المِخَلِلّات المصرية

Sharing is caring!

بقلم : الأستاذ ايمن غالي

ما حدش عارف تاريخ المخللات فى العالم, وأعتقد إنها إختراع وإبتكار مصرى 100%, وده واضح وظاهر كويس جدا فى مجال مخللات المصريين عبر التاريخ ولغاية النهاردة .. والمخللات جمع مِخَلِلْ، وباللهجة القاهرية إسمه طُرشى, والمقصود بالطُرشى بعض أنواع الخضروات المحفوظة عن طريق غمرها فى ماء وملح لعدة أيام لحفظها بعد تغيير بعض صفاتها وملامحها وطعمها

أما كلمة المخلل فهى كلمة أعم وأشمل لأنها لا تشمل بعض أنواع الخضروات فقط زى الطرشى؛ لكن كمان أى حاجة عايز تحفظها وكله بالملح, والمخلل من كلمة ” خَلِّيه ” يعنى إبقيه زى ما هو أو إِبقيه على ما هو عليه .. وعمل المخلل إختراع وإكتشاف مصرى قديم من أيام أجدادنا الفراعنة ومنذ فجر التاريخ .. بدأت الحكاية لما بَعت واحد من الفلاحين البخلاء إبنه بعشر خيارات حسب عدد أفراد أسرته ( كل واحد خياراية ) .. الواد كان لِعَبى؛ ماشى يبص يمين وشمال؛ ما أخدش باله من طوبة كانت فى سكته؛ الواد إتكعبل؛ وهوبا إتْكَعْوّر ونزل على بوزه زرع بصل, وقُفة الخيار طارت فى الهوا وإتبعزق إللى فيها .. الواد قام مذعور؛ ماهمهوش الجروح اللى علّمِت فى جِتتُه؛ لكن كان كل تفكيره فى العشر خيارات .

الأب كان مِعَلم إبنه إنه أعطى له خيارات بعدد أصابع إيديه؛ يعنى كل صوباع كان مقابله واحدة خيار .. الولد قام يِدَوَّر على الخيار, والمصيبة إنه إكتشف ضياع واحده منهم, ومن خوفه من أبوه فكر إنه يقطع لنفسه صوباع علشان يستقيم كلام أبوه له مع عدد الخيارات إللي أخدهم منه لتوصيلهم للبيت, ولكن لقى إن الأسهل إنه يقول له إنه أكل الخيارة بتاعته .

ولأن الولد كان حا يموت وياكل خيار قَعد يدَوَّر كل يوم والتانى على الخيارة المفقودة فى نفس مكان الوقعة إياها, بدون ما يفقد الامل فى إنه يلاقيها .. وأخيرا بعد شهر؛ لقى الخيارة واقعة فى بركة مَاية؛ لونها إتغير شوية لكن شكلها وحجمها زى ما هو, أكل منها؛ طعمها مالح لكن لطيف؛ بَص فى البركة؛ لَقَى على حروفها ملح, والماية طعمها مالح؛ رجع البيت وجاب أنواع تانية من الخضار وسابها فى بركة الماية، ورجع بعد أيام ولَقَى نفس النتيجة؛ فعجبته الفكرة, وخَلِّل كل حاجة وقعت تحت إيديه؛ حتى أبوه البخيل لما مات خَلِّلُه وعمله مِخَلِل, وده إللى العالم كله سماه تحنيط .

وبقى لَمَّا تِخَلِّل بنى إدم يبقى إسمه تحنيط, ولَمَّا تِخَلِّل سمك يبقى إسمه فسيخ, ولَمَّا تِخَلِّل لحمة يبقى إسمها بسطرمة وهكذا, ومن يومها والمصريين هم أعظم مِخَلِلَيلاتية فى الدنيا, ما سابوش أى حاجة إلا وخَلِلُوها .. الجديد بقى يا حضرات؛ إنك ممكن تِخَلِّل بنى آدم صاحى, وهو مِتخلل يكلمك وتكلمه, وياكل, ويشرب, ويعمل بيبيى زى البنى آدمين العاديين بالظبط .

زمان كان ممكن تِخلل بنى آدم ميت, وجثتة تعيش آلاف السنين, لكن البنى آدم الحى تخليله أقل بكتير, والمصريين وصلوا لغاية دلوقتى لأكتر من تلاتين سنة تخليل, والموضوع لأنه مُكلف جدا فهو حتى الآن قاصر على فئة معينه من البنى آدمين المصريين, وبقى تلاقى عندنا – فقط فى مصر – مدير مِخَلِّل, ورئيس مجلس إدارة مِخَلِّل, ووزير مِخَلِّل, وأخيرا رئيس جمهورية مِخَلِّل .

وربنا يخليكم وتخللوا أكتر وأكتر وتخليل البنى آدمين صاحيين شعوب أخرى نقلت عن المصريين إكتشافهم وأبدعت فيه فى منطقة الشرق الأوسط, زى مخلل ليبيا السابق معمر القذافى ( 42 سنة تخليل ), ومخلل سوريا السابق حافظ الأسد ( 29 سنة تخليل ) ومخلل اليمن السابق على عبد الله صالح ( 36 سنة تخليل ), وإتنقلت الفكرة عبر البحار، وشوفنا مخلل كوبا السابق فيدل كاسترو ( 49 سنة تخليل ) وغيرهم

وطبعاً فى مصر منبع المخللات ورئيسها السابق مبارك ( 30 سنة تخليل ) .. وبخصوص تخليل الملوك؛ حدث ولا حرج وما فيش داعى نذكر تواريخ ومدد تخلليلهم منعاً للحسد .. وفى فترة حكم الرئيس السابق حسنى مبارك؛ الوزرا فى مصر تعدوا العشرين سنة تخليل ..زى آمال عثمان, وماهر أباظة, وكمال الشاذلى, وكثيرين وآخرهم فاروق حسنى.

وكل المخللات السابقة يا ماتوا يا بقوا خارج السلطة؛ يعنى مدة صلاحيه تخليلهم خلاص باظت .. وإن كان مجال تخليل بعض الشخصيات فى مناصبها ما زال قائما ومعمول بيه فى مصر صانعة المخللات وصاحبة إبتكار وإكتشاف أصول علم المخللات فى العالم .. وطبعا ما نقدرش ننكر أو نضيَّع تعب تخليل الوزراء عند شعوب أخرى؛ زى وزير دفاع كمبوديا الجنرال” تيا بانه ” إللى بيشغل منصبه منذ عام 1979 وحتى الآن؛ تخيلوا !! ..

وجاري الآن في مصر محاولات لتعديل الدستور لفرض وجوب تخليل الموعود برئاسة البلاد بعد محاولات قِلة مندسة بوضع بنود دستورية تمنع تخليل الرؤساء .. وعاشت المخللات فوق رؤوس شعوبها مستقرة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *