الصراع على النفط في سوريا

Sharing is caring!

لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيأخذ حصة الولايات المتحدة من النفط السوري على قلته المعلنة مقارنة مع دول نفطية كبرى كالعراق وإيران ودول الخليج العربي، في ظل إعلانه الرسمي مقتل زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي.

تلك التصريحات فتحت باب التساؤلات حول غياب الحديث عن النفط السوري طيلة الفترات الماضية، وقلة الدراسات الموجودة عن الآبار النفطية السورية وما فيها من احتياطي قد ينهض بسوريا بشكل غير مسبوق إذا ما استثمر بشكل جيد، خصوصاً بعد الدمار الكبير الذي حل بالبلاد من جراء استخدام نظام الأسد للعنف المفرط بالإضافة للتدخلات الدولية، وعلى رأسها روسيا وإيران والمليشيات الطائفية.

يأتي ذلك في ظل أكثر من 40 عاماً من عدم دخول عوائد الطاقة؛ من نفط وغاز وفوسفات، في الموازنة العامة لسوريا، وإبقائها طي الكتمان ومرتبطة مباشرة برأس النظام الراحل حافظ الأسد، ومن ثم الحالي بشار الأسد.

لا توجد دراسات علمية دقيقة ومستقلة تماماً عما تملكه سوريا من موارد طاقة، خصوصاً أنّ نظام الأسد سبق أن أخفى أسماء العديد من آبار النفط خلال السنوات التي سبقت الثورة السورية؛ ليكتشف السوريون أن هناك آباراً مختلفة عن التي ذُكرت في الكتب المدرسية والإعلام الرسمي، عُرفت بعد أن سيطر عليها تنظيم الدولة بين عامي 2014 و2017.

وذكر موقع “أويل برايسز” (المختص في أخبار النفط والطاقة ومقره بريطانيا)، يوم الأربعاء (23 أكتوبر الجاري)، أن إجمالي الاحتياطي النفطي في سوريا يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، وما لا يقل عن 75% من هذه الاحتياطات موجودة في الحقول المحيطة بمحافظة دير الزور شرقي سوريا.

وأوضح الموقع أن احتياطي النفط السوري، البالغ 2.5 مليار برميل، ضئيل مقارنةً باحتياطي المملكة العربية السعودية، الذي نحو 268 مليار برميل أكثر من 100 ضعف احتياطي سوريا.

وكانت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تشكل الوحدات الكردية قوتها الضاربة، تسيطر على أغلب آبار النفط منذ عام 2017 في ظل هزيمتها لتنظيم الدولة (داعش) مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وباعت برميل النفط الخام بـ 30 دولاراً يومياً، وتؤمن نحو 10 ملايين دولار شهرياً، بحسب المصدر نفسه.

وكان النفط السوري يقدر إنتاجه بنحو 380 ألف برميل نفط يومياً قبل اندلاع الحرب، وقدرت ورقة عمل صدرت عن صندوق النقد الدولي عام 2016 أن الإنتاج تراجع إلى أربعين ألفاً فقط منذ عام 2011.

ولا شك أن قطاع النفط كان من أكثر القطاعات تضرراً من جراء الحرب الشاملة التي كانت تجري على الأرض السورية، فقد قدرت وزارة النفط التابعة لنظام الأسد خسائره بأكثر من 62 مليار دولار حتى عام 2017.

وأوردت صحيفة الوطن المقربة من نظام الأسد، في 4 أغسطس 2011، أن إنتاج وزارة النفط خلال النصف الأول من ذلك العام بلغ 70.092 مليون برميل من النفط الخفيف والثقيل والمكثفات، وبمعدل يتجاوز 380 ألف برميل وسطياً في اليوم، وبزيادة 957 برميلاً يومياً عن متوسط الإنتاج في النصف الأول من عام 2010.

وأضافت الصحيفة أن إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي في النصف الأول من عام 2011 بلغ 5.4 مليارات متر مكعب، بمعدل يومي 30.2 مليون متر مكعب بزيادة مقدارها 3 ملايين متر مكعب في اليوم عن إنتاج النصف الأول من عام 2010.

وتمتاز المنطقة الشرقية على الحدود العراقية السورية، بالإضافة للقريبة من الحدود التركية، بتركز أغلب النفط السوري المكتشف (والمُعلن عنه) فيها، حيث تحتوي محافظة دير الزور على أكبر الحقول النفطية والذي يُعرف باسم “حقل العمر”، ويقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (أو الوحدات الكردية) منذ عام 2017.

كما يوجد “حقل التنك” في ريف دير الزور الشرقي، بالإضافة لحقول الورد، والتيم، ومحطة (T2)، وهي على خط النفط العراقي السوري، والجفرة، وكونيكو، وهذه الحقول بعضها بيد “قسد” وبعضها بيد النظام السوري، وسبق أن سيطر تنظيم الدولة على بعضها في وقت سابق.

وتضم محافظة الحسكة حقل “رميلان”، أحد أبرز الحقول في سوريا، والذي يحتوي على 1322 بئراً، بالإضافة لوجود نحو 25 بئر غاز، وتقع تلك الحقول في مناطق الشدادي والجبسة والهول، بريف الحسكة الجنوبي، بالإضافة للحقول الواقعة بالقرب من منطقة مركدة وتشرين كبيبية، بريف الحسكة الغربي، وهي ضمن سيطرة قوات “قسد”.

أما محافظة الرقة فتضم آباراً نفطية صغيرة وقليلة، وتقع ضمن سيطرة “قسد” بعد هزيمة تنظيم الدولة.

كما يضم الريف الشرقي لمحافظة حمص “حقل الشاعر”، وهو من أهم الحقول السورية أيضاً، ويسيطر عليه نظام الأسد بعد أن استفاد منه تنظيم الدولة مدة ليست بالقليلة، ويقدر إنتاجه من الغاز بـ 3 ملايين متر مكعب يومياً.

ويضم ريف حمص بمنطقة تدمر أيضاً، حقول: الهيل، وآراك، وحيان، وجحار، والمهر، وأبو رباح، إضافة لوجود حقول نفطية يستخرج منها نحو 9 آلاف برميل يومياً، والتي تخضع لسيطرة القوات الروسية، والفيلق الخامس الذي شكلته منذ عام 2017.

وتتركز المناجم الأساسية قرب تدمر، وبالتحديد في منطقة الخنيفسة. والمناجم الموجودة هناك مرتبطة بخط حديدي حتى ميناء طرطوس، أعاد نظام الأسد الإنتاج مجدداً عام 2017، وبلغ نحو 700 ألف طن العام الماضي، في الوقت الذي كان الإنتاج سنوياً يبلغ 3 ملايين طن.

وذكرت وكالة “سبوتنيك” الروسية عن وزارة النفط التابعة لنظام الأسد عام 2017، أن سوريا تمتلك احتياطياً بحرياً من الغاز يقدر بـ 250 مليار متر مكعب.

وفي عام 2008، كان ترتيب سوريا في احتياطي الغاز في المرتبة 43 عالمياً، بواقع 240.7 مليار متر مكعب، حسب “List of countries by natural gas proven reserves”، في الوقت نفسه احتلت المرتبة 31 باحتياطي البترول.

أما في عام 2017 فإن الاحتياطي السوري من الغاز في منطقة تدمر، وقارة، وساحل طرطوس، وبانياس، هو الأكبر بين ست دول، وهذا يجعل سوريا، في حال استخراج هذا الغاز، “ثالث بلد مصدر للغاز في العالم”، بحسب الوكالة.

ويوجد على الأرض السورية صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية التي تسيطر عبر وكلائها وبعض قواتها على أغلب حقول النفط السورية، وروسيا التي تتربع على عرش الغاز الطبيعي السوري في البحر المتوسط بسبب وجود أكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط بمحافظة طرطوس غربي سوريا.

ويوم الأحد (27 أكتوبر الجاري)، قال الرئيس ترامب أثناء حديثه عن النفط السوري: “ما أعتزم القيام به ربما يكون عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أو إحدى أكبر شركاتنا للذهاب إلى هناك (سوريا) والقيام بذلك بشكل صحيح… وتوزيع الثروة”.

وأشار ترامب إلى أن حماية آبار النفط “تحرم تنظيم الدولة مِن عوائده، فيما سيستفيد منه الأكراد، وممكن أن تستفيد الولايات المتحدة منه أيضاً”، مضيفاً أن “النفط غذّى تنظيم الدولة وعملياته، ويجب أن نأخذ حصتنا الآن”.

وسبق أن تعهد ترامب، يوم الخميس (24 أكتوبر)، بأن بلاده لن تسمح لتنظيم الدولة، الذي يتشكّل مجدّداً، بالاستيلاء على حقول النفط شمال شرقي سوريا، مضيفاً أنه سيحتفظ بـ “عدد صغير” مِن القوات الأمريكية في سوريا.

ودخلت تعزيزات أمريكية كبيرة إلى سوريا يوم الاثنين (28 أكتوبر 2019)، واتجهت إلى القواعد الأمريكية القريبة من حقول النفط والغاز في محافظتي دير الزور والحسكة شرقي البلاد.

ونقلت وكالة “رويترز”، يوم الاثنين (28 أكتوبر الجاري)، عن بروس ريدل، المستشار السابق في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض والباحث في معهد بروكينغز قوله: “هذه ليست خطوة قانونية مريبة فحسب، بل إنها تبعث كذلك رسالة إلى المنطقة بأسرها والعالم بأن أمريكا تريد سرقة النفط”.

فيما ترى لوري بلانك، الأستاذة بكلية إيموري للحقوق ومديرة مركز القانون الدولي والمقارن  قائلة: “يسعى القانون الدولي إلى الحماية من هذا النوع من الاستغلال”، بحسب المصدر السابق.

بدورها قالت إيلين روالد، وهي باحثة بمركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي: إن “مجرد السعي لأن تطور إكسون أو شركة نفط كبرى أخرى النفط السوري سيكون عملية صعبة؛ بالنظر إلى البنية التحتية المحدودة نسبياً في سوريا وإنتاجها الضئيل”.

وأفادت مصادر محلية بأن نحو 170 شاحنة يرافقها 17 عربة مدرعة تحمل جنوداً أمريكيين وصلت من شمالي العراق عبر معبر سيمالكا الحدودي إلى الأراضي السورية، وهي الأكبر من نوعها منذ أشهر.

ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تحاول جعل أفضل الموارد النفطية للبلاد رهينة من أجل استخدامها عملة للمقايضة، لإجبار نظام الأسد وداعميه الروس على قبول مطالب الولايات المتحدة، خلال تسوية سياسية للنزاع السوري.

كما أن روسيا أصبحت تسير دوريات عسكرية في تلك المناطق بالتنسيق مع تركيا بعيد اتفاق سوتشي الأخير بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين؛ من أجل تأكيد انسحاب الوحدات الكردية من مناطق شرق الفرات بعمق 30 كم عن الحدود التركية شمالي سوريا، وهو ما زاد من رغبتها في اقتسام كعكة النفط، فاتهمت الولايات المتحدة بـ “اللصوصية العلنية” على لسان نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف.

وتسعى واشنطن وموسكو وأنقرة (بصحبة الجيش الوطني السوري المعارض) وكذلك نظام الأسد، للسيطرة على تلك المناطق الغنية بالنفط والماء أو أجزاء منها، والتي من الممكن أن يكون لها الدور الأكبر في تحديد ملامح أي حل سياسي مقبل على الأزمة السورية.

الخليج أون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *