تاريخ الأقباط: الخائن المقوقس وكيف تصدت إبنته أرمانوسة بشرف للغزاة المسلمين

Sharing is caring!

تاريخ الأقباط المجلد الثاني كما كتبته مسز أ. ل. بيتشر عام 1897 الحلقة الثالثة

وجد بعد ذلك نظام – ربما بعد دخول العرب مصر بقليل- قضى بتعيين حكام أقل سلطة من أولئك الثلاثة وهذان الحاكمان هما فيلوكسنوس للفيوم وشنودة للبلاد الريفية ، ومما لا يقبل الشك والتخمين أن ثلاثة من هؤلاء الولاءة الخمسة كانوا مصريين كما يستدل على ذلك من أسمائهم المصرية ولكنهم لم يكونوا أعضاء في الكنيسة المصرية الوطنية التي تسمى الآن الكنيسة القبطية بل هم كانوا تابعين للكنيسة الرومانية إلا فلا يمكن تعيينهم في هذه الوظائف ، والذين قالوا أن جرجس المقوقس مصري قح يصيبون في قولهم ولكنهم أخطأوا في نسبتهم إياه للكنيسة القبطية لأن الرجل كان روماني المذهب لا شك في ذلك ولا ريب

إذاً المقوقس كان مصري الموطن ولكنه روماني المعتقد روماني الوظيفة وفي جميع أحواله فهو خائن للإمبراطور الروماني خائن لكنيسته الرومانية خائن لبلاده المصرية خائن لأمته القبطية خائن لنفسه الدنيئة

وعندما افتتح العرب مصر كان المقوقس جرجس قد مضى عليه زمن طويل وهو في وظيفته مما جعله قوي الساعد نافذ الكلمة خصوصاً وأنه كان مقيماً في بابليون آخر حدود ولايته من الشمال مما جعل رعيته تنظر إليه وكأنه ملكها المطلق لا يفوقه ملك أو إمبراطور لأن فتح الفرس مصر وبطشهم فيها علم المصريين أن الرومانيين أضعف من حكمهم وأن قوتهم تلاشت وإضمحلت (من المعلوم أن المدائن المصرية القديمة كان لها اسمان أحدهما مدني والآخر ديني مثل ممفيس كان اسمها الدينى هاكابتا وهي الآن الجيزة

ومع أن الفرس برحوا هذه البلاد واحتلها بعدهم الرومانيون مرة آخرى وأقاموا حامياتهم وجنودهم في بابليون وفي بني سويف والفيوم فلم يك سكان الصعيد يهتمون بهم أو يحسبون لوجودهم حساباً ولم يكونوا يعرفون إذا كانت هذه الجنود فارسية أو رومانية لأنهم لا يختلطون بهم ولا يسألون عنهم ماداموا يدفعون الضرائب إلى واليهم وهو وشأنه يتصرف فيها كما يشاء. وكانت هذه الخطة في تصريف الجزية من ضمن الدواعي التي الجأت جرجس المقوقس إلى خيانة وطنه لأنه بعد أن ظل عدة سنين يستحوذ عليها ويبقيها لنفسه دون أن يدفع شيئاَ منها للحكومة الرومانية جاء هرقل يضايقه بطلب الجزية وتنفيذ أوامر السلطة الرومانية في البلاد التي أستردها من الفرس

لهذا السبب وأسباب أخرى سياسية أرسل المقوقس وفداً إلى الرسول محمد زعيم المسلمين وزوده بالهدايا من عسل النحل وعدد من العبيد والأرقاء ، ولكن لم يمر الزمن الذي فيه يضمن المقوقس النجاح حتى مات الرسول محمد ورفع هرقل راية سلطته في مصر فخاف جرجس المقوقس وأسقط في يده لأنه إذا دبت الحياة في جسم المملكة الرومانية وعادت قوتها تتجدد بعد الإحتضار وتغلبت على العرب كما قهرت الفرس فلا ريب في أن قصاص المقوقس يكون مثل ذنبه مريعاً هائلا

وحدث في ذلك الوقت أن جيش هرقل أشتبك مع العرب في معركة كبرى بفلسطين وصار جرجس المقوقس يترقب أخبار هذه الحرب علماً منه أن مصر تأول لمن يخدمه السعد ويحوز النصر من الطرفين ، وكان المقوقس ذا وجهين يتلون كالحرباء ، ويتقلب كيف شاء ولسان حاله يقول “أنا مع الغالب” ولما أنتصر هرقل على العرب في موقعة عند فلسطين ظن جرجس أن النصر سيكون حليفاً للإمبراطور ولذلك سعى في التقرب إليه والتملق له عساه يتناسى عدوانه وطمعه فدبر الطريقة الآتية هي أنه كانت له ابنة بارعة في الجمال إسمها أرمانوسة فخطر على باله أن يزوجها بقسطنطين ابن هرقل الأكبر ووريثه

أمهر المقوقس بنته بصداق وقير وجعل هذا الأخير الذي كان حاكماً في قيصرية أن يقبل طلب جرجس المقوقس ويتنازل عن المتأخرات الباقية عليه من ضرائب مصر التي لم يدفعها للخزينة الإمبراطورية. ففي سنة 639 سارت هذه العروس المصرية من بابليون بأبهة الملكات وفخفخة جداتها المصريات يحب بها جيش جرار ويمشي في ركابها أمراء وأفيال حتى بلغ مقدار الفرسان الذين كانوا في موكب زفافها ألفا فارساً ويزيدون عدا عن العبيد والهدايا النفيسة والعطايا الفاخرة التي تليق بعروس مصرية لعريس روماني

ولكن عندما وصلت هذه الآنسة الحسان إلى حدود مصر وكادت تعبر القنطرة (عند الإسماعيلية) على العريش بلغها أن الغلبة كانت حليفة للعرب الذين شددوا الحصار على قيصرية وهم يستعدون للهجوم على مصر ، فلما طرق هذا الخبر آذان سليلة رعمسيس وابنة فرعون وكريمة أولئك الكرام الذين دوخوا العالم واجتاحوه قبل أن يوجد العرب طرحت حلي العرس وزينة الفرح وتقلدت السيف بدل الوشاح ولبست الدروح بدل الدمالج وتمنطقت بمعدات الهلاك بدل أحزمة الذهب المرصعة باللآلئ ونزلت من مركبتها وامتطت متن جواد أشهب وقالت للذين يسيرون معها أن هيا نخضب أيدينا بدماء الأعداء بدل خضاب الأوانس ونشرب بجماجمهم عوضاً عن شربنا بكاسات الذهب وطاسات الإبريز

وحيئذ كرت أرمانوسة راجعة إلى بلبيس في نفر من رجالها وأخذت تستعد للدفاع وصد هجمات الأعداء المغيرين ثم أرسلت باقي الجنود التي كانت تسير في حراستها إلى جهة الإسماعيلية إذ ظنت أن العرب قد يجيئون من هنالك ،أرسلت وأخطرت أباها بالخبر ، وظلت هي في بلبيس تدور على السكان مشجعة إياهم للمدافعة ضد أعداء أمتهم

وبعد قليل هجم عمرو بن العاص على الإسماعيلية وآخذها ثم تقدم على بلبيس وحاصرها ولكن أرمانوسة وقفت في وجه قواته مدة شهرين من الزمان وهي تدفعهم وتصدهم وتخترق صفوفهم وتفل جموعهم وتشهد الموقعة تلو الآخرى وأغار بن العاص على بلبيس دفعة واحدة ووقعت أرمانوسة آسيرة في يده ولكنها أرسلها إلى أبيها بكل إحترام وتبجيل معجباً ببسالتها وشجاعتها وخاف ألا يؤذيها فيسيء إلى والدها المقوقس صديقه الحميم الذي ثبت لديه الآن أن العرب هم الذين سوف يأخذون مصر بلا محالة

حقوق النشر محفوظة لـ “يورو عرب برس”

الحلقة الرابعة غداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *