القرآن في تقييم “الألغوريتم”

qoraanكتاب جديد نشر حديثا في فرنسا بعنوان (Le Coran révélé par la Théorie des Codes) أي “القرآن كما يفسّره نظام الشّفرة” يحاول فيه المهندس جان جاك فالتر Jean-Jacques Walter دراسة النصّ القرآني في ضوء هذه النظرية، أي النظام الذي تعتمد عليه منذ منتصف القرن الماضي كل أنظمة المعلوماتية العجيبة المذهلة، كالحاسوب الآلي، والشبكة العنكبوتية، والإتصالات عبر خطوط الكابل، والأنظمة الرقمية.


يهدف هذا المقال إلى تعريف القراء بهذا الكتاب الجديد، وبطريقة البحث المتّبعة فيه، وبالنتائج التي توصّل إليها صاحبه.
نشير في البداية إلى أن نظرية الشّفرة تطبق أيضا على النصوص المكتوبة، إذ تبلغ صحة نتائجها مستوى قياسيا يصل إلى 999.999 بالمليون. وهذا ما يكشف خصائص كل كاتب أو مؤلف لا يدري بها هو شخصيا ولا يكتشفها أي باحث علمي أو أدبي من خلال تحليله وتقييمه الشخصي للنصوص وفقا للطرق التقليدية والكلاسيكية. غير أن علم الرياضيات الحديث من شأنه أن يفنّدها ويصنّفها كما يستطيع اكتشاف خصائص نصّ معيّن في حال ورودها في نصّ آخر. وهذا ما يسمح بالتأكد إذا كانت بعض أقسام نصّ ما تعود إلى نفس الكاتب أو إلى عدة كتبة. في هذا الإطار قام هذا الباحث الفرنسي بتطبيق هذه النظرية على النصّ القرآني.
الباحث هو مهندس متخرّج من “كليّة المناجم Ecole des Mines الشهيرة في باريس. عمل طويلا في حقل التكنولوجيا، ويدير حاليا مؤسسة تهتم بتطوير البحوث التكنولوحية. كما أنّه حائز على شهادة دكتوراه في علم الإسلاميات.
نذكر بأن التطبيقات الأولى لنظرية الشّفرة استخدمت للأغراض العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية بهدف كتابة الرموز وبثّها وتفكيكها. بعد ذلك، تطوّرت هذه النظريّة حتى أصبحت تستخدم اليوم في مختلف الأنظمة المشفّرة، في مجال الجينات الوراثية للكائنات الحيّة، ووسائل البثّ والإرسال، وضغط الصور والرسوم، وغيرها. أما بالنسبة للنصوص المكتوبة المعبّر عنها بشكل شفهي أو كتابي بواسطة نظام الأحرف، فتخضع للوسائل والأدوات المستخدمة في نظام الشّفرة الذي طوّر أسلوبا خاصّا يُطبّق على النصوص ويعرف بإسم ADT أي analyse des données textuelles تحليل معطيات النصوص.
فإذا وجدنا مثلا في إحدى المكتبات العامّة مجموعة من الكتب نعرف مؤلفيها، باستثناء كتاب لا نعرف صاحبه، فيستعان بنظرية الشّفرة التي تسمح بالتعرّف على شارة حسابيّة تميّز كلّ كاتب وتسمح بالتعرّف على صاحب الكتاب غير الموقّع، وذلك في حال وجود كتب أخرى في المكتبة تعود إليه أو معروف صاحبها.
هل هذه النظرية فاعلة وما هي شروط صدقيتها؟
يكشف الباحث في هذا الكتاب عن شرطين أساسيّين لهذه الفاعليّة.

الشرط الأوّل:
يقول إن هناك إتّجاهين في نظام الـ ADT ، الأول، يقوم على الكلمات، يستكشف المعنى، والثاني يعتمد على الأحرف لاستكشاف أسلوب الكتابة.
فالمجال الأول يستخدم في مجالات عديدة، والدليل على ذلك وجود “أنظمة عدّ حسابيّة” Algorithmes متطوّرة ومتوفّرة وسهلة التطبيق.
أما المجال الثاني فلم يعرف بعد تطبيقات عمليّة، بسبب غياب أي نظام عدّ حسابيّ Algorithme لهذه الغاية. لذلك لا بدّ من تطويره والعمل على تطبيقه، علما أن هذه المقاربة هي الوسيلة الوحيدة الفاعلة لاستكشاف القرآن، خاصة أن علماء الرياضة الحسابيّة الذين طبّقوا نظام الـ (ADT) على القرآن اعتمدوا فقط في استخدامه على المقاربة الأولى، فباءت محاولاتهم بالفشل .
لماذا؟ لأن مفهوم وكتابة نظام العدّ الحسابيّ يخضع لعلم الرياضيات التطبيقي ويتطلّب كفاءات رفيعة المستوى لدى البحّاثة في هذا المجال. ولكن عدد هؤلاء ما زال ضئيلا جدّا في العالم، كمايشير الكاتب، إذ لا يتجاوز عددهم الألف تقريبا، ومن بينهم ما يقارب الـ 250 فرنسيّا. أما الصعوبة الرئيسيّة فتكمن في تحسيس وترغيب هؤلاء البحّاثة بهذا الموضوع، وهذا صعب للغاية. غير أن إبن الباحث، ولحسن حظّ هذا الأخير، هو في عداد هؤلاء العلماء الفرنسيّين المتميّزين، الأمر الذي ساعد والده على القيام بهذا البحث.
أما من حيث التطبيق، فلا يمكن الاستدلال على الإشارة الرياضية إلا في نصوص طويلة كافية، تضمّ أقلّه ألف حرف إذا كان أسلوب الكتابة مميّزا بوضوح، ولا بدّ من نصوص تتضمّن ما لايقلّ عن ثلاثة أو أربعة آلاف حرف إذا كان أسلوب الكتابة ضعيف الوصف والتمييز.
الشرط الثاني
يتكوّن القرآن من ستة آلاف آية، تضمّ كلّ منها حوالي مائة حرف.لا بدّ إذا من جمع ما يقلّ عن عشر آيات للإستدلال على خصوصية الأسلوب، وأحيانا لا بدّ من جمع ثلاثين أو أربعين آية.
فالنصّ القرآني بنظر الباحث يشكّل نوعا من “الرابسوديا” أي قصيدة ملحميّة ينشدها رواة محترفون. وذلك لأنّه يجد نفس الموضوع يتكرّر في عدد كبير من الآيات الموزّعة في القرآن، مثلا يتكلّم 37 مرة عن إبراهيم، و29 مرّة عن نوح، وهكذا دواليك بالنسبة لباقي المواضيع الواردة. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن وجود عدة كتبة أسهموا في كتابة القرآن.في هذه الحال، يمكن توزيع نصوصهم في مقاطع صغيرة ثمّ مزجها بشكل متعمد، وذلك لتمكين “نظام العدّ الحسابيّ” من تحليلها.
لا يرى الباحث في هذا التجميع أي حظّ بالنجاح إذا ما حصل عشوائيا أو صدفة. ففي سبيل جمع الآيات حسب كل كاتب محتمل، لا بدّ من التعرّف ليس على الإسلام فحسب، بل من الضروري الإطلاع أيضا على ما كان موجودا ومنتشرا في ذلك العصر من أساطير يونانية ويهودية ومسيحية، وكتب لاهوتية لبدع محليّة، وكتابات مزيّفة، وتسبيحات دينيّة، وأحداث تاريخية، وكتب تلمودية بابليّة وأورشليميّة. فعندما حاول علماء الرياضيات تطبيق نظام الـ (ADT) على نصّ القرآن لم يطّلعوا مسبقا على كل ذلك، نظرا لما يتطلبه هذا الأمر من مجهود خاص لا علاقة له بمجال عملهم. ولكن بعض المتخصّصين بالعلوم الإسلامية، اهتموا بالحضارات التي كانت قائمة ومنتشرة في البيئة التي برز فيها الإسلام. غير أنّهم كانوا يفتقدون إلى المعلومات الرياضيّة الضرورية لتطبيق الـ (ADT) أي analyse des données textuelles تحليل معطيات النصوص.
وهكذا اعتبر الباحث أن هذا المجال ما زال حتى اليوم أرضا جرداء لم يقدم أحد بعد على حرثها. فهو الرائد الأول الذي حمل المعول ونزل إلى هذه الساحة.
ولكن كيف باشر عمله؟
إنطلق في بحثه عن المكوّنات في الأسلوب، فوزّع الآيات القرآنية التي تتجاوز الستة آلاف آية على 28 مجموعة سمّاها “مكوّنات مفترضة من حيث الأسلوب Composantes Stylistiques Présumées, CSP آملا في البداية أن يَبرز في كل مجموعة أسلوب خاصّ بها، وبالتالي يتمّ تحديد كاتبها المفترض.
ما هي النتائج المحتمل الوصول إليها؟
وجد الباحث نفسه أمام احتمالات متعددة:
ـ إذا لم تكن عملية التصنيف جيّدة، فستضمّ المجموعة X المفترضة آيات للكتبة (أ،)، (ب)، و(ج)، كما ستضمّ باقي المجموعات القرآنية آيات أخرى لنفس الكتبة، وبالتالي لن يتمكن “نظام العدّ الحسابيّ Algorithme من الكشف عن الفروق المميّزة. وهكذا تفشل المحاولة.
ـ وإذا تمّت عملية التصنيف بشكل جيّد، فإنّ المجموعة X المفترضة ستضمّ آيات للكتبة (أ)، (ب)،و(ج)، ولن تضمّ باقي المجموعات القرآنية أيّة آية لنفس الكتبة، وهذا الفرق يكشفه “نظام العدّ الحسابيّ Algorithme دون التمكّن من التميّيز بين الكتبة (أ)، (ب)، و(ج).
ـ أما إذا كانت الآيات العائدة لهؤلاء الكتبة مختلطة أو متداخلة بعضها ببعض، فلا بدّ عندئذ من دراسة كل آية بمفردها، وهذا ما لا تستطيع فعله “أنظمة العدّ الحسابيّ Algorithmesغير أننا ندرك أن المجموعة المفترضة (X) تعود إلى كتبة آخرين غير كتبة باقي أقسام القرآن، وذلك دون التمكن من تحديد عددهم.
– ولكن إذا جرى التعمّق بعملية التصنيف أكثر فأكثر، فيتبيّن إنّ المجموعات المفترضة (X) و (Y) و (Z) كتبت بريشة نفس الكاتب (أ). غير أنه ليس من السهل جمعها، لأن الأمر يتعلّق أحيانا بنصوص قصيرة يصعب الكشف عنها.
دور المسافة
في علم الرياضيّات، يمكن تصوّر مسافة ما بين هدفين رياضيّين، واعتبارها معادلات، أو أشكال هندسيّة، أو ما شابه. ويالتالي يتم تحديد المسافة بين إشارتين أو توقيعين.
فإذا كانت هناك مسافة بين مجموعتين ضعيفتين، وكان عدد الحروف محدوداً، أقلّ من ألفين، فمن المحتمل، ولكن ليس من المؤكد، أن يكون النصّ لنفس الكاتب.
وإذا كانت المسافة بين مجموعتين ضعيفتين، وعدد الأحرف كافيا، أي أكثر من عشرة آلاف، فمن المؤكد أن يكون النصّ لنفس الكاتب.
وإذا كان عدد الأحرف يتأرجح بين مستوى المعادلتين السابقتين، عندئذ نعبر تدريجيّا من الإحتمال إلى اليقين. وعندما تكون المسافة كبيرة بين المجموعتين، سيكون هناك كاتبان مختلفان أو أكثر، بغضّ النظر عن كون عدد الحروف مرتفعاً لأو منخفضاً. المهم أن يكون العدد كافياً لتحديد واكتشاف الإشارة المميّزة.
المكمّلات اللوغارتميّة
كان هذا الباحث حريصاً للغاية في عمله، إذ تبيّن له بروز عدة احتمالات:
في حال بروز احتمالين ممكنين فقط (أ) و(ب)، فإن الإحتمال (ب) يكمّل الإحتمال (أ). أي إذا بلغ الإحتمال (أ) عشرة بالمائة، فسيبلغ الإحتمال (ب) تسعين بالمائة. وإذا بلغ الإحتمال (أ) واحد بالمائة، فسيبلغ الإحتمال (ب) تسعة وتسعين بالمائة.
حول هذا الأمر يعطي الباحث المثل التالي: عندما نتسلّى بلعبة الرهان (مستخدمين القطعة النقديّة المعدنيّة) ونسحب الوجه أو القفا عشر مرّات متتالية، ونحصل على القفا عشر مرّات، فيكون احتمال حصول ذلك صدفة مع قطعة نقديّة قياسيّة هو واحد بالألف (1/ 1000). أما احتمال أن تكون القطعة النقديّة المستخدمة في لعبة الرهان غير قياسيّة، فهو المكمّل، ويكون بنسبة 999 بالألف.
فعندما تبرز في مجموعة نصيّة إشارة معيّنة إما صدفة، وإما لأنها بقلم كاتب مختلف، فإن احتمال الصدفة هو المكمّل لاحتمال بروز كاتب مختلف. إذا برزت إشارة معيّنة في محموعة نصيّة بنسبة (1 بالألف) بسبب الصدفة، فهذا يدلّ بنسبة 999 بالألف على أن كاتبا مختلفا شارك في كتابة باقي نصوص القرآن.
ما هي النتائج التي توصّل إليها الباحث؟
كشف هذا الباحث عن ست نتائج حسيّة ثابتة تمّ استخلاصها في هذا البحث.
النتيجة الأولى: عدد كتبة القرآن
لو كان كاتب القرآن شخصاً واحدا، فلن تستطيع أية مجموعة مفترضة من نصوصه أن تفرض نفسها، لأن توقيع كاتب واحد قد يبرز في المجموعة المفترضة كما في باقي نصوص القرآن، ولن تبرز أية فروق أو اختلافات بينها. ولكن نجاح مجموعة واحدة مفترضة يكفي للبرهان على وجود عدد لا بأس به من الكتبة لنصوص القرآن.
غير أن هذا الباحث كشف عن أن 26 مجموعة من النصوص من أصل 28 لها احتمالات ضعيفة جدا. فهناك على الأقلّ 21 حالة لا تحظى إلا بواحد بالمليون كي تكون بسبب الصدفة. كما أن المكمّل (999.999 بالمليون) يفيد بأن هذه النصوص هي من توقيع كتبة متعددين.
أما بالنسبة للمسافات فهي تساعد في إعادة توزيع المجموعات ال 28 من النصوص القرآنية على 19 مجموعة من حيث خصوصيّة الأسلوب. وهذا لا يعني بنظر الباحث وجود 19 كاتبا فقط، لأن هذه المجموعات قد تكون من توقيع عدة كتبة، ومن المحتمل أن يتجاوز عددهم الـ 19
من بين المجموعات الـ19، تبيّن للباحث وجود 11 مجموعة قائمة على نصوص قصيرة جدّا لا تحتمل تواقيع عدد كبير من الكتبة أو مكوّنة من مجموعات عدّة. أما الإمكانية كي تكون مجموعتان صدفة من توقيع كاتبين أو ثلاثة فليست فقط ضعيفة جدّا بل ضئيلة للغاية: وكذلك بالنسبة للمجموعات الـ11 من المحتمل جدّا أن تكون من توقيع كاتب واحد. وعندما جرى توزيعهم من حيث عدد الحروف على المجموعات الثماني الأخرى، استنتج الباحث أن عدد كتبة القرآن لن يقلّ عن ثلاثين، ولن يزيد على المائة، وقد يكون عدد الخمسين أكثر احتمالاً.
النتيجة الثانية: المرحلة الزمنية لكتابة القرآن
يقول المسلمون إن القرآن منزل وهو من صنع الله. كتبه إله الإسلام عند خلق العالم منذ أربعة عشر بليون سنة، وباللغة العربية. برزت هذه النظرية في حدود العام 750، وفُرضت في حدود العام 800، ثم جرى الطعن بها بين 814 و837، قبل أن تفرض فيما بعد إلزاميّا.
إنطلق الباحث من المبدأ الأساسي الذي يقضي بأن يكون المتكلّم هو نفسه الكاتب الأصيل. غير أنّه وجد، كغيره من البحّاثة، في هذا المصحف 315 آية لا يمكن نسبها إلى الله. فكلمة “قُل” القائمة في بداية هذه الآيات أو في داخلها، توضح كيفية كتابتها، وتوضح كيف أن هذا الإله يطلب من شخص ما، أن يقول ما يريد هو أن يسمع منه، كما هو الحال في المثلين التاليين:
قل: أتّخذتم عند الله عهدا…” (2 : 80)
“قل: اللهم ملك الملك…” (3 : 26)
كما وجد عدداً آخر من الآيات يصل إلى حدود 135 آية، لا يمكن أيضا نسبها إلى الله، حتى وإن لم تبدأ بكلمة “قل”، مثل:
“رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا” (2 : 186)
“ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” (2 : 201)
ويفترض أن الـ 315 آية المشار إليها أعلاه كتبت قبل العام 750، أي تلك الآيات المضاف إليها كلمة “قل”، والآيات الـ 135 كتبت بين عام 750 و800، أي في الفترة الزمنية عندما تجرأ المعتزلة وطعنوا في نظرية “القرآن المنزل”. هذا ولم تضف إلى هذه الآيات كلمة “قل”. لماذا؟ لأن الإمبراطورية الإسلامية كانت قد توسّعت وامتدّت من الهند حتى الأندلس، ولم يعد ممكنا جمع نسخ القرآن من كلّ الأقطار وحرقها أو إعادة النظر في كتابتها، كما فعل قبل ذلك الحجّاج عام 710 وأيضا الخليفة عثمان في حدود عام 600
إنطلاقا من هذا االواقع، فإن الآيات الـ135 هي من توقيع كاتب آخر. وهذا الأمر لا يمكن حصوله صدفة إلا بنسبة واحد بالمليون. أما النسبة المكمّلة وهي 999.999 بالمليون فتفيد أن كاتب هذه الآيات الـ 135 يختلف عن الكتبة الآخرين.
وهكذا يجزم المهندس والباحث “فالتر” بأن مرحلة كتابة القرآن دامت حوالي مائتي سنة تقريبا، أي في غضون قرنين من الزمن بعد رحيل محمّد عن هذه الأرض.
النتيجة الثالثة: هل من فرق بين مكة والمدينة
إن التمييز في سور القرآن بين سور مكيّة وأخرى مدينيّة لا يرتكز على تقليد تاريخي. لقد أقدم على القول بهذا التمييز علماء اللغة الفرس وذلك بعد مرور قرنين من الزمن على الأحداث. وقد جرى ذلك بالاستناد إلى ظروف معيّنة. فالسور المتضمنة آيات سوسيولوجية أو مرتبطة بنظام الدولة اعتبرت مدينيّة أي منزلة في مدينة يثرب ـ المدينة ، وذلك لأن محمّد كان آنذاك على رأس حكومة. أما السور المتضمنة تعاليم أخلاقية اعتبرت مكيّة أو منزلة في مكّة حيث كان محمّد زعيم بدعة. ونظام الـ (ADT) من شأنه توضيح
هذه المسألة من خلال مقاربتين:
المقاربة الأولى، هو أن ننظر كيف توزّعت المجموعات الـ 19 بين مكّة والمدينة. ففي المجموعات التي تتجاوز العشرة آلاف حرف، نلاحظ نسبة الأساطير العربية تصل إلى 90% في مكّة والآيات المعيارية تصل إلى 80%، بينما الآيات الداعية إلى الحرب فهي مدينيّة بنسبة 80%. أما مجموعات النصوص القرآنية الأخرى فهي مجموعات تنسب إلى مكّة كما إلى المدينة، دون تماثل بارز.
إنطلاقا من هذا المعيار، لا يوجد أي اختلاف يذكر. ولكن تجدر الإشارة إلى أن مجموعات النصوص القرآنية الثلاث المشار إليها اعلاه تميل بشكل أوضح إلى هذا الجانب أو إلى الآخر. أما الأسلوب الخاصّ بهذه المجموعات فيمكن تحديده من قبل علماء الألسنية. من هذه الناحية هذا يعني أن بعض الفقرات أو الآيات المكيّة أو المدينيّة يمكن التمييز بينها من منظار الأسلوب، ولكن لا يمكن تعميم هذا التميّيز المحدود.
المقاربة الثانية، تقضي بالكشف إذا كانت النصوص المنسوبة إلى مكّة أو إلى المدينة هي من تواقيع مختلفة.
وهذا ليس الحال إطلاقا، إذ أن نسبة 96% من نتائج التحليل تفيد بأن الفروقات الضعيفة جدّا هي تقلّبات صدفيّة عابرة. وهذا أمر مهمّ للغاية، لأنّ هذه المجموعات ضخمة. فما ينسب إلى المدينة يتجاوز الـ 200.000 حرف، و ما ينسب إلى مكّة يبلغ 500.000 حرف. في مجموعة أعداد مرتفعة كهذه، فإن أي اختلاف وإن كان ضئيلا، سيبرز حالا للعيان. والمعروف أن نصوصا تتضمن آلافا معدودة من الأحرف تكفي لتحديد تاريخها في زمن لا يحتمل فيه الخطأ أكثر من عشر سنوات. وهذا الفرق في تحديد التاريخ الزمني المنسوب إلى مكّة وإلى المدينة يتوافق مع هذا الاحتمال، خاصّة أننا أمام مئات الآلاف من الحروف.
علاوة على ذلك، كشفت النتيجتان السابقتان عن تاريخية النصوص المكيّة والمدينيّة وأفادت بأن القرآن كتب خلال قرنين من الزمن، وشارك في كتابته حوالي خمسون كاتبا مختلفا، ولم يكتبه شخص واحد خلال عشرين سنة.
إذا، التميّيز بين النصوص المكيّة والنصوص المدينيّة ليس إلا خدعة من قبل علماء اللغة ولا قيمة له إطلاقا.
النتيجة الرابعة: محمّد، الإسلام، وكلمة مسلم
لا يبرز إسم محمّد إلا أربعة مرّات في القرآن، وقد اعتبر منذ زمن طويل بأنّه أقحم في النصّ، أو أضيف في فترة متأخرة لكون هذه الكلمة لا تتناسب مع نمط النصّ الإيقاعي. فالـ “مكوّن المفترض من حيث الأسلوب Composante Stylistique Présumée, CSP يضمّ أربع آيات ورد فيها إسم “محمّد”. وهناك إمكانية واحدة من أصل مليون كي يحصل ذلك بطريق الصدفة. فهناك إذا كاتب واحد أضاف هذا الإسم، ويعتبر ذلك حتما إضافة مقحمة تمّت في فترة متأخرة، قام بها كاتب “محرِّف”.
في الواقع لم يظهر إسم “محمّد” في النصوص الإسلاميّة إلا في مرحلة متأخرة. فأول إشارة لإسمه نجدها على قطعة نقد معدنيّة جرى نقشها عام 685 في مدينة “بيشابور” الفارسيّة، أي ستين سنة بعد وفاة محمّد. ومنذ ذلك التاريخ وُجدت إشارات لإسمه على قطع نقديّة أخرى تعود للخليفة عبد الملك، وعلى منقوشات حجريّة، وكذلك على ورق البردى (البابيروس). وهنا يطرح السؤال: لماذا لا توجد أية إشارة لاسم “محمّد” خلال الستين سنة التي تلت وفاته، ثم بدأ يظهر فجأة؟
فحسب النصوص اليونانيّة التي وصلت إلينا، إن أنصار محمّد الأوّلين كانوا يسمّون (mahgrâyê) وقد ترجمت هذه الكلمة إلى العربية بكلمة “مهاجرون”. كذلك لم يكن محمّد مسلما، لأن كلمة “مسلم” لم تكن موجودة في عصره. فقد كان مهاجرا (mahgrâyê) وعرفت ديانته بـ شريعة mahgrâ فبعد موته بستين سنة يرزت لأول مرّة كلمة “مسلم” التي تعني “الخاضع”، ومن هنا جاءت كلمة “مسلم” وجمعها “مسلمون”. إن الإشارة الأولى لهذه الكلمة تعود إلى سنة 691، عندما نقشت على “قبّة الصخرة”. ليس من الواضح أنّها كانت تشير إلى أتباع الديانة الجديدة، التي لم تكن معروفة في تلك الفترة إطلاقا

. فالإشارات الأولى تفيد بأنها ظهرت على قطعة نقدية معدنية عام 768، وعلى ورق البردى عام 775 في حوليّة تاريخيّة سريانيّة. وقد كان قد مرّ قرنان من الزمن على موت محمّد قبل أن تنتشر عبارة “مسلم” وتعمّم.
في شرعة المدينة، أي الميثاق الذي أبرمه محمّد مع سكّان تلك المحلّة، لا نجد إطلاقا كلمة “مسلم”. أما في النصوص أو الوثائق الغربية فقد وردت هذه العبارة لأوّل مرّة عام 775، أي 150 سنة بعد وصول محمّد إلى المدينة.
وكشف هذا الباحث أيضا عن أنّ محمّدا لم يكن “مسلما”، لأن هذه الكلمة لم تكن موجودة في أيام حياته. كما أنّ محمّدا لم يعلن كنبيّ مؤسس للإسلام إلا بعد مرور ستين سنة من وفاته. كذلك تبيّن له أن كلمتي “إسلام” و”مسلم” أضيفتا في نفس الوقت من قبل نفس الكاتب، أو من قبل كاتب آخر بعد مرور عشر سنوات على ذلك.
النتيجة الخامسة: مصادر الإسلام
توقّف الباحث الفرنسيّ كذلك عند مصادر نشأة القرآن، خاصة من خلال تحليله للنصوص القرآنية التي تتحدّث عن المسيح والنساء والجنّة.
فيما يخصّ المسيح، جمع الآيات التي تتحدّث عنه، وعدد أحرفها 6202، في “مكوّن مفترض من حيث الأسلوب” (CSP) ، فاكتشف أنها من توقيع كاتب واحد. فهي تذكّر بتعاليم لاهوت النصرانيّة القائلة بأن المسيح هو نبيّ، وليس إبن الله، لم يمت مصلوبا، وهو يجلس في السماء منتظرا قدوم ساعة العودة في آخر الأزمنة على رأس الجيوش النصرانيّة ليحتلّ كل أقطار المعمورة لصالح النصارى. أما الفرق الوحيد بين النصرانيّة والإسلام هو أن المسلمين يقولون بأن الإمام المهدي سيأتي على رأس جيوش غفيرة للسيطرة على العالم، وذلك بمساعدة المسيح الذي سيعود من السماء إلى الأرض لمؤازرته.
هنا يلاحظ الباحث أن المسيح والمهدي يشكّلان شخصيّة مزدوجة في الإسلام لما ينسبه النصارى إلى شخص واحد هو المسيح فقط. في هذا المضمار يستشهد الباحث بما ذكره إبن خلدون المؤرخ العربي المشهور، الذي يعتمد على أنس بن مالك، في قوله إن المهدي كان، في بداية الإسلام، المسيح نفسه. وهناك مؤشر هام في هذا التقليد الأصلي وهو أن الإسلام ما زال حتي فى زماننا الحاضر يعتقد بآنّ المسيح، وليس محمّدا، سيعود مرّة ثانية من السماء لمساعدة المهدي.
ثم يتوقّف عند الآيات القرآنية التي تتحدّث عن الجنّة، وعدد أحرفها 9002، وجمعها كذلك في “مكوّن مفترض من حيث الأسلوب” (CSP) فدلّت هي أيضا على أنّها من توقيع كاتب واحد. وتصف كلّ هذه المجموعة التعاليم النصرانية التي تعتبر الجنّة مكانا توفّر فيه باستمرار للمؤمنين الأبرار الحوريّات من النساء الحسناوات والمأكولات الشهيّة. وكذلك يشير الباحث إلى تماثل بليغ بين النصرانية والإسلام، كون الجنّة توفّر أنهارا من الخمر للتقاة من المؤمنين، بينما يحظّر عليهم احتساء الخمرة على هذه الأرض. وهنا يضيف الباحث إلى أن هذا التناقض المبهم في التعاليم الإسلاميّة مبرّر في التعاليم النصرانيّة.
أما الآيات التي تتحدّث عن النساء والبالغ عدد أحرفها 10916، فتبيّن أنّها هي أيضا من توقيع كاتب يختلف تماما عن الذين كتبوا النصوص القرآنيّة الأخرى والذين أدخلوا فيه التعاليم الدينيّة النصرانيّة، مثل تحديد عدد الزوجات بأربعة، والحظر على النساء بالخروج من منازلهنّ إلا في حالات إستثنائيّة ومنعهن من التعاطي بالشأن العامّ، وكذلك حظر السفور عن الرأس.
فكاتب هذه الآيات أسهم في كتابة القرآن فقط في بداية الإسلام وليس لاحقا، لأنّ النصرانية زالت مع نموّ الإسلام وتمدّده. وكذلك البدع القريبة من النصرانيّة زالت هي أيضا بسبب سحقها من قبل “البلدوزر” أو المحدلة الإسلاميّة.
بلإضافة إلى ذلك ركّز السيّد “فالتر” أيضا على الأساطير، والروايات، وليتورجيّة الطقوس النصرانيّة. وخلص بنتيحة واحدة تفيد بأن الإسلام اقتبس في بدايته قسما كبيرا من تعاليمه الدينية عن النصرانيّة. فلم يأت بشيء جديد بل جاء صورة طبق الأصل منقولة عن النصرانية. كما أنّ كاتبا آخر نقل كل هذه التعاليم التي أضيفت على القرآن.
النتيجة السادسة: أساس الإسلام الأوّلي
يوجّه القرآن التوبيخ واللعن على المشركين حوالي 118 مرّة. ويفسّر علماء الإسلام كلمة “مشرك” أو “مشركون” تارة بالمسيحيّين وطورا بالمؤمنين بعدّة آلهة أو بالوثنيّين. ولكن هذا الباحث الفرنسيّ يجزم قاطعا بأنّها لا تعني إلا المسيحيّين الذين يندّد بهم 118 مرّة. ويعود سبب ذلك إلى مفهوم خاطئ عن اللاهوت المسيحي، إذ أن القرآن يتصوّر خطأ أنّ الثالوث في المسيحية يعني “الخالق” و”المسيح” و”مريم”. لذلك لم يتوقّف كاتب القرآن عن استنكار هذا المفهوم واتّهام المسيحيّين بعبادة ثلاثة آلهة. مقابل ذلك، هناك دعوة واضحة لوحدانية الله تتكرّر 123 مرّة في القرآن. أما عبادة الأوثان فلم يندّد بها إلا عشر مرّات في القرآن

.
في ضوء هذه العطيات، يستنتج الباحث تناقضا بارزا، إذ يلاحظ أن الإسلام اللاحق يندّد بالمسيحييّن ويضطهدهم أقلّ مما يفعل بالوثنيّين الذين يحكم عليهم بالقتل بينما يحرم المسيحيّين “فقط” من كل حقّ سياسيّ، ويستعبدهم كما يفرض عليهم الجزية وهم صاغرون. وهنا يتساءل: إذا كان انتقاد المسيحيّين أقلّ وطأة وشدّة مما هو الحال مع الوثنيّين، فما هو إذا سبب التنديد بهم أكثر بكثير من تنديده وتهديده للوثنيّين؟
فإذا كان التوحيد أساس الإسلام، وهذا ما يقال ويردّد باستمرار، فيكون التنديد بالوثنيّين وبالمسيحيّين أمرا طبيعيّا. ولكن ما هو سبب التنديد بالمسيحيّين 118 مرة مقابل عشر مرات من التنديد بالوثنيّين؟
فلو كان التوحيد فعلاً أساس الإسلام، لكان هناك كاتب واحد يدعو إلى التوحيد، وكاتب آخر يندّد بالمسيحيّين والوثنيّين معا أو بكلّ فريق على حدة. وبالعكس لو لم يكن أساس الإسلام في البداية معاداة المسيحيّة وليس التوحيد لما جرى التنديد بالهدف الرئيسي المسيحي أكثر بكثير من الهدف الوثنيّ. وفي هذه الحال، لا بدّ من أن يكون هناك كاتب واحد يندّد بالمسيحيّين ويستغلّ الدعوة إلى التوحيد كسبب للتنديد بهم. وبالمقابل، هناك كاتب آخر كان يندّد بالوثنيّين دون الإهتمام بالمسيحيّين. ومن هنا يبدو واضحا أن الإسلام كان في الأساس دعوة لمعاداة المسيحيّة
خلاصة هذا الكتاب تكشف إذا النقاب عن ستة معطيات رئيسيّة:
1 ـ لا يقلّ عدد كتبة القرآن عن الثلاثين ومن المحتمل بلوغ هذا العدد إلى الخمسين.
2 ـ جرت كتابة القرآن في فترة زمنيّة تصل إلى حدود المئتي سنة.
3 ـ لا قيمة إطلاقا لتقسيم القرآن إلى مرحلتين: مكيّة ومدينيّة
4 ـ لم يعلن عن محمّد كمؤسس للإسلام إلا بعد مرور ستّين سنة على وفاته.
5 ـ الإسلام الأول يقوم على أصول وتعاليم وتقاليد نصرانيّة.
6 ـ أساس الإسلام في البداية لم يكن التوحيد بل معاداة المسيحيّة.
هذا ملخص لما جاء في هذا الكتاب دون تعليق أو انتقاد شخصي. لذلك أرجو من المؤسسات العديدة المتخصّصة بالدراسات الإسلامية والقرآنية في العالم العربي والإسلامي التي لديها إمكانيات مادّية ومؤهلات علمية كافية أن تعمد إلى ترجمة هذا الكتاب إلى العربيّة ونشره وتوزيعه، كي يصبح في متناول المتخصّصين والعلماء والبحّاثة والطلّاب المسلمين، فتسهّل عليهم إمكانيّة الإطلاع على مضمونه وطريقة البحث العلمي المتّبعة فيه ومناقشة الباحث بأسلوب علميّ رصين وبناء والردّ عليه وانتقاد بحثه وتصحيح أخطائه إذا اقتضت الحاجة .
الناقد: موريس صليبا باحث فرنسيّ يطبّق على هذا الكتاب نظام الشّفرة

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *