قطار القرض المصري مع “صندوق النقد” يصل محطته الأخيرة

Sharing is caring!

في أغسطس (آب) المقبل يصل قطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي اتفقت عليه الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي منذ ثلاث سنوات، محطته الأخيرة. وحتى الآن لم تفصح القاهرة عن نيتها بشأن تعاون جديد مع المؤسسة الدولية، سواء بتوقيع اتّفاق لتطبيق برنامج جديد وقرض آخر أو اتّفاق فني (غير مموّل).

بدء مفاوضات القرض في يوليو (تموز) 2016

في يوليو (تموز) 2016 أفصحت الحكومة المصرية للمرة الأولى علنيّاً عن مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، حيث أعلن مجلس الوزراء المصري حاجته إلى الحصول على 7 مليارات جنيه سنويّاً (نحو 421 مليون دولار) لتمويل برنامج الإصلاح الاقتصادي الممتد لثلاث سنوات، ولم يمرّ أكثر من 30 يوما حتى أعلنت البعثة الفنية لصندوق النقد الدولي من قلب القاهرة في أغسطس (آب) 2016 التوصل إلى اتّفاق على مستوى الخبراء مع الحكومة المصرية.

12 مليار دولار على 6 شرائح و5 مراجعات فنية

ويقضي الاتفاق بحصول مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار، تم تقسيمه على 6 شرائح على مدار 36 شهرا، قيمة كل  شريحة 2 مليار دولار، يتخللها 5 زيارات للبعثة الفنية إلى القاهرة لمتابعة خطوات تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي شرعت الحكومة المصرية في تنفيذه منذ أغسطس (آب) 2016.

وحصلت مصر على 5 شرائح من القرض بقيمة إجمالية بلغت 10 مليارات دولار، وزارت البعثة الفنية لصندوق النقد القاهرة 5 مرات، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي، وكانت بمثابة المراجعة الأخيرة، وتنتظر الحكومة المصرية آخر شرائح القرض خلال شهر يوليو (تموز) الحالي.

أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي

برنامج الإصلاح الاقتصادي، بحسب مجلس الوزراء المصري، تبنى قرارات وخطوات وإجراءات استهدفت علاج الاختلالات الهيكلية بالموازنة العامة للدولة، وإصلاح الجهاز الإداري، ومعالجة التشوهات التي شابت منظومة الدعم في مصر، سواء دعم المنتجات البترولية أو السلع التموينية، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية لحماية الفقراء والأكثر احتياجا من الآثار السلبية الناتجة عن تنفيذ برنامج الإصلاح، والتي وصفها المسؤولون المصريون في أكثر من مناسبة بـ”القاسية”.

بداية الإصلاح… قيمة مضافة وخدمة مدنية وتعويم

سلسلة الإصلاحات بدأت في سبتمبر (أيلول) 2016 بتطبيق الحكومة المصرية قانون “الضريبة على القيمة المضافة”، عوضا عن القانون السابق المعروف بـ”ضريبة المبيعات”، ليصبح السعر العام للضريبة 13% بدلا من 10%، وفي الشهر التالي أصدرت الحكومة المصرية قانون “الخدمة المدنية” في إطار خطوات إصلاح الجهاز الإداري للدولة.

يقول فخري الفقي، عضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري والمساعد الأسبق للمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، لـ”إندبندنت عربية”، إن “أبرز عمليات الإصلاح الاقتصادي التي نفذتها مصر وأكثرها قسوة ما حدث في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) بقرار تاريخي بتحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي (التعويم)”.

وأوضح الفقي أن “قرار التعويم تبعه انخفاض حاد في قيمة الجنيه مقابل الدولار، حيث فقدت العملة المصرية نحو 50% من قوتها أمام الورقة الخضراء، مما أدى إلى آثار سلبية وموجات تضخمية كبيرة في الشهور التالية”.

وأضاف عضو البنك المركزي المصري أن “قرار التعويم تزامن مع رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 3% دفعة واحدة لتصل إلى 14.75% للإيداع، و15.75% للإقراض، وذلك لمواجهة التضخم الذي سيترتب على التعويم، ولتحفيز المدخرين لتحويل أموالهم إلى الجنيه وبيع العملات الأجنبية التي بحوزتهم، والحدّ من (الدولرة)”.

2017 … حماية اجتماعية ورفع أسعار الوقود والمياه

وفي 2017 نفذت الحكومة عددا من الإصلاحات، ووافق مجلس النواب المصري في مايو (أيار) 2017 على قانون الاستثمار الجديد. يقول محسن عادل، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، إن “قانون الاستثمار الجديد أسهم في إصلاح مناخ الاستثمار بشكل كبير منذ إطلاقه”، مضيفا أن “الآليات والصيغة التنفيذية للقانون الجديد أسهمت في  حلّ المشكلات التي تواجه المستثمرين وحفزتهم على الاستثمار علاوة على حلّ عدد كبير من النزاعات الاستثمارية بين الحكومة المصرية من جانب والشركات المحلية والعربية والأجنبية من جانب آخر، مما يمثل نجاحا كبيرا للقانون”.

ولمواجهة الموجة التضخمية بعد مرور نحو 6 أشهر على قرار “التعويم”، أعلن البنك المركزي المصري في مايو (أيار) 2017 خفض أسعار الفائدة 2% جديدة ضمن إجراءات مواجهة التضخم، وأيضا لاحتواء آثار إجراءات الإصلاح الجديدة التالية، ثم طبّقت الحكومة في مايو (أيار) 2017 ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة مع تأجيل تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة 3 سنوات، ثم أعلنت الحكومة في يونيو (حزيران) 2017 عن تنفيذ حزمة إجراءات اجتماعية لتخفيف آثار الإصلاح على المواطنين، بقيمة إجمالية 85 مليار جنيه (5.08 مليار دولار أميركي)، تضمنت علاوة دورية واستثنائية، وزيادة معاشات، وخصما ضريبيا، وزيادة حدّ الإعفاء الضريبي، ورفع حصة المواطن في التموين من 21 إلى 50 جنيها.

ولكن لم يمرّ شهر حتى أعلنت الحكومة المصرية في 29 يونيو (حزيران) 2017 رفع أسعار الوقود للمرة الثانية بنسب تتراوح بين 5.6% و100%، كما رفعت أسعار الكهرباء بدءا من فاتورة يوليو (تموز)، ثم رفعت الحكومة السعر العام للضريبة على القيمة المضافة من 13% إلى 14% بداية من يوليو (تموز) 2017.

و خلال 2017 رفع البنك المركزي المصري في يوليو (تموز) أسعار الفائدة 2% جديدة لتصل إلى 18.75% للإيداع، و19.75% للإقراض، وفي الشهر ذاته حصلت مصر على الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد بقيمة 1.25 مليار دولار.

واستمراراً لسياسة رفع الدعم حسب الاتفاق مع صندوق النقد،  رفعت الحكومة أسعار استهلاك المياه بدءا من أغسطس (آب) 2017، وهو ما مكّنها من صرف الشريحة الثالثة من قرض الصندوق في ديسمبر (كانون الأول) 2017 بقيمة 2 مليار دولار.

2018… سندات دولية وتسعير تلقائي لبنزين 95

وبعد الاطمئنان على عملية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي استقبلت القاهرة عام 2018 بطرح سندات في الأسواق الدولية بقيمة 4 مليارات دولار في فبراير (شباط) 2018، ثم عاودت الطرح بسندات مقومة بالعملة الأوروبية الموحدة بقيمة 2 مليار يورو في أبريل (نيسان) من نفس العام.

وللمرة الثالثة خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة 1% مرتين في فبراير (شباط)، ثم مارس (آذار) 2018. وللمرة الثانية منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي وقرار التعويم، أعلنت الحكومة حزمة إجراءات اجتماعية في يونيو (حزيران) 2018، تشمل علاوة دورية واستثنائية، وزيادة معاشات، ورفع حدّ الإعفاء الضريبي

وبنفس الوتيرة وبعد إعلان الحزمة رفعت مصر أسعار الوقود للمرة الثالثة في 16 يونيو (حزيران) 2018، وبعد تنفيذ هذا الإجراء بأيام قليلة استلمت مصر الشريحة الرابعة من القرض لمصر بقيمة 2 مليار دولار، ثم أعقب ذلك مباشرة رفع أسعار الكهرباء مع بدء التطبيق على فاتورة يوليو (تموز) 2018، ومع نهاية عام 2018 أعلنت الحكومة المصرية بدء تطبيق آلية تسعير تلقائية لبنزين 95 مع نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018، على أن يتم مراجعة الأسعار كل 3 أشهر.

2019… رفع أسعار الكهرباء وترقب زيادة الوقود

وفي العام الأخير من البرنامج استهل البنك المركزي المصري العام الجديد بخفض آخر لأسعار الفائدة 1% في فبراير (شباط) لتصل إلى 15.75% للإيداع، و16.75% للإقراض، وفي نفس الشهر وافق صندوق النقد الدولي على صرف الشريحة الخامسة (قبل الأخيرة ) من القرض لمصر بقيمة 2 مليار دولار في فبراير (شباط) 2019، ثم طرحت وزارة المالية المصرية في نفس الشهر سندات في الأسواق الدولية بقيمة 4 مليارات دولار، ثم طرح سندات مقومة بالعملة الأوروبية الموحدة بقيمة 2 مليار يورو في أبريل (نيسان) من نفس العام.

وللمرة الثالثة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، أطلقت مصر  حزمة إجراءات اجتماعية يبدأ تطبيقها من يوليو (تموز) الحالي تشمل علاوة دورية واستثنائية لموظفي الحكومة، ورفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة المعاشات، وترقية أكثر من مليون موظف حكومي.

وشهد شهر يوليو (تموز) الحالي رفع أسعار الكهرباء بداية من الاثنين الماضي، والتي تصل نسبة زيادتها إلى نحو 14.9% على عدد من الشرائح الاستهلاكية.

البعثة الفنية لصندوق النقد الدولي زارت القاهرة في أبريل (نيسان) الماضي لإجراء المراجعة الأخيرة قبل تسليم القاهرة آخر شرائح القرض بقيمة ملياري دولار، ومن المنتظر أن يعلن مجلس الوزراء المصري تحريكا جديدا لأسعار الوقود خلال أيام قبل حصول مصر على الشريحة الأخيرة، ومن المرتقب أن تدخل حسابات البنك المركزي المصري قبل انقضاء شهر يوليو (تموز) الحالي.

هل توقّع مصر اتفاقا جديدا مع صندوق النقد الدولي؟

وبعد انتهاء البرنامج الموقّع مع صندوق النقد الدولي، أثيرت خلال الأسابيع الماضية تكهنات بين الأوساط الرسمية وغير الرسمية حول إمكانية تمديد القرض (توقيع اتّفاق جديد تحصل بمقتضاه القاهرة على قرض جديد)، وحتى اللحظة لم تتضح رؤية وتوجه الحكومة المصرية بخصوص هذا الأمر.

مصر ترغب في تمديد القرض… وصندوق النقد ينفي

وعلى الرغم من إعلان محمد معيط، وزير المالية المصري، صراحةً التعاون مجددا مع صندوق النقد الدولي، إلا أن الصندوق لم يفصح صراحة عن نوعية التعاون مع القاهرة.

وأكد معيط في مقابلة مع “بلموبرغ” أن الحكومة المصرية تهدف إلى إبرام اتفاق غير مالي مع صندوق النقد الدولي بحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول)، ليحلّ محل اتفاقية القرض الموقعة بين الطرفين، والتي ستنتهي هذا الشهر، مشيرا إلى أن هذه الخطوة يمكنها مساعدة مصر في أن تظلّ سوقًا جاذبة للمستثمرين الأجانب، لافتا إلى أن البرنامج الجديد يمكن أن يستمر لمدة عامين، وأن الحكومة تتطلع إلى الوصول لاتفاق مع صندوق النقد حول البرنامج الجديد بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وكان طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، قال في تصريحات سابقة إن “الحكومة تبحث مع صندوق النقد أشكالا جديدة للتعاون بعد برنامج الإصلاح”.

ردّ صندوق النقد الدولي كان سريعا، وأسهم في ضبابية المشهد، ففي اليوم التالي لتصريحات وزير المالية المصري نفت نائبة المتحدث الرسمي لإدارة الاتصالات لدى صندوق النقد الدولي، كاميلا أندرسن، وجود مفاوضات مع الحكومة المصرية، بشأن برنامج اقتراض جديد.

وقالت أندرسن، في مؤتمر صحافي الخميس الماضي، إن “الأولوية إكمال البرنامج الحالي بنجاح”.

إندبندنت عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *