دور حزب الله في ثورة الـ”واتساب”

Sharing is caring!


“المورفين” الذي توالى حقنه في الأجسادِ طوال شهورٍ خَلَت فَقَدَ فعاليّته أخيرًا، ما دفع بالناس إلى الخروجِ على شكلِ أفواجِ إعتراضٍ، أفرادًا وجماعات، دفعهم الظلم والقهر إلى نكران الذات والتصرّف كقنابل موقوتة أخذت تنفجر في الشوارع على شكلِ إطاراتٍ ملتهبةٍ أو إنفلاتِ قارب في كثيرٍ من الأحيان نموذج العصيان المدني أو “الثورة” الخارجة عن السيطرة!

هكذا، إستثمرت السّلطة سلبًا في مواطنيها فحوَّلتهم إلى صواعقٍ تفتك على حين غرَّة.. وبعدما وصلت درجات إستغبائهم واستفرادهم وابتزازهم إلى درجاتها القصوى، لم يجد أصحاب الحقوق سوى أن ينتفضوا بوجهِ “آلةِ السرقة” دفعة واحدة وبشكل كسر حدود المذهبيات والطائفيات ولو بشكلٍ إستثنائيٍّ، ومدّ الحراك الهادف إلى انتزاعِ الحقوقِ من الأفواه جرعة دعم يأمل من هم في الشارع أن تستمرّ بوتيرةٍ أعلى.


السلطة، أو أحزابها، المعلوم منهم وغير المعلوم، عملت كما درجت العادة على سرقةِ أوجاع الناس في محاولةٍ يائسةٍ لنسبها إليهم، الشيء الوحيد المُتَبقّي للسرقة بعدما طاولت يدّ النصب كل شيءٍ تقريبًا، وذلك عبر إقحامِ أنصارها في حمى الهرج والمرج في الشارع وتلقّف الدعوة إلى التظاهرِ، علمًا، أنّ هؤلاء، وعلى رأسهم الحزب التقدمي الاشتراكي، هم مُمَثّلون في الحكومة منذ عام 1992 وتُلقَى على عاتقهم إحدى أسبابِ ما وصلت إليه البلاد اليوم.

“الاشتراكي” ليس وحده الذي قرَّر “الاستثمار” في التظاهر الشعبي، “القوات اللبنانية” مثلاً، وجدت ضالتها في الميدان. هي فرصةٌ للانتقامِ من غريمها، “العهد”، ومحاولة تقويضه في الشارع المسيحي. وللمرَّة الاولى منذ أعوامٍ طويلةٍ، تسلَّلت “القوات” على خطوطِ إحراق الإطارات معمِّمةً على أنصارها “أمر عمليات” يقضي بالتظاهر وإشاعة أجواءٍ تُحمِّل العهد المسؤولية، كما أنّها المرَّة الاولى منذ زمنٍ التي يشهد فيها الشّارع المسيحي حدثًا من هذا النوع.

إذًا، قرَّرت أحزاب السلطة سرقة التظاهرات الشعبيّة المطلبيّة وإسقاط براثينها السياسيّة السفيهة على تلك الحالة، أيّ جرّ الأزمات السياسيّة الفردية إلى الشارعِ وجعلها أزمة عامّة كمقدّمةٍ لتحميل المسؤوليّة إلى “خصمٍ سياسيٍّ”، مع العلم، أنّ الأمر ليس على هذا النحو إطلاقًا، بل أنّ من اقتحمَ التظاهر في الشارع هو من بين المتهمين بجذبِ واستدعاءِ القهر على الناس، وحدهم يتحمَّلون مسؤولية ما يجري.

عمومًا، الشارع يغلي، كذلك الحكومة، التي لم تفلح على وقعِ الأزمة من الإجتماعِ يوم أمس، على الرغم من تقريبِ الموعدِ لـ”دواعٍ” طارئة.

ما يُنقَل عن لسانِ معنيّين يدلّ إلى وجودِ ضياعٍ واضحٍ في موضوعِ تحديدِ المسؤوليات عن جرّ الأزمةِ وإتخاذ القرارِ، وبينهما تبدو الحلول ضائعة في خبرٍ كان، والسّمة الرائجة هي تقاذف المسؤوليات يمينًا ويسارًا، مطبوعة بسياسةِ التخلي أو نكران الذات، كما يفعل النائب السّابق وليد جنبلاط، الذي تراه ينعي
والتقدير الغالب الآن لدى الملتزمين الشأن الحكومي، أنّ الاحتجاجات غير مبنيّة على “آلام الواتساب”، بل أنّ برنامج المحادثة الشهير مثل النقطة التي فاضت بها الكأس، أو هو أقربُ إلى الذريعة التي أخرجت الناس إلى الشارعِ. وعلى ذمّةِ مدقّقين، فعل بيروت يشبه فعل القاهرة يوم خروج المصريين على رئيسهم حسني مبارك عام 2011 من خلال “الفايسبوك”.

وعلى هذا النحو، أخذ المعنيّون في الأزمةِ يضربون يمينًا ويسارًا. وزير الاتصالات محمد شقير الذي رُمِيَ على كاهلهِ سبب إنتهاكِ حرمةِ الشارع، بدا ضائعًا. نهارًا، ظهر متبنيًا “خطاب ضرائب الواتساب” وليلاً أصبح مُشكِّكًا فيه، منتقلاً من إذاعةِ خبرِ إقرارِ الضريبة بموافقة الجميع (ومنهم حزب الله) إلى منطقِ أنّها كانت مجرَّد فقرةٍ إقترَحَ عرضها على النقاش ليتبيَّن لاحقًا أنّ مجموعة من القوى المُمَثلة في الحكومة تعرَّضت لـ”بلفة” يقف خلفها شقير ورفاقه.

تعود بنا الوقائع إلى جلسة الإنفجار، إذ تؤكِّد مجموعة معطيات حصل عليها “ليبانون ديبايت”، أنّ إقتراحَ وضعِ تعرفة 20 سنت على إتصالات واتساب عُرِضَت على التداول في مجلس الوزراء وحصل نقاشٌ حولها. وقد حاولَ وزراء “المستقبل” تمريره إلى التصويتِ فأتى رفض مجموعة وزراءٍ على رأسهم وزراءِ حزب الله، وعلى إثر ذلك، إقترح تأجيل البت بالموضوعِ.

والحادثة أعلاه تفسِّر لجوء حزب الله على لسانِ النائب حسن فضل الله إلى ردٍّ عنيفٍ تعليقًا على كلامِ شقير الذي ادعى موافقة وزراءِ الحزب على الضريبة، إذ اعتبر الأخير، أنّه تعرَّض لخداعٍ.

أكثر من ذلك، ما يوضَع في دائرة الشكّ، أكثر من علامةٍ تدلّ إلى تأمين أجواء تهريبة تساهم في تمرير الاقتراح من خارج الموافقة عليه، عبر تدوينه في مداولات مجلس الوزراء على أنه نال موافقة، وهو أسلوبٌ درَجت العادة على اعتماده في أكثر من مرّةٍ وسبّب التباسات، ما يقود إلى تقدير موقف يشير إلى حصول ترتيبات لـ”بلفة” تحضّر وإكتشافها أدّى إلى تفجير الشارع.

في هذا الموضوع، يُرمَى الإتهام على حزب الله لكون الشارع الشيعي كان المُبادر إلى التحرّكِ، وهو ما حدا بأوساطٍ مطلعةٍ على موقف حزب الله للكشف عن سيناريو كان يجري طبخه بهدوءٍ من أجل إسقاطِ إقتراحِ ضريبة الـ”واتساب” في جلسة مجلس الوزراء، من خلال طلب عرضه مجددًا وإحالته على التصويت، وقد نسَّق الموقف بين الحلفاء.

لا تنكر الاوساط وجود أدوارٍ لقوى محسوبة على 8 آذار في تأجيجِ “لغةِ الغضب” التي شاعت بُعَيْد الجلسة الصاخبة التي كشف النقاب فيها على “خديعة الواتساب”، وهو تكتيكٌ كان يُراد منه تهيئة الاجواء لعملية الإسقاط في مجلس الوزراء، لكن هذا التوجّه نتجَ عنه أفعال عكسية إنفجرت في الشارع على شكلِ تظاهراتٍ سالبة “حق” الاسقاط من المجلس وإحالته على الشارع.

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *