معاقل الجماعات الإرهابية في ألمانيا

Sharing is caring!

لا تزال العملية الإرهابية التي قام بها التونسى أنيس العامري، في ديسمبر 2016، في ألمانيا في بؤرة اهتمام السلطات الألمانية، رغم الإعلان عن مقتله في إيطاليا، وتحاول ألمانيا فك شفرة تحويل الأموال وكشف العناصر الإرهابية، غير أن تتبع خطوات الجماعات الإرهابية في أوروبا أمر معقد، في ظل تشابك القوانين وتداخل المعاملات داخل دول الاتحاد الأوروبي.

وتمكن محرر «المرجع» الموجود في برلين لعدة أشهر من التعرف على الطرق التي تتبعها الجماعات الإرهابية في الحصول على مصادر تمويلها، وكيفية التعامل مع أفرادها، والحصول على عدد من الوثائق التي تكشف عن صعوبة مواجهة الأساليب التي تتبعها هذه الجماعات في تمويل العمليات الإرهابية، وتحديد مهام أفرادها.

وحتى الآن، لا تزال عملية الدهس التي قام بها التونسي أنيس العامري، في ديسمبر 2016 بسوق عيد الميلاد، في ساحة براتشيدبلاتز، محل اهتمام المجتمع الألماني، وهناك تساؤلات لا تجد لها أجوبة من قبل الشرطة والمحققين الألمان، وكشفت صحيفة «بيلد» الألمانية الجمعة الماضية، أن الشرطة تحقق في بعض لقطات الفيديو القريبة من الحادث؛ للبحث عن شخصيات قامت بمساعدة أنيس العامري، الذي تم الإعلان عن مقتله في إيطاليا.

حسب ما وصلنا من معلومات، قامت الشرطة الألمانية بمداهمة عدد من الأماكن التي تردد عليها التونسى أنيس العامري، والذى سبق وأعلن الولاء لتنظيم داعش الإرهابي، ومن هذه الأماكن مكتب لتحويل الأموال «ويسترن يونيون»، وتحديدًا بشارع كارل ماركس بحي نيوكولن في برلين، الشهير بوجود عدد من العرب والأتراك به، قام العامري بتحويل مبالغ مالية إلى والدته «نور الهدى»، عبر هذا المكتب باستخدام بطاقة اللجوء التي يحملها من ألمانيا؛ حيث قام بتحويل مبالغ 800 يورو، 600 يورو، 200 يورو، خلال عام 2016، وقامت الشرطة بتتبع العمليات التي قام بها العامري في يناير 2017، بعد أسابيع من قيامه بالعملية الإرهابية وفراره إلى إيطاليا، والحصول على نسخ من هذه العمليات؛ للتعرف على قانونية هذه الخطوة والوثائق التي استخدمها العامري.

بينما استخدام «العامري» جوازات سفر مزورة لاستلام تحويلات مالية خاصة به قادمة من تركيا ودول أخرى من مكتب آخر بشارع زونين آليه بنفس الحي، مستغلًا الثغرات القانونية وألاعيب جماعات النصب والعصابات الإجرامية المنتشرة في برلين وعدد من المدن الألمانية؛ حيث تتفق جماعات مع مكاتب لتحويل الأموال على سرقة بعض الأرقام الخاصة بالتحويلات والسطو عليها وسحبها دون مستندات، مستغلين تراخي الإجراءات التي تقوم بها الشرطة الألمانية في ملاحقة هؤلاء.

والتقينا مدير مكتب لتحويل الأموال، وهو عراقي الجنسية بشارع زونين آليه وقال: هناك الكثير من العصابات التي ترغب في التعامل معي وتقديم بعض الأرقام ومنحهم الأموال وتقاسم المبالغ، مستغلين الثغرات القانونية التي تفيد بعدم تحمل الشركة أي تعويضات جراء عدم استلام المبالغ أو حدوث أى شيء، خاصةً أن الشركة تتطلب نسخ من جواز السفر، وهذه الجماعات لديها الكثير من جوازات السفر المزورة، وتقوم باستخدامها والحصول على الملايين من اليورو.

وبسؤاله: «ماذا يضمن لأصحاب هذه الشركات من سحب المبالغ دون التأكد من صحة جواز السفر؟»، قال: «لست خبيرًا فى جوازات السفر، وهناك الكثير من أصحاب المكاتب يستغلون هذه الثغرة، ويقومون بصرف المبالغ في حال توفر الرقم والاسم، ومن ثم يقومون بإرسال هذه البيانات إلى مقر الشركة الأم، والحصول على النسب الخاصة بهم والعمولة، وهذه العصابات المنظمة تستغل الكثير من الثغرات التي فشلت الشرطة الألمانية في مواجهتها، وهناك ضحايا النصب لا يزالون يعانون من عدم الحصول على مستحقاتهم، في ظل رفض الشركة تقديم المبالغ التي تم السطو عليها إلى أصحابها.

ومن المواقع التي قامت الشرطة الألمانية بمراقبتها بعدما تردد عليها مسجدًا ومؤسسة بمدينة هيلدشايم في ولاية ساكسونيا السفلى؛ حيث تردد «العامري» على هذا المسجد كثيرًا، ورغم أنه تم مداهمة المسجد قبل أشهر من جريمة العامري، إلا أنه لم يتم اتخاذ خطوات صارمة تجاه القائمين عليه؛ حيث يربط البعض بين هذا المسجد وبين جماعات سلفية.

المهم هنا، هو رصد وجود عدد من التوانسة في هذه المدينة، ومنهم من يعمل في شركات أمن، ويقومون بالتعاون مع السلطات الألمانية، وهو ما يسمح بتبادل المعلومات بين مواطنين تابعين لجماعات متطرفة وبني وطنهم لتنفيذ عمليات إرهابية بناءً على ما يحصلون عليه من معلومات، ليس فقط داخل هذه الولاية التي تشهد انتخابات داخلية في سبتمر المقبل، وإنما في ولايات أخرى؛ للابتعاد عن مراقبة الشرطة الاتحادية وجهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية «مكتب حماية الدستور».

ورغم عدم قدرة الشرطة الألمانية في فك لغز شركاء العامري في العملية الإرهابية، إلا أن هناك لقطات بثتها الصحف الألمانية تشير إلى وجود شركاء له، ولكن تكتم الشرطة الألمانية يعقد الأمر ولا يفصح المزيد من المعلومات، خاصةً أن هناك عمليات مراقبة لعدد من المترددين على هذه المساجد، وتأمل الشرطة الاتحادية في التوصل إلى خيوط للجريمة التي هزت ألمانيا.

وحسب ما رصده «المرجع»، أن ملف العامري لم يغلق بعد حتى بعد الإعلان عن تصفيته في ديسمبر من عام 2016، وبعد أيام قليلة من تنفيذه لعملية الدهس، ولكن هناك تحقيقات مكثفة يتم القيام بها؛ للتوصل إلى مصادر تمويله والشركاء الذين قاموا بمساعدته وتوفير الدعم اللوجيستي له، وحينها سيتم إصدار بيان موسع حول هذه الملابسات.

وطبقًا للوثائق التى اطلع عليها «المرجع»، هناك عدد من البلاغات والتحقيقات التي تجري داخل ألمانيا؛ بسبب عمليات تحويل الأموال واستغلالها لصالح الجماعات الإرهابية، وفي كثير من مكاتب الشرطة في برلين، إيسن، درسدن، دوسلدورف، كولن، هناك مئات البلاغات من قبل أشخاص جرى النصب عليهم عبر هذه العمليات، وتحقق الشرطة فيها، ولكن لم تصل إلى معلومات مؤكدةً بعد، أو القبض على هؤلاء، خاصةً وأن عمليات تحويلات تجرى من وإلى تركيا تساهم في تعقيد الأزمة، وسط بيرواقرطية معقدة تطيل عملية التحقيقات، ومن ثم تسمح الفرصة للجماعات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة في الإفلات من العقاب، واتخاذ مسارات بديلة؛ للابتعاد عن أعين المحققين الألمان.

وكشف مدير مكتب لتحويل الأموال لـ«المرجع»، أن هناك عصابات منظمة في تركيا تمكنت من السطو على 33 ألف يورو في يوم واحد، والقيام بعمليات تحويل عبر هاكرز للسيستم، ورغم تدخل الشرطة الألمانية والتحقيق في الأمر، إلا أنه لم يتم التوصل إلى هذه الجماعات، وإنما تم غلق مكتب الشركة في إسطنبول، والحصول على هذه الأموال من رصيد المكتب لدى الشركة الأم في الولايات المتحدة.

أوضح أن كل من تعرضوا للنصب، لم يحصلوا على أموالهم في ظل تباطؤ الإجراءات التي تقوم بها السلطات الألمانية، فهناك محاضر لعمليات نصب، استمر التحقيق فيها عدة أشهر، ولم يتم الوصول إلى الجناة.

وبالفحص والمتابعة، تبين أن هناك عددًا كبيرًا من الحالات التي تعرضت للنصب أمام مراكز مشورة المستهلكين؛ حيث تلقت العديد من الشكاوى، وتقوم بمتابعتها مع الجهات المعنية؛ حيث قام عدد من الأفراد سواء ألمان أو من جنسيات عربية مختلفة، بتقديم طلبات لهذه المراكز؛ لمساعدتهم أمام جهات التحقيقات والحصول على مستحقاتهم، خاصةً أن هذه المراكز تقوم بإنصاف الضحايا وتنوب عنهم في التحقيقات، وتتواصل مع المحكمة في هذا الأمر، حتى ولو تطلب الأمر استغراق وقت طويل.

وقال جوليان ريولي، مستشار بأحد مراكز المشورة في برلين: هناك الكثير من عمليات النصب التي يقع فيها مواطنون ألمان أو أجانب، ودور هذه المراكز متابعة الحالات أمام المحاكم وتقديم المشورة وإنابة المحامين عنهم، والحصول على أتعاب المحاماة من الطرف الخاسر، وتقوم هذه المراكز بحل المشكلات بين المواطنين والمتاجر والكثير من المؤسسات الحكومية، والخدمات المقدمة بأسعار رمزية، فالمشورة تتطلب 15 يورو فقط، وكذلك رسوم سنوية 20 يورو، لمن يريد التواصل مع المراكز خلال العام، وغيرها من الخدمات المقدمة بأسعار زهيدة.

وشدد على أن هناك العديد من المدن المشهورة بوجود عصابات منظمة، تقوم باستغلال المواطنين والالتفاف على القوانين ولكن يجري متابعة هؤلاء، وفق القوانين الألمانية، خاصةً أن وزارة الداخلية الألمانية تقوم حاليًّا بمراجعة سجل كل العصابات المنظمة بأنحاء البلاد، وقامت بإلقاء القبض على الكثير منهم، وتم تفكيك خيوط التواصل بينهم في برلين، وجاري العمل على ملاحقة هؤلاء في المدن الألمانية الأخرى.

وحول سُبل التعامل القانوني مع تمويل الجماعات الإرهابية، قال الدكتور عوض شفيق، أستاذ القانون الدولي بالمعهد العالي للقانون في جنيف: إن وجود عدد كبير من الدواعش داخل أوروبا عامة وألمانيا خاصةً، من شأنه تعقيد عملية ملاحقة هذه الجماعات ومراقبة تمويل الجرائم الإرهابية التي يقومون بها، وبالتالي تقع المسؤولية كاملة على ألمانيا في حال عجزها عن مواجهة هذا النوع من العمليات الإجرامية، ولكن في ظل ما يمر به المجتمع الدولي من ازدواجية المعايير وعدم القدرة على تفعيل قرارات مجلس الأمن، أصبح الأمر حبرًا على ورق، وتستغل الجماعات الإرهابية هذه الثغرات في تنفيذ مخططاتها، ويتنقل أفرادها بحرية من دولة لأخرى تحت مزاعم حقوق الإنسان وتوفير حماية لهم بشكل غير مباشر، كما حدث مع أصحاب الخوذ البيضاء في سوريا، بعد أن انتقلوا من هناك إلى أمريكا وكندا، عبر وجودهم لفترة في الأردن ودول أوروبية. 

أوضح أن ألمانيا لديها التزامات وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1373، فهناك التزامات فيما يتصل بتجريم تمويل الإرهاب، الأول بتمويل الأعمال الإرهابية، والثاني بتمويل الإرهابيين، ويرد الالتزام الأول في الفقرتين 1(أ) و1(ب). وينص القرار في الفقرة 1 (أ) على أنه يتعّين على الدولة «منع ووقف تمويل الأعمال الإرهابية»، وتنص الفقرة 1 (ب) على أنه على جميع الدول «تجريم قيام رعايا هذه الدول عمدًا بتوفير الأموال أو جمعها، بأي وسيلة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو في أراضيها؛ لكي تستخدم في أعمال إرهابية، أو في حالة معرفة أنها ستستخدم في أعمال إرهابية»، وهذه الصيغة قريبة جدًا من الصيغة الواردة في اتفاقية عام 1999.

وفي الفقرة 3 (د) من القرار، «يطلب» مجلس الأمن من جميع الدول «أن تصبح أطرافًا في الاتفاقية. وإضافةً إلى ذلك، يتعين على الدول أن تضمن اعتبار تلك الأعمال الإرهابية جرائم خطيرة في قوانينها الداخلية، وأن تجسد العقوبة الطابع الجسيم لتلك الجرائم على النحو الواجب، وتتضمن الاتفاقية أحكامًا مماثلة، ولذلك، يبدو أن الفقرتين 1 (أ) و(ب) تشيران إلى الاتفاقية. 

ويرد الالتزام الثاني في الفقرة 1 (د) من القرار، التى تنص على أن على الدول أن «تحظر على رعايا هذه الدول أو على أي أشخاص أو كيانات داخل أراضيها إتاحة أي أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية أو خدمات مالية أو غيرها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للأشخاص الذين يرتكبون أعمالًا إرهابية أو يحاولون ارتكابها أو يسهلون أو يشاركون في ارتكابها، أو للكيانات التي يمتلكها أو يتحكم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة هؤلاء الأشخاص، أو للأشخاص والكيانات التي تعمل باسم هؤلاء الأشخاص أو بتوجيه منهم»، وينشىء هذا الجزء من القرار التزامًا مستقلًا لم تتضمنه الاتفاقية؛ إذ إنها لا تتناول مسألة تقديم المساعدة المالية للإرهابيين أو للكيانات الإرهابية.

نوه على أن القرار لا يقتصر على المعاقبة على تمويل الإرهاب الدولي، بل يمتد لتشمل كل الأعمال الإرهابية، بصرف النظر عن أي عنصر عابر للحدود، وفي حين أن اتفاقية سنة 1999، لا تنطبق في جوهرها، وخصوصًا فيما يتعلق بالتجريم، إلا حينما يتوافر هذا العنصر، وتنص المادة 3 من اتفاقية عام 1999: «لا تنطبق هذه الاتفاقية إذا ارتكبت الجريمة داخل دولة واحدة، وكان مرتكبها المفترض من رعايا تلك الدولة، وموجودًا في إقليمها، ولم تكن أي دولة أخرى تملك، بموجب الفقرة 1 أو2 من المادة 7، الأساس اللازم لتقرير ولايتها القضائية، إلا أن أحكام المواد من 12 إلى 18 تنطبق في تلك الحالات حسب الاقتضاء»، فإن التدابير المنصوص عليها في القرار 1373، لا تخضع لهذا الشرط.

وأضاف أستاذ القانون الدولي بالمعهد العالي للقانون في جنيف، أن ألمانيا عليها اتخاذ تدابير في قوانينها الداخلية؛ لتجريم الأعمال المتصلة بتمويل الإرهاب، والمعاقبة على تلك الجرائم بعقوبات تراعي طابعها الجسيم، خاصةً أن جريمة «التمويل» يجب أن تكون خاضعة للعقوبة على نحو مستقل عن أي عمل إرهابى فعلي، بيد أنه في معظم التشريعات الوطنية، لا يُعاقب الشريك في الجريمة إلا إذا ارتكب الجاني الجريمة الأصلية أو عُوقب أيضًا.

المرجع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *