتمبر 2001، حظرت الإدارة الأميركية أصول 62 شخصاً ومنظمة مرتبطين بشبكتين لتمويل الإرهاب، هما شبكة التقوى والبركات، حسب ما جاء في التقرير الوثائقي. يتخّذ مصرف التقوى من مدينة لوغانو في سويسرا مركزاً له، ويرأسه ميلياردير مصري عضو في الإخوان المسلمين ولاجئ في أوروبا. وإثر عمليات التفتيش في منزله، عثر على وثائق بعنوان “المشروع” تعود للعام 1982 وتصف خطة الإخوان المسلمين لفتح بلاد الغرب عبر تمويل سري وبطريقة سلمية في الغالب بهدف إنشاء الدولة الإسلامية تدريجاً، طبقا لما جاء في التقرير. 

وأظهرت وثائق المخبر أن ناديا كرموس، قريبة صاحب مصرف التقوى، تلقّت هبةً من “قطر الخيرية” لصالح مشروع لإنشاء “متحف حضارات الإسلام” الذي فتح أبوابه في سويسرا عام 2016. قال تقرير إنه في العام 2014، وقّعت ناديا عقداً مع مدير “قطر الخيرية” يوسف الكواري من أجل تجديد مبنى المتحف تبعا لبعض الشروط. ويؤكد 14 وصلاً حصول تحويلات منتظمة إلى المؤسسة الثقافية التي تديرها ناديا، وإلى مؤسسة ثقافية أخرى في لوزان وإلى جمعية في لوغانو يديرهما زوجها محمد كرموس. بين عامي 2011 و2013 حوّلت “قطر الخيرية” نحو 3 ملايين فرنك سويسري، أي نحو 2.5 مليون يورو، لتمويل نشاطات الثنائي كرموس، مثلما كشف الوثائقي. 

يرأس محمد كرموس حالياً “الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية” (Institut européen des sciences humaines)، الموجودة في نيافر في فرنسا، والتي تأسّست عام 1992 من قبل “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” لتعلّم اللغة العربية والقرآن والدين من أجل تخريج أئمة.

في حديث خلال الوثائقي، يقول مدير الكلية السابق زهير محمود، الذي تلقى آلاف الدولارات كهبات من رجل “قطر الخيرية” حمادي، أنه عند تأسيس الكلية دعا القيمون عليها العديد من مشايخ المسلمين ومنهم يوسف القرضاوي، مشيراً إلى أن تبعية الكلية للإخوان المسلمين كان محطّ تساؤل بين القيمين عليها، لكن “المهم في النهاية خدمة المسلمين” وفق قوله.

كذلك في بلجيكا، أثبتت رسائل إلكترونية تبادلها مدير فرع “قطر الخيرية” في بريطانيا أيوب أبو يقين مع كريم عازوزي رئيس “رابطة مسلمي بلجيكا”، التي تعتبرها الاستخبارات فرع الإخوان المسلمين في البلاد، طلب الأول من الثاني إعادة مبالغ مالية كانت منحتها المنظمة للرابطة من أجل مشروعين، الأول إنشاء “مركز ثقافي” في بروكسل والثاني لمصلحة استثمار في مدينة آنفير، وفق ما جاء في الوثائقي. واكتشفت الصحافية في مجلة “لو فيف” ماري سيسيل روايان، في العام 2016، تقديم “قطر الخيرية” أكثر من مليون يورو للرابطة بعد وساطة تدخّلت فيها السفارة القطرية. 

الأزمات بين “قطر الخيرية” والمستفدين منها تضاعفت بين عامي 2014 و2017، فبعد مقاطعة كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر، اشتدت أزمات الأخيرة ما دفعها إلى التخفيف من تمويل إستراتيجيتها لدعم الإسلام المتشدّد في أوروبا. أحد المشاريع الذي تراجعت “قطر الخيرية” عن دعمه كان مركز “منتدى ميونيخ للإسلام” الشبيه بمشروع ميلوز، طبقا لما جاء في التقرير. وأظهرت وثائق أن المنظمة تعهّدت بتأمين كلفة شراء الأرض البالغة 5 ملايين يورو، قبل أن تتراجع عن وعودها.

ومع انطلاق “ثورات الربيع العربي”، سعى الأمير القطري حمد بن خليفة آل ثاني إلى توسيع نفوذ بلاده في عدد من الدول العربية، فدعم الفرنسيين للإطاحة بالزعيم الليبي معمّر القذافي وراح يدعم الإسلاميين المتشدّدين في تونس ومصر وسوريا، فضلاً عن دعم الدوحة حركة حماس في غزة، وفق الوثائقي. غير أن المساعي الدولية لمحاربة تمويل الإرهاب، وانهيار مشروع قطر في مصر بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي، دفعت حمد بن خليفة آل ثاني إلى تسليم الحكم لابنه تميم و”قطر الخيرية” لإقفال مكتبها في لندن عام 2018. لكن الفرع لم يختفِ بل تحوّل إلى منظمة “نكتار تراست” التي لا تملك سوى صندوق بريد في محاولة لإزالة كل دليل على صلاتها بالمنظمة الأم، حسب تقرير “آرتي”.

وبينما قيّدت المقاطعة الخليجية قدرة قطر على التوسّع في مشروعها الاستثماري في الإسلام الأوروبي عبر “قطر الخيرية”، أكّدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية القطرية لولوة الخاطر لقناة “آرتي” أن “قطر لا تدعم الإخوان المسلمين لكنها لا تحاربهم أيضاً”، مضيفةً أنه “بإمكان قطر الإسهام في مراكز ثقافية هنا أو هناك عبر الجمعيات القانونية”، ما يضع بالتالي الغربيين أمام مسؤولياتهم في ما يتعلّق بمشروعية الدعم المالي القطري للإخوان المسلمين في أوروبا.

إيليانا داغر صحافية @eliana_dagher

independentarabia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *