المأساة السورية حصاد مازرعه كل السوريين

syria_warفي سنة 1934، وبينما كان ديتريش بونهوفر في لندن ـ وبونهرفر لاهوتي ألماني غدا معارضاً للحكم النازي دفع حياته ثمناً لموقفه الأخلاقي سنة 1945 حينما أُعدمه النازيون ـ، وصلت أخبار من ألمانيا. كانت الأخبار تحمل في طياتها الصدمة للألمان في لندن، إذ ذكرت الأنباء إن قوات الإس الإس، أعلنت عن اكتشافها مؤامرة لتنفيذ انقلاب، وعلى ضوء ذلك قامت بتصيفة خصوم هتلر في الحزب النازي، ونتيجة ذلك أُعدم أكثر من مئتين شخصاً اتهموا بالمشاركة بالمؤامرة المزعومة.


وبعد أسبوع من ذلك الحدث، قدم بونهوفر عظة الأحد*، فكانت مفأجاة للمستمعين أن بونهوفر طلب إليهم ألا يدينوا، بل أن يتوبوا، قائلاً مع يسوع «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا» (متى 7: 1)، وأعلن من على منبر الكنيسة أن الكل شركاء بالخطيئة، وسيكتب بونهوفر لصديقه، «نحن من علينا أن نتغير، لا هتلر».
بونهوفر طرح مسألة أن الكنيسة وإن كان عليها أن تنائ عن العالم، ولكن المسألة الحقيقية ليست أن تبتعد عن العالم وتفاصيله، بل كيف تبتعد عن العالم. وأضاف بونهوفر أن بعض الناس يختار إشاحة الوجه عن مشاكل العالم وجانبه المظلم، وهذا الموقف خداع للنفس، إذ ليس ورعاً أن يغمض المرء عينيه اللتين منحهما الله إياهما ليرى جيرانه واحتياجاتهم.
الطريقة الثانية، وهي طريقة بشرية أكثر جدية بالتعامل مع المشاكل. فمثلاً نشهد حادثة بالشارع، نرى شخصاً مدهوساً، فنصاب بالصدمة ونذهل للحظات. وأول شيء يخطر بفكرنا هو أن نسأل: خطأ من هذا؟ هذا هو الموقف الشائع. وكذلك الحال، حينما تحل مصيبة علينا أو على أسرتنا أو على أمتنا، ما أن نستعيد وعينا من الصدمة حتى نقول: خطأ من هذا؟
هنا ينساب القلق إلى نفوسنا، فيبدأ فكرنا يجول هنا وهناك، بالماضي والحاضر. ونستحضر بذاكرتنا كل شخص كان منخرطاً بالحادثة، ونسأل: خطأ من؟ من على صواب؟ من على خطأ؟
وهذا هو العقل البشري الذي يدين شخصاً ويبرئ آخر. هذا هو الإنسان الذي يريد أن يكون قاضياً على الأحداث. هذه هي الطريقة البشرية: أن تقول إن امرءاً على حق وآخر على خطأ. وهذه الطريقة بالتفكير تنطبق على كل المستويات سواءً على مستوى التفاصيل الصغيرة أو الكوراث الكبيرة. فكلنا نريد أن نكون أن قضاةً على الأحداث.
هنا يحيل بونهوفر المستمع إلى نص لوقا (13: 1 ـ 5)، وهو نص يروي كيف كانت ردة فعل يسوع المسيح على مثل هذه الأخبار الكارثية، إذْ يذكر النص إن البعض أخبر يسوع أن بيلاطس أمر بقتل بضع جليليين، أبناء بلد يسوع. وكان قد ألقي القبض على أولئك الجليليين وقتلوا في حرم المعبد، ومثل هذا العمل كان لا بدّ أن يلهب المشاعر، ويخلق أحكاماً وأحكاماً مضادة، ويشعل النقاشات السياسية.
وبالفعل، هذا ما جرى، إذ استعر الجدل: بيلاطس على حق، بيلاطس على باطل. هل كان الجليليون ضحايا ظلم بيلاطس؟ أم أنهم كانوا يستحقون العقوبة؟
لم يُنقل أي موقف من جانب يسوع: هل كان بيلاطس على حق أو على باطل. ولم يقل يسوع شيئاً عن الجليليين. لم يصدر أي حكم سياسي أو أخلاقي. يسوع لم يدن، ولم يقلْ أي جانب على الصواب، بل أعلن يسوع: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هَذَا؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ» (لوقا 13: 2 ـ 3).
تعني «كلا»: توقفوا عن التفسير! كفوا عن إصدار أحكامكم! ابتعدوا عن أحكامكم المسبقة! ثم يتابع يسوع:
«كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ. بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ» (لوقا 13: 5).
بالنسبة ليسوع، فإن الأحداث المأسوية، والأخبار المروعة، وما جرى في المعبد ليس إلا مجرد دعوة متجددة للتوبة. وهذا يعني أننا لسنا عابري سبيل، متفرجين على الأحداث، حكام على هذه الحوادث؛ بل نحن مخاطبون بهذه الأحداث، وإن الله يكلمنا من خلالها.

لا تدن، لكي لا تُدان! لا تنظر لنفسك على أنك أفضل من هؤلاء الجليليين أو من بيلاطس. ولا تقل: شكراً يا رب لأني لست مثل هؤلاء. بل صلي بصمت، وقل: «اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ» (لوقا 18: 13).
المسألة التي يطرحها يسوع ـ والكلام لبونهوفر ـ إن المأساة في قتل الجليليين لا تتعلق ببيلاطس أو بالجليليين. بل تخصنا نحن أنفسنا. فعلى الإنسان أمام المصائب البشرية الفظيعة أن يفهم إن هذا العالم هو عالمه، وإن المآسي التي تحصل فيه تحصل في عالمه نفسه.
أمام مآسي ومصائب العالم على الإنسان أن يدرك إن ما يجري حوله هو حصاد ما زرعه، فعندما يخطئ الإنسان فإنه يبذر الكراهية يومياً. ولهذا، عليه أن يعترف إنه هو وإخوته وأخواته مسئولون عن مآسي عالمه. وأن كل المشاركين في المأساة هم إخوته سواء أكانوا في طرف القاتل أو طرف المقتول.
وهذه النظرة الثاقبة لبونهوفر تحيلنا إلى المأساة السورية؛ فالدم المسال في المذبحة السورية نتحمل كلنا ـ نحن السوريين ـ مسئوليتها. المأساة السورية هي حصاد ما زرعه كل السوريين، وليست مسئولية الأطراف المتقاتلة فحسب، فكل إنسان سوري شريك بما يجري من خلال ما زرعه عبر أجيال.
المذبحة السورية هي مسئوليتنا جميعاً: القاتل والمقتول والمتفرج! وعلينا أن «ندرك إن هذا إثمنا ولا ندين».

مالك مسلماني

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *