لاتدينو كي لاتدانوا

Sharing is caring!

كتب وجيه فلبرماير

جملة صغيرة يرددها الكثيرون في التعاملات اليومية وفي السوشيال ميديا خاصة لما تنتقد شخص فيه ناس بتحبه وتبجله والبعض يبالغ في استخدامها لاي نوع من النقد ويريدون عدم انتقاد اي انسان او اي شخص او اي جهة ويعتبرون اي نوع من النقد حتى لو كان نقد موضوعي وفي محله هو نوع من الإدانة.

أولا يجب ان نفرق بين كلمتين مختلفتين تماماً: الكلمة الاولى هي “الإدانة” هي اجراء قانوني وليس مجرد كلام، فإدانة شخص ما بالسرقة او القتل أو الزنا او الكذب او الشهادة الزور او ممارسة العنف فهذا يتطلب كخطوة تالية تطبيق العقوبة المناسبة عليه عقاباً له، اما الكلمة الثانية فهي “النقد” وهي عبارة عن نوع من التقييم للامور والاشياء والمؤسسات والاشخاص من حيث العيوب والمميزات والاخطاء التى يجب اصلاحها.

هناك كلمة ثالثة يستخدمها معظم مستخدمي السوشيال ميديا الجهال وهي كلمة “نقض” وهي كلمة لها معنى مختلف تماما عن الادانة او النقد، لان النقض معناها الهدم او المعارضة القانونية، فانت تنقض فكرا او شيئاً يعنى تهدمه وتجعله ينهار وانت تنقض الحكم يعنى تلغيه او تعترض عله لكي يلغى ويهدم.

لكن الجاهل في اللغة يستخدم دائما كلمة نقض بدلا من كلمة نقد ولما تنبهه ان دول حاجتين مختلفتين لغويا ومعنويا يشطح فيك بغباء ويقولك هو انت هاتعمل فيها فيلسوف ، النقد والنقض الاتنين واحد او يفتكرك بتعدل عليه وهذه طبيعة الانسان الجاهل دائماً عندما تصحح له مفاهيمه يكون عنيدا وفجاً ووقحاً.

اذاً النقد ليس إدانة ولكنه تقييم بشرط ان يكون نقداً عقلانيا علمياً موضوعيا وغير مغرض او غير هجومي ولذلك هناك مهنة الكاتب والصحفي والناقد في كل المجالات حتى في الطب لكي ينتقد اي فكرة او سلوك او جهاز او مؤسسة تنحرف عن الفكر السليم او السلوك السليم.

ونقد الاشخاص له قواعد واصول وهي عدم الاهانة وعدم التشويه وعدم الهجوم المغرض او المتعمد او المنحاز وكذلك امتلاك ادوات النقد، فاذا اردت ان تنتقد الطب فلابد ان تكون طبيبا وممارساً للطب وتفهم القواعد الاساسية في الطب ولو اردت ان تكون ناقداً للكرة فلابد ان تكون ممارساً لكرة القدم وتفهم كذلك قواعد اللعبة ولديك خبرة قوية بالتدريبات وقواعد كرة القدم، ولو هاتنتقد اي مجال لابد ان تدرسه جيداً وتستخدم ايضا المصادر والخبرات التى لدى المتخصصين.

اما النقد الحاد فهو يتخطى حدود النقد المعروفة ويتم للاشخاص والمؤسسات التى تصل الى حد الاجرام فمثلا لو هناك شخصية معروفة تعتدي على الاطفال فهنا يتم النقد الحاد والذي يصل الى حد الادانة والمطالبة بالمحاكمة من الصحافة ضد هذه الشخصية او شخصية تصرح بتصريحات فيها عنف او تهديد او شخصية من المسئولين تكذب على الشعب او شخصية دينية تسلك سلوكيات تضر بالرعية.

ولكن في المحصلة النهائية يعتبر النقد الموضوعي رسالة هامة جدا وهي ليست الادانة ولكن تقويم المجتمع وسلوكيات الشخصيات للافضل والاحسن والحفاظ على القيم الاخلاقية او الحد الآدنى منها وكذلك ايقاف المفسدين والاشرار عند حدودهم ومحاسبتهم على افعالهم الاجرامية او تصريحاتهم العدوانية او العنيفة. والنقد ايضا له اهمية كبيرة في العلم حيث ان النقد يجعلنا نفصل بين الخرافات والحقائق.

هناك ايضا ملكة هامة يجب ان تتواجد في كل انسان وهي القدرة على “التفكير النقدي” وهذه الموهبة تنمو مع الفكر الحر والمجتمع الحر وهي ان الفرد لايقبل بسهولة اي كلام او اي تخاريف او اكاذيب من غير ان يختبرها وينتقدها بشكل علمي وموضوعي.

ولابد ان اطرح سؤال مهم جدا عن مجتمع الشرق خاصة العرب والمسلمين بالذات، لماذا يكره هذا المجتمع الشرقي النقد ويرفضه ويعتبره اهانة لاشخاصهم ولرموزهم ومجتمعهم ودينهم؟

السبب الأول هو ان الشعوب العربية والاسلامية شعوب جاهلة وغير متعلمة (علم حقيقي) لذلك اي نقد علمي ومنطقي سيصطدم بهذا الجهل المكعب في رؤوس هذه الشعوب، لان الجهل ليس فقط هو انعدام للمعلومات او الثقافة ولكن معه امراض اخرى مثل الغرور والعند والعنف فالشخص الجاهل عنيف لايريد ان يظهر امامه شخص يعرف اكثر منه ومن هنا يتولد لديه العند ايضا فيرفض صوت العقل ويصمم بعند شديد على الرفض ويملأه جهله بالغرور الشديد ورفضه فكرة ان هناك من اكثر منه علماً وعقلاً.

السبب الثاني لرفض الشعوب الشرقية خاصة العرب والمسلمين للنقد انها شعوب فاسدة وسلوكياتها كثيرا ماتكون ضد القانون او تتجه نحو الاجرام ، فكلما كان هناك نقد حر وموضوعي سوف ينكشف امام الناس ضعفاتهم وشرورهم او زي مابنقول في حياتنا اليومية “خايفين من الجورس والفضايح” وعلشان كده اول مايشوفوا شخص بيكشف ويفضح الفساد يحاربوه لانهم هم فاسدين وخايفين لحسن هذا الشخص الدائرة تدور ويكشف فضائحهم ايضاً.

السبب الثالث لرفض العرب والمسلمين للنقد الموضوعي هو انهم شعوب تعيش في جو من الدكتاتورية سواء على المستوى الأسري او المستوى السياسي وليس لديهم حرية حقيقية ودينهم الاسلامي قتل فيهم ملكة التفكير النقدي ، فمن السهل جدا قبول الخزعبلات والتخاريف والاكاذيب والشائعات لو ارتبطت بالدين الاسلامي ولايستطيع ان يرفضها او ينتقدها احد لانها مقدسة ومن الله.

وهناك امثلة كثيرة تؤكد ان الدين نزع من الشعوب العربية والاسلامية عقولهم وقدرتهم على النقد مثلا يعتقدون ان الحمل يمكن ان يستمر اربعة سنوات وان بول البعير مفيد صحيا وان الذباب لو سقط في الطعام فيجب غمسه لانه غير مضر وان الزواج باكثر من امرأة شرع الهي وان الحجاب والنقاب اوامر مقدسة لانقاش فيها وان تكفير الآخرين هو امر من الله سبحانه وتعالى وان الجهاد ضد الكفار هو واجب مقدس .. وطالما ان الانسان قبل كل هذه الخرافات فهو منطقيا انعدمت عنده القدرة على التمييز وبالتالي التفكير النقدي.

السبب الرابع لرفض العرب والمسلمين للنقد هو “التقديس والتآليه” فهم يمنعون نقد القرآن لانه كتاب منزل من عند الله من حروف من نور ولايسمح ابداً بنقد كلام الله لأنه مقدس فكيف للبشر ان ينتقدوا كلام الخالق، حتى لو كان القرآن به اخطاء لغوية وعلمية وبه افكار شريرة مدمرة للنفس البشرية لابد ان نقبلها ولا ننتقدها لانها من الله ومقدسة.

اما عن تقديس الاشخاص وتآليههم فهي نابعة ايضا من السنة الـ “محمدية” حيث ان هناك نوعان من البشر، النوع الاول هو عامة الناس والثاني هو أناس الله المختارين المعصومين من الخطأ فالانبياء وصحابة الانبياء وبيت الرسول كلهم رضي الله عنهم ولا يخطئون ولايجب نقدهم ولا يحاسبون على تصرفاتهم حتى لو كانت سلوكيات منحرفة مثل تحرش عمر بن الخطاب جنسيا بالنساء او قتل المعارض او قتل الناس لانهم رفضوا الاسلام.

ويمتد تقديس الاشخاص المعاصرين عند الناس للشيوخ والدعاة مثل الشعراوي وكشك والغزالي وعمر عبد الرحمن وبنت الشاطئ على اساس انهم رموز دينية لايجب ان ننتقدهم حتى لو كان بعضهم له سلوكيات شذوذ جنسي او تصريحات ارهابية دموية فهم رموز ممنوع انتقاداها.

هذه هي ثقافة الشرق العفنة التى توارثها الجميع حتى المسيحيين انفسهم من الفكر الاسلامي وكلها تتلخص في “الجهل والاعتقاد في الخرافات وتقديس ماهو انساني وبشري والرغبة في حماية الفساد”

والحل لهذه المشكلة تتعلق بالاسلام نفسه حيث ان الدين الاسلامي يقتل في الانسان القدرة على التفكير العلمي النقدي وعلى جميع المستويات، وهنا لابد ان يتخلى الناس عن هذه الديانة التى تجعلهم زي “تورالله في برسيمه” وكذلك العلم والتنوير يمحو جهل العقول المتراكم منذ 1400 سنة في عقول المسلمين والتخلي عن تقديس وتآليه كل ماهو بشري فكل انسان خطاء وكل انسان معرض للفساد والانحراف اي كانت صفته حتى لو كان نبي

والمسلمون لديهم امثلة واضحة عن رسولهم وكيف اخطأ وكيف قتل وكيف افسد محصول البلح لأهل المدينة بجهله المكعب في قصة “تأبير النخيل” وكيف اهلك الابرياء .. وهذه كلها لاتحتاج للانسان العاقل اي جهد لكي يرى انه من حقه ان ينتقد هذه السلوكيات الاجرامية.

الشيخ الشعراوي ايضا، وهو تجاوز حينما ترك نفسه للسعودية لكي تستخدمه لتدمير مصر بنشر الافكار الارهابية وتحريم كل انواع الفنون والرياضة وفرض الحجاب بل ووصل الامر الى التوسط لاخراج الارهابيين من السجون ومحاولة فرض الشريعة الاسلامية فوق القانون ونشره لكل الافكار التى تزرع الفتنة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين. ولذلك لابد ان ننتقده ولايوجد من يجرؤ على انتقاد الشيخ الشعراوي لان الشعوب المسلمة تاصل فيها فكر “تقديس وتآليه البشر مثل الصحابة والدعاة”.

انا شخصيا عندما انتقد القرآن او السنة او محمد او الصحابة او الدعاة والشيوخ او الفاسدين فهنا انا امارس النقد الموضوعي والعلمي ولا يوجد شئ او شخص فوق النقد او القانون ولاعصمة لشخص او شئ امام النقد الموضوعي العقلاني.

اما بالنسبة للشعوب المسيحية وخاصة الارثوذكس المصريين فوضعهم بالنسبة للنقد كارثي وهم اصلا اكثر المرددين لجملة “لاتدينوا لكي لاتدانوا” بشكل واسع لان هذه الجملة اصلا مأخوذة من كلام السيد المسيح والآية بكاملها موجودة في العهد الجديد انجيل متى الاصحاح الاول العدد 1و2

“لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.”

ويبدو ان هناك كتلة كبيرة من المفاهيم الخاطئة التى يتعلمها المسيحيون في مصر بفعل رجال الدين دون ان يفكرها ومنها هذه الجملة بالذات التى قالها المسيح ولذلك سأفرد مقال كامل عن فهم المسيحيون الخاطئ لفكرة “عدم ادانة الآخرين” التى تجعلهم يبتعلون الجمل ويصفون عن البعوضة”.

حتى على المستوى السياسي هناك بعض العرب يقدسون الاشخاص ويؤلهونهم وقد يقتلونك او يشتموك لو انتقدتهم هناك من يؤله السيسي او جمال عبد الناصر او ياسر عرفات او ابوبكر البغدادي والبابا شنوده والبابا تواضروس والبابا فرانسيس. ولو انك اقتربت بالنقد لهؤلاء يهاجمك الناس قائلين هذا رمز وطنى او هذا رمز دينى او هذا رمز سياسي ولايصح ان نقول عنه هكذا.

انا شخصيا لا أقدس البشر ولا احب ان اقدسهم وليس عندي قداسة لاحد لاقداسة البابا ولا قداسة السيسي ولا قداسة عبدالناصر، اي انسان ولد مثلي على هذه الارض له جانب سئ وجانب جيد وليس لديه حصانة عن النقد حتى لو كان نبي، اذا كان الله نفسه في العهد القديم انتقد انبياءه لما اخطأوا وعاقبهم ووبخهم. واعلمنا الانجيل بآية واضحة: ” بر الله بالإيمان بيسوع المسيح، إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق. إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله”

لم يقل البعض اخطأوا ولم يقل هناك رموز وقديسين بل هنا كلمة واضحة لالبس فيها “الجميع أخطأوا”

الخلاصة:

العمل النقدي في الصحافة هو عمل مشروع ولا يمثل ادانة والنقد في السوشيال ميديا امر مباح طالما يلتزم بقواعد النقد الموضوعية ولا يتعمد تشويه بغير وجه حق، ولايصح ابدا ان يكون هناك شخصية عامة او مسئولة وله سلوك شاذ او منحرف ونصمت ونقول ليس من حقنا ان ندينه لان نقد الشخصيات المنحرفة ليس ادانة ولكنه امر واجب على كل انسان حر متخصص وكاتب او صحفي فالنقد الموضوعي العلمي ليس “نقضاً” وليس “ادانة”

لاقداسة لاشخاص او اديان او كتب او مؤسسات فكل ماهو بشري هو بشري ولا حصانة لاحد او لشئ الا الله وحده ولاقداسة لانبياء او صحابة او رسول الجميع كلهم بشر تحت معيار النقد الموضوعي، وكل انسان لابد ان يكون لديه القدرة على التفكير النقدي العلمي في عقله والا اصبح فريسة سهلة للجهل والخرافات والاكاذيب وفقد القدرة على التمييز بين الخير والشر.

علشان كده انا شخصيا اي انسان يحاورني ويناقشنى في اخطاء سلوكيات المسئولين او الرعاة او مايسميهم رموز المجتمع ويقولي لاتدينوا كي لاتدانوا اعرف انه انسان فقد ملكة التمييز ولايستطيع ان يفرق بين الادانة والنقد الموضوعي

وقد يسألنى شخص ما اذا كانت هذه هي مفاهيم النقد الموضوعي، فما هي الادانة إذن؟ 

الادانة هي امر يتعلق بالقانون ومن له حق الادانة فقط هو القاضي وهو الذي يصدر الحكم بسلطته كقاضي اذا كان سيدين هذه الشخص ام يبرره ويعفو عنه وهذا بالضبط مافعله السيد المسيح هو عفا عن المرأة الزانية وهو فقط الذي بيده العفو والادانة كإله، وهذا كان موقف محدد وموجه بالذات الى اليهود المرائين وقصد بها المسيح امر محدد وهو ان هؤلاء المرائين عاملين بلاوي سودا وجايين يختبروا المسيح في قانون الرجم ، يعنى بالمختصر المفيد بيقولهم انتوا افعالكم كلها منيلة بنيلة وجايين تتشطروا على واحدة زنت؟ مانتوا عملتوا ماهو افظع او زنيتوا بس ماتفضحتوش.

انا تقديري ان المسيح هو العدالة والقانون وايضا الرحمة، لكنه لم يقصد بهذه الجملة ان تتحول الدنيا الى فوضى والناس تزني وتقتل وترتكب الجرائم وتنحرف اخلاقيا ونقول كل واحد حر لاتدينوا لكي لاتدانوا إن هذا امر يتعلق بالقوانين العادلة التى وضعت لاجل منع الانحرافات والجريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *