أسرار اتصالات الإخوان بـ “CIA”

Sharing is caring!

الحديث عن البدايات دائماً ما يكون هو الكاشف عن النهايات، وبمعنى أدقّ؛ إنّ بداية علاقة الإخوان، واتصالاتهم بــ “CIA” الأمريكية، و”MI6″ و”الجستابو” الألماني لم تكن صدفة، لكنّها جاءت وفق خطة مسبقة، تبعتها حالة تعبئة بأشخاص فاعلين، كانوا راعين لهذه العلاقة.

وعن ذلك كتب حمادة إمام كتابه “مخابرات الجماعة”؛ الذي أجاب فيه عن مراحل ومحطات العلاقة بين الجماعة وهذه الأجهزة، وكيف تطورت حدّ اختلاط السياسي والديني؟ ولماذا الإخوان، دون غيرهم من التنظيمات والجمعيات التي حملت اسم الإسلام، تعاملت معهم أجهزة الاستخبارات؟ ومعها الأمريكيون؟ وما هو المقابل الذي حصل عليه الإخوان من هذه العلاقة؟ وماذا قدموا؟ ولماذا يصرّون على نفي وجود هذه العلاقة؟ ولماذا يخرج الأمريكيون من حين لآخر وثائق وأوراق تكشف الجماعة؟

مراحل العلاقة مع أجهزة الاستخبارات
الفصل الأول من الكتاب جاء تحت عنوان “صلاة الجواسيس داخل البيت الأبيض”، وهو الفصل الذي يرصد آخر الاتفاقيات بين الإخوان والاستخبارات الأمريكية، التي انتهت بوصول مرسي للحكم، والثاني جاء تحت عنوان “عملية أم خالد”، وتناول محاولة الإخوان والأمريكيين اغتيال عبد الناصر في سوريا.

أما الفصل الثالث؛ فقد جاء تحت عنوان “اتفاقية الكعبة”، تناول فيه الكاتب قصة عودة الإخوان المسلمين لمصر في السبعينيات، بعد رحيل عبد الناصر، في حين يرصد الكاتب في الفصل الرابع تحت عنوان “حوارات تحت سيطرة المخابرات”، مذكرات قادة الاستخبارات الغربية حول اتصالاتهم بالإخوان.
الكتاب يبدأ بمقدمة تناولت التحقيق الذي جرى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية مع هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، ومديرة مكتبها، هما عابدين، المسلمة الأصل، ذات الجذور الإخوانية، التي لعبت دور الوسيط بين الإدارة الأمريكية وجماعه الإخوان وانتهت بوصول مرسي للحكم.


استعرض الباحث في بداية الكتاب المراحل السياسية والتاريخية التي مرّ بها تنظيم الإخوان المسلمين، وكشف كيف افتتح محمد رشيد رضا في القاهرة، وتحت رعاية بريطانية، معهد الدعوة الإسلامية، الذي تخرّج فيه حسن البنا، الذي نجح فيما بعد بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين

.

نقل إمام عن كتاب “العلاقات السرية” لمارتن كريستن: “في عام 1941 حدث اللقاء الأول بين البنا والإنجليز، وساعتها عرضت بريطانيا عليه تمويلاً مقابل عدم القيام بعمليات عنف ضدّ قواتها”، ويقول: “بحلول عام 1942 أصبح من المؤكد أنّ بريطانيا تموّل الجماعة؛ ففي 8 أيار (مايو) من العام نفسه، عقد مسؤولو السفارة البريطانية اجتماعاً مع رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت، ناقشوا فيه دور الإخوان في مواجهة الحركات المصرية القومية في مقاومة الاستعمار، ومع انتهاء الحرب العالمية كانت إنجلترا تتعاون مع الجماعة، رغم إدراكها خطورتها”.


كما نقل عن روبرت ديفوس، في كتابه “لعبة الشيطان”، قوله: “الورقة الإسلامية لم تتركها أمريكا في يد بريطانيا وحدها؛ ففي منتصف الأربعينيات بدأ مخططو الإستراتيجية الأمريكية في دمج دور للمسلمين لاحتواء الاتحاد السوفييتي، وأنا أعرف أحداً من زملائي في السفارة الأمريكية في القاهرة يلتقي البنا بانتظام”.

ويسرد الكتاب مقولات متعددة من مجموعة من الكتب الشهيرة، التي أرّخت لهذه العلاقة، ومنها: كتاب “مسجد في ميونخ”؛ حيث كشف إيان جونسون أنّ الولايات المتحدة بنت على ما بدأه هتلر من توظيف الإسلاميين لضرب الاتحاد السوفييتي.


وعن مؤلف كتاب “عندما تتصادم العوالم”: “البلاط الملكي وجهاز الاستخبارات البريطاني، والدبلوماسيين الإنجليز، كانوا يتوددون لحركة الإخوان، ولما جاءت حرب 48 زادت شعبية الجماعة وجماهيرية الانضمام لها”.


وينقل أنّه في 27 أيار (مايو) عام 1953 رفع المستر بوردبت، سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة، تقريراً عن لقاء تمّ بينه وبين المستر جيرنجان، كممثلين للجانب الأمريكي مع محمود مخلوف، عضو الجماعة، الذي شرح أهمية الإخوان، ناصحاً بضرورة زيادة الاتصالات؛ حيث تصبح أكثر قرباً وعمقاً.


وفي 4 حزيران (يونيو) 1954؛ حدث لقاء آخر ضمّ محمود مخلوف وبوردبت، لمناقشة الترتيبات الدفاعية التي ينوي الغرب تنفيذها بالمنطقة، أما الأول فنقل أنّ الجماعة ترفض التورط؛ لأنّ العرب يشعرون بأنّ إنجلترا هي عدوّهم الأول.


أما الكيفية والوسائل التي استخدمتها الاستخبارات الأمريكية في تسهيل تهريب الإخوان من مصر إلى الخارج، فقد كانت عن طريق شركة “المقاولون العرب”، المملوكة لعثمان أحمد عثمان، أحد العناصر الإخوانية النشطة في ذلك الوقت، ولا توجد وثيقة أو دليل لكشف حقيقة الدور الذي لعبه، وفق الكتاب، سوى اعتراف عثمان أحمد عثمان في مذكراته، التي رواها في كتابه “تجربتي”.


وثائق وإثباتات العلاقة


تبلغ الاتصالات ذروتها، في 21 حزيران (يونيو) 1953، بلقاء بين مرشد الإخوان المسلمين حسن الهضيبي والمسؤول المتخصص عن الشؤون الدينية والعربية؛ حيث أبلغهم المرشد العام بأنّ الحكومة الحالية لا يمكنها حلّ الجماعة، وأنّ نشاط الإخوان سوف يستمر، وتكرّر اللقاء في 27 تموز (يوليو) عام 1953؛ حيث سئل مرشد الجماعة عن موقفه من مجلس قيادة الثورة، فأجاب بأنّهم يريدون تغيير بعض الشخصيات بأخرى حزبية، وأنّ حكومة الثورة سوف تسقط في وقت قريب، وأنّهم يريدون تطبيق الشريعة، ولن يدخلوا العمل السياسي حتى يتحقق لهم النصر، وهنا يروي الكتاب، نقلاً عن مارك كيتس في كتابه “العلاقات السرية – التحالف البريطاني مع الإسلام السلفي”؛ أنّ “بريطانيا خشيت من المدّ القومي، وقررت استخدام تيارات دينية لمواجهة ناصر، ومنها الإخوان المسلمون”.

وتضمّن الكتاب ملفات حول لقاءات بين السفارة البريطانية وشخصيات إخوانية، في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1953، وفي بعضها أنّه تمّ إبلاغ صالح أبو رقيق رسالة من المستشار السياسي، تريفور إيفانز، مفادها أنّ بريطانيا تبحث عن قادة داخل الإخوان لديهم الاستعداد للتعاون معها.

موّل بنك “التقوى” طباعة كتاب “أولويات الحركة الإسلامية” الذي فيه إجابة محدّدة للسؤال عن مدى شرعية التواصل مع الأمريكيين

كما تضمّن العديد من الوثائق التي يشير بعضها إلى اتصال بين مسؤولين بريطانيين، ومنهم نورمان داربيشير، رئيس مكتب الاستخبارات البريطانية في جنيف، والإخوان، من أجل التخطيط للقضاء على جمال عبد الناصر.

يقول، نقلاً عن روبرت ديفوس، في كتابه “لعبة الشيطان”: إنّ “بريطانيا أبرمت معاهدات واتفاقيات مع العديد من الشياطين في كفاحها عقب الحرب العالمية الثانية للحفاظ على الإمبراطورية، ومنها جماعة الإخوان التي دعمتها عند مولدها”.

ويقول روبرت بير، ضابط الاستخبارات البريطاني: “دعا البيت الأبيض سعيد رمضان، عام 1953، مع خمسة أشخاص آخرين، لمقابلة الرئيس أيزنهاور، وكشفت فيما بعد إدارة المعلومات الدولية التابعة للخارجية الأمريكية؛ أنّ الـ “سي آي إيه” نظّمت المؤتمر وتكفلت بتكاليفه المالية، ويطرح ديرفوس سؤالاً، هو: هل جندت الاستخبارات الأمريكية سعيد رمضان؟

وفي تموز (يوليو) 2005، كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تحقيق استقصائي موسَّع مع محفوظات أرشيف سويسري: إنّ “الدلائل التاريخية تشير إلى أنّ السيد سعيد رمضان عمل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية”.

الحوار بين الإخوان وأمريكا


يؤكّد حمادة إمام أنّ الحوار بين الإخوان وأمريكا بدأ في عصر السادات، عام 1977؛ حيث اتصل مسؤول القسم السياسي والسيد عمر التلمساني، وذلك في برنامج تغطية الاستخبارات لبرنامجها المتعلق بالحركات الإسلامية، ونقل أنّه “في كانون الثاني (يناير) 1995، أجرى الرئيس مبارك حواراً مطولاً لمجلة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أكّد فيه علاقة الإخوان بالـ “سي آي إيه”، وتطورت العلاقة، حتّى أنّه في 31 كانون الثاني (يناير) 2011؛ دعا كيري مبارك للتنحي”، مشيراً إلى أنّ الأول هو الذي أقنع أوباما بأن يلقي بثقله وراء الإخوان، باعتبارهم أكبر الفصائل السياسية تنظيماً ونفوذاً عقب الثورة المصرية.

يقول الكتاب، في الصفحة 221: “في نيسان (أبريل) 1990؛ موّل بنك “التقوى”، التابع للإخوان، طباعة كتاب “أولويات الحركة الإسلامية”، الذي وردت فيه إجابة واضحة ومحددة للسؤال عن مدى شرعية التواصل مع الأمريكيين؛ حيث أكّد، في الصفحة 172؛ أنّ الغرب هو الذي يحكم العالم، وهو صاحب الحضارة الآن، وأنّه لم يعد في وسع مجموعة أن تعيش معزولة عنه”.


كما يسرد: “في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2011، قبل وقوع أحداث مجلس الوزراء بـ 6 أيام، أوفد أوباما مبعوثاً شخصياً له من خارج الإدارة الأمريكية، وهو جون كيري، ليقابل جماعة الإخوان، وكيري كان دائماً ما يتلقى دعوة من “مركز دراسات الإسلام والديمقراطية”، لحضور مؤتمره السنوي، وصدر بعد اللقاء بيان للجماعة بأنّها تحترم المواثيق الدولية والاتفاقات مع إسرائيل.

ويقول: “بعد فوز محمد مرسي في انتخابات الرئاسة، ظهر جون كيري في موقف المدافع عن الإخوان، وأشاد بالانتخابات، ووصفها بأنّها لحظة تاريخية، وحذّر من إصدار حكم على الإخوان المسلمين، وأعلن السيناتور الأمريكي أنّه التقى بمرسي مرتين في القاهرة، وناقش معه ديون مصر، وأوضح أنّ مرسي تعهّد بحماية حقوق الأقليات والنساء والحفاظ على علاقة مصر الخاصة مع الولايات المتحدة، كما دافع كيري عن حكومة الإخوان بعد الانتقادات التي وجهها أعضاء الكونغرس لتصريحات القيادي الإخواني، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، التي وصف فيها اليهود بأحفاد القردة والخنازير، وطالب بإرضاع الأبناء والأحفاد كراهية اليهود”.


أضاف كيري؛ “الولايات المتحدة لها مصالح جدية مع مصر”، مشيراً إلى أنّ جماعة الإخوان ستدعم معاهدة السلام مع إسرائيل، وستتخذ خطوات للتعامل مع المشكلة الأمنية في سيناء، وهذا أمر حيوي بالنسبة للولايات المتحدة وأمنها القومي، وأمن إسرائيل”.

يختتم الكتاب بكلمات يثير فيها تساؤلات عن هذه العلاقة، أبرزها:

  1.  ما هي طبيعة العلاقة، خاصّة أنّ صنّاع القرار الأمريكي ينتمون للبروتستانت، وهؤلاء يؤمنون بعودة المسيح لأرض فلسطين وأنّ أصوله يهودية، وشرط عودته للحكم ألف عام، هو إقامة وطن اليهود، وفي مقابل ذلك يملأ الإخوان الدنيا صخباً بأنّ فلسطين وتحرير الأقصى هو شغلهم الشاغل؟!
  2. أيّ شكل تتخذه العلاقة؟ وهل هي تبادلية يقف فيها الطرفان على قدم المساواة، أم التبعية فيها آمر ومأمور؟ وهو تساؤل مشروع، خاصّة أنّ الكلام هنا عن علاقة دولة متكاملة الأركان وقوتها لا تضاهيها قوى أخرى، وتنظيم بدأ دعوة واحتراف العمل السري طوال الوقت، وهو الأمر الذي يثير الفضول حول ما الذي يجمع بين الدولة والتنظيم؟!

ماهر فرغلي : حفريات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *