جرائم أردوغان ضد المسيحيين: ذبح المطارنة بولس يازجي ويوحنا ابراهيم

المصدر: يورو عرب برس وطيبايين

في اليوم الثاني والعشرين من أبريل عام 2013م ،تمّ خطف المطران يوحنا إبراهيم ، مطران السريان الأرثوذكس لأبرشية حلب ،وهو من مواليد مدينة القامشلي عام 1948م ، يحمل بكلوريوس في القانون الكنسي من روما عام 1976م.. ومعهم تم خطف ،المطران بولس يازجي للروم الأرثوذكس وهو من مواليد مدينة الاذقية 1959م ، مهندس مدني من جامعة نشرين، دكتوراه في اللاهوت من جامعة باليونان ،وعميد اللاهوت بدير سيدة البلمند من عام 1994م وحتى عام 2001م.

وفور خطف المطران بولس يازجي وصلت منه رسالة تقول : ” خطفتنا القاعدة… وأخذونا لمكان بتركيا”.

مطران حلب والإسكندرون للروم الأرثوذكس بولس اليازجي شقيق البطريرك اليازجي وكاد ان يُعيّن بطريركًا بدل شقيقه لولا لم تتدخل اللعبة السياسية في اللحظات الأخيرة. له مواقف مؤيدة نوعًا ما للنظام السوري لكنه كان ينتقد أخطاءه في الوقت نفسه، ويقال إن تأييده النظام جاء بعد المجازر التي ارتكبتها الجماعات التي تقاتل تحت اسم الاسلام، وقد أعلن وكرر أكثر من مرة أن الإسلام بريء من هذه الافعال وان الدين الذي أمر بالمعروف لا يمكن ان تصدر عنه أفعال وارتكابات كهذه، كما أنه أسس للقاءات ومؤتمرات عديدة للتقريب بين الديانتين الاسلامية والمسيحية على قاعدة التوافق والشراكة في الوطن العربي الواحد خصوصًا في ظل الهجمة الصهيونية الشرسة.

المتروبوليت بولس يازجي من مواليد عام 1959، وهو مطران أبرشية حلب للروم الأرثوذكس وشقيق البطريرك يوحنا العاشر يازجي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ولد في اللاذقية وحصل على الإجازة في الهندسة المدنية من جامعة تشرين ثم انتقل إلى دراسة اللاهوت حيث حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة تسالونيك في اليونان

ومؤخرا تم القبض على محمد  زاكيروفيتش عبدالرحمانوف (والمعروف ايضا بـ ابو بنات), الذي قام بذبح المطارنة وهو روسي الجنسية سافر الى سوريا عبر تركيا في عام 2012 للانضمام الى الجهاديين, وقاد جماعة “ابو بنات” الارهابية, والتي اصبحت فيما بعد جزءا من الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش): واوضح في شهادته بالمحكمة كيف كان يعمل مع المخابرات التركية في سوريا, وتلقى الاموال والاسلحة والمركبات. وارتكب جريمة قتل اثنين من رجال الدين الارثوذكس في سوريا في 22 ابريل 2013.

والجهادي زاكيروفيتش عبدالرحمانوف عمل لفترة في خدمة وكالة الاستخبارات التركيةMIT, والتي ساعدته على الافلات من التهم الموجهة له عندما القي القبض عليه في عملية مداهمة على تنظيم القاعدة نفذتها اللشرطة التركية.

ابو بنات, الذي شخصته وزارة الخارجية الامريكية في 29 تشرين الاول 2015 كارهابي عالمي من المصنفين تصنيفا خاصا وادرجته في قائمة العقوبات للجنة عقوبات مجلس الامن التابعة للامم المتحدة في 2 تشرين الاول 2015, لم يحاكم بتهم القتل  وذلك بالرغم من الادلة الموثوقة التي اثبتت تواطؤه في جرائم القتل الرهيبة. وعوضا عن ذلك, حوكم فقط بتهمة الانتماء الى جماعة ارهابية وتلقى حكما بالسجن لسبع سنوات وستة اشهر وبانتظار الاستئناف.

قدم ابو بنات و رمضانوف طلبا اللجوء وهما مدرج على قائمة المحظورين من الدخول الى تركيا. بعد ذلك تم اطلاق سراحه, وذهب الى اسطنبول. لم تعرف الشرطة التركية حينها عن تورط ابو بنات في قتل المطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم من حلب, والذين كانا قد اختطفا في 22 نيسان 2013.

عندما بثت قناة الجزيرة فيديو شنيع في 28 حزيران 2013 يشير الى ان المطرانين المختطفين قد تم ذبحهم, ادرك محققو الشرطة التركية الذين يراقبون شبكة القاعدة ان الرجل الذي يظهر في الفيديو يشبه ابو بنات, الذي كان قد اعتقل وثم سمح له بالمرور في احدى نقاط المرور في قونية بتركيا. وخلص المحققون الى ان الرجل في الشريط كان في الواقع ابو بنات وابلغوا شرطة اسطنبول بأنه انتقل الى هناك. بدأت شرطة اسطنبول عملية في الرابع من تموز 2013 واحتجزت ابو بنات الذي كان يقيم في منزل كوشمان مع مادان ورمضانوف. وتم اعتقالهم جميعا.

واثناء عملية البحث في منزل كوشمان ومحله الخاص بتصليح الاطارات, عثرت الشرطة على قنبلتين يدويتين, ثمان قطع من نوع AK-47, و186 رصاصة, وحزام خرطوش, وراديوات لاسلكية, ومسجل فيديو, وثلاث البسة سوداء يعتقد انها استعملت اثناء تصوير عملية قطع الرؤوس. كما واستجوبت امرأة تدعى سوسلان فيبسيف, وهي مواطنة روسية تبلغ من العمر 39 عاما وتعيش في منطقة باشاك شهير في اسطنبول, وكانت ايضا على اتصال بابو بنات. ووفقا لملف التحقيق رقم 1204\2013, فأن المحكمة الجنائية الثانية والعشرون في اسطنول القت القبض رسميا على ابو بنات ورمضانوف وكوسمان, ولكنها افرجت عن ألب وشقيق قوسمان, عبدالله قوسمان تحت اشراف قضائي.

اثناء الاستجواب, اعترف ابو بنات بأنه كان الرجل الذي ظهر في الفيديو الذي اظهر انه قطع رأس الرجلين. واضاف ان هذا الامر يتم بشكل روتيني كل يوم جمعة. ووصف ابو بنات نفسه قائدا لوحدته في سوريا وقال ان وحدات الاتصال اللاسلكية كان يقدمها لهم رجل يدعى ابو كفار (ابو جعفر) الذي كان يعمل في المخابرات التركية. وادعى ايضا ان ابو جعفر كان جزءا لا يتجزأ من وحدته. وشهد رمضانوف بأنه التقى بأبو بنات في سوريا, مضيفا ان ابو بنات كان يقدم تدريبات عسكرية للاخرين. وتم تشخيص ابو بنات على انه الرجل الذي كان يقطع رأس شخص في الفيديو ويساعد في قطع رأس شخص اخر.

كانت التهم الرئيسية في القضية ضد ابو بنات تستند الى العضوية في جماعة ارهابية, ولكن فحص مختبر الشرطة للادلة  بما في ذلك سكين وجد اثناء عمليات البحث, اشارت الى انه كان الرجل الذي ظهر في الفيديو البشع لقطع الرؤوس وان السكين متطابق مع الذي ظهر في المقطع. اراد المدعي العام ادراج تهم اضافية للجرائم ضد الانسانية, والتي تتطلب موافقة مسبقة من حكومة اردوغان.

وفي 6 أغسطس 2013, اصدرت الخارجية التركية رأيا بأن الجريمة هي شان داخلي لسوريا. وكان موقف وزارة الخارجية على النقيض مما قاله وزير الخارجية التركي احمد داؤد اوغلو لمطران اسطنبول للسريان الارثوذكس يوسف جتين الذي زاره في 19 يوليو 2013. وتعليقا على اختطاف رجال الدين, قال داؤد اوغلو ان هذه الانواع من الاعمال ضد رجال الدين هي جرائم ضد الانسانية وتعهد بان تركيا ستواصل بذل كل جهودها لعودتهم سالمين. ومع ذلك, بعد اسبوعين, رفضت وزارته التحقيق الذي اجري مع ابو بنات بتهم ضد الانسانية. كما واخبر داؤد اوغلو ضيوفه ان ابو بنات (الذي اعتقلته شرطة اسطنبول قبل الزيارة باسبوعين) لا علاقة له بخطف المطرانين. لسبب ما, كان يحمي قاتلا دمويا واظهرت مقاطع الفيديو التابعة له انه قطع رؤوس العديد من الاشخاص في سوريا.

في 26 اب 2013 ناقشت وزارة العدل بأن تركيا لم تتكبد اي اضرار من قتل المطرانين في سوريا ورفضت طلب الادعاء بالمضي في تهم اضافية. لماذا؟ لان الحكومة التركية كانت خائفة من يكشف ابو بنات اسرار اردوغان ووكالة المخابرات التركية, التي عملت مع شخصيات بغيضة مثله لسنوات.

كان ذلك جزء من السيطرة على الاضرار من قبل الحكومة, في الواقع, لعب ابو بنات اوراقه بشكل جيد خلال جلسة الاستماع, مدعيا انه كان قد تعاون مع المخابرات التركية عن كثب من قبل ولم يفهم سبب توجيه التهم اليه ومحاكمته الان. الحكومة ووكالة الاستخبارات استملت هذه الرسالة وهرعت الى عقد صفقة معه. تراجع عن تصريحاته السابقة ونفى انه كان الرجل في شريط الفيديو الخاص بقطع رؤوس الابرياء. وقال انه كان يقاتل ضد الاسد وان المخابرات التركية ما كانت لتساعده لو كان قد قتل المطرانين.


لاكثر من عام,.لم تعترف الحكومة التركية حتى ان ابو بنات كان في الحجز. بعد ان طرح مشرع برلماني معارض سؤالا على وزير العدل التركي بكير بوزداك طالبا منه معلومات حول مكان ابو بنات, اجاب بوزداك في 21 اغسطس 2014 بانه مسجون في سجن مالتيب في اسطنبول, حيث يتم احتجاز معظم المعتقلين الاجانب والمحكومين, وان المحاكمة كانت جارية في المحكمة الجنائية العليا الثانية والعشرون في اسطنبول. تذكروا ان بوزداك كان ايضا مشتبها به في تحقيق اجري في كانون الثاني 2014 بتهمة المساعدة والتحريض لتنظيم القاعدة.


ثم ابلغ وزير العدل بوزداك البرلمان بمكان وجود ابو بنات بعد ان ظلت الحكومة صامتة بشأن قضيته لمدة عام. ورفعت المحكمة الجنائية العليا الثانية والعشرون في اسطنبول لائحة بتهم الانتماء لمنظمة ارهابية وحيازة اسلحة نارية وذخائر للمشتبه بهم بما في ذلك ابو بنات, لكن تم تحويل القضية الى المحكمة الجنائية العليا الحادية عشر في باكيركوي, حيث يمكن لوكالة الاستخبارات التركية تأمين نتيجة اكثر ملاءمة. في 16 يونيو 2015, ادين ابو بنات فقط بتهمة الانتماء لمنظمة ارهابية وحكم عليه بالسجن لسبع سنوات ونصف. لم يحاكم ابدا لقتل المطرانين. تم تخفيض عقوبته حتى بسبب السلوك الجيد. وتمت تبرئته من تهمة حيازة ذخيرة غير قانونية. وحكم على شركائه, رمضانوف ومفلت وكوشمان بأحكام مماثلة, بينما تمت تبرئة المتهمين الاخرين.

بالرغم من ان الروس والامريكان قد اتخذوا لهم مصلحة في قضية ابو بنات وفي الواقع تسعى موسكو الى استلامه استنادا الى قضية جنائية اخرى ضده في الشيشان لكن السلطات التركية قد رفضت تلك الطلبات وقررت ان تبقيه في السجن, بعيدا عن انظار المحققين الروس والامريكان. وبحسب ما ورد فأن وزارة العدل التركية رفضت طلبا من المدعي العام الامريكي الذي اراد استجواب ابو بنات في اطار تحقيق تم اطلاقه في الولايات المتحدة. في غضون ذلك, كان استئنافه يتم تعديله باستمرار, ربما عن قصد.

على سبيل المثال, استلمت الدائرة السادسة عشر في محكمة الاستئناف العليا, التي تتعامل مع قضايا الارهاب, الطعن من محكمة ادنى في 31 تموز 2015, لكنها قررت في 1 كانون الثاني 2018 ان ملف قضيته غير مكتمل. اغلقت الاستئناف واعادته الى المدعي العام في محكمة الاستئناف العليا للمراجعة. اعاد المدعي العام ارسال الملف الى الدائرة السادسة عشر في 19 اذار 2018. وحتى اليوم, لم تعين محكمة الاستئناف العليا حتى قاضيا لمراجعة ملف القضية ووضعته في وضع الانتظار جنبا الى جنب مع عشرات الالاف من القضايا التي تنتظر دورها.

انه تكتيك كسب الوقت الذي تستخدمه حكومة اردوغان للتغلب على الضغوط الدولية الناشئة عن قضية ابو بنات خشية ان تكون متورطة بل تم تجريمها لدور وكالة الاستخبارات التركية. لم ترد الحكومة على سؤال برلماني قدمه المشرع المعارض توما سيليك في 28 تشرين الاول 2018 حيث سأل “لماذا لم توجه السلطات اتهامات ضد ابو بنات بتهمة قتل المطرانين. كما وسأل عما اذا كانت هناك اي طلبات رسمية للحصول على معلومات حول تسليم ابو بنات من قبل الدول الاجنبية او الامم المتحدة. رغم ان الحكومة ملزمة بالرد على مثل هذه الاستفسارات في غضون اسبوعي نبموجب القانون التركي, الا ان حكومة اردوغان تجاهلت السؤال بكل بساطة.


وكان المطرانين يرافقهما فؤاد ايليا والسائق دياقوس فتح الله كابود. وعندما مروا في نقطة تفتيش في منطقة المنصورة التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر, تم ملاحقتهم من قبل سيارة من نوع جيب وتم ايقافهم على بعد حوالي 700 متر من قبل ثمان مسلحين بدا انهم قوقازيين او شيشانيين. وقعت عملية الاختطاف في منطقة نائية تقع بين المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر وتلك التي تقع تحت سيطرة قوات النظام السوري. اجبر كابود على الخروج من السيارة وترك خلفهم ليقتل لاحقا, ربما من قبل قناص من قوات النظام. اخذ المسلحون المطرانين وايليا بعيدا عن مكان الكمين.

يعتقد ان المسلحين كانوا جزءا من مجموعة تدعى “جند الخلافة” يقودها ابو عمر الكويتي (المعروف ايضا بأسم حسين لاري) والذي تم استغلاله من قبل وكالة الاستخبارات التركية لتنسيق الهجمات على قوات النظام في المناطق الريفية في حلب. كان ابو بنات قد شغل منصب نائب ابو عمر واقام موقع قيادة في تركيا لفحص الجهاديين الاجانب الذين وصلوا الى سوريا عبر الاراضي التركية. كانت المجموعة تعمل تحت قيادة جيش المهاجرين والانصار (المعروفة سابقا بأسم كتيبة المهاجرين) بقيادة عمر الشيشاني. كانت المجموعة تابعة لتنظيم داعش لفترة من الوقت قبل ان تتعهد بالولاء لجبهة النصرة المدعومة من تركيا.

تم تأكيد معظم المعلومات حول ابو بنات في وثائق الحكومة التركية السرية. على سبيل المثال, ذكرت وثيقة سرية ارسلت الى مديرية شرطة اسطنبول من قبل مديرية الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية التركية في 2 تموز 2013 انه يعتقد ان المطرانين قد اختطفا من قبل مجموعة تعرف بأسم “كتائب المهاجرين” بقيادة ابو بنات. وقالت وزارة الخارجية ان رجال الدين اخذوا اولا الى قرية انكورا في حلب ثم نقلوا  فيما بعد الى سجن سرمد ديريدايز في ادلب ليقوموا بمبادلتهم مع قوات نظام الاسد. شاركت وزارة الخارجية بشكل اساسي نفس المعلومات مع الشرطة في 26 نيسان 2013. بعد اربعة ايام من اختطاف المطرانين من قبل ابو بنات.

ويعتقد المحامي التركي اركان متين, والذي قام بتحريات مكثفة حول اختطاف رجال الدين, انهم قتلوا بعد الاختطاف مباشرة, ليس بقطع الرأس بل بواسطة قنابل موصولة بأجسادهم على يد ابو بنات ورجاله. وقد اثير هذا الادعاء في الاصل في مقال نشر على الموقع الشيشاني المعارض “قوقاز سنتر”واضافة الى ذلك, ادعى متين انه بناء على ابحاثه الخاصة كانت مجموعة ابو بنات مسؤولة ايضا عن اول هجوم كيميائي, الذي وقع في خان العسل في حلب في 19 اذار 2013. ايليا, المواطن السوري الذي رافق المطرانين كان الشاهد الوحيد من المجموعة الذي بقي على قيد الحياة. مكان وجوده مجهول, رغم انه اجرى مقابلة مع صحيفة لبنانية حول خاطفيه بعد الحادث.

وتعد هذه القضية مثالا اخر على كيفية قيام وكالة الاستخبارات التركية بادارة اعمال مشبوهة مع الجهاديين بما في ذلك اولئك الذين قطعوا رؤوس الناس وارعبوا المدنيين الابرياء في سوريا. عندما تم القبض العميل السري, كان محميا من العدالة الجنائية وتم مساعدته ليحصل على عقوبة مخففة بتهم اقل. اذ لم يتم توجيه اي تهم جديدة اليه, واذا لم يحدث اي شيء غير مرغوب فيه اثناء الاستئناف, سيتم اطلاق سراح ابو بنات. في هذه الاثناء, قامت حكومة اردوغان باقصاء محققي الشرطة الذين قاموا بتحديده على انه الخاطف وربطه بتنظيم القاعدة بالاضافة الى النيابة التي ضغطت على التهم الجنائية, وسجن بعضهم بتهم باطلة.


Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *