تفكك العلاقات بين الناس: العلاقات الأسرية والأسباب العميقة (1-3)

كتب وجيه فلبرماير

هناك تطورات سريعة طرأت على المجتمعات الإنسانية في الخمسون عاماً الآخيرة وغيرت من طريقة المعيشة وآثرت التقنية الحديثة بشكل كبير على علاقة الافراد بعضهم ببعض بغض النظر عن نوعية العلاقة التي تربطهم.

وتشترك في هذه التغيرات مجتمعات الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء حيث انه بدأت تتفكك العلاقات الإنسانية بين الجميع بشكل غير مسبوق، فعلى مستوى الدول اشتعلت الحروب وعاد سباق التسليح بأسلحة التدمير الشامل، وعلى مستوى الاسر ارتفعت نسبة جرائم الاسرة وعلى مستوى العمل والجيرة بدأ الناس يتوجهون الى الوحدة والعزلة والانفرادية. وهذا غير السلبية الشديدة

من اهم مظاهر التفكك في مجتمعاتنا الحديثة الصراعات الطبقية بين الغني والفقير والصراعات الطائفية بين مختلف الأديان والملل وتصاعد نبرات العنصرية وصراعات الثقافات والحضارات والقوميات.

بل هناك صراع خفي لا ينتبه له الكثيرون وهو صراع من نوع جديد “صراع الجنسين” أي الصراع بين الرجل والمرأة.

وبدون ان نفهم التطورات الجذرية التي حدثت في الظروف الاقتصادية والسياسية والتقنية في العالم اليوم لن نستطيع ان نفهم الأسباب الحقيقية التي ضربت العلاقات الإنسانية في مقتل.

فمثلا تصاعد الصراع الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في مصر سببه الأساسي هو سياسي واقتصادي حيث ان هيمنة المملكة السعودية على مصر اقتصاديا ودينيا خلق مجتمع اكثر طائفة واكثر عنفا.

وسأقتصر هنا في هذا المقال على تفكك الأسرة المصرية بصفة عامة واسبابها الحقيقية وبداية اود ان اذكر مظاهر هذا التفكك الاسرى واشكاله التي نراها اليوم الا وهي:

  • المقاطعة التامة بين الأبناء والاباء
  • جحود الأبناء للأباء واهمال الإباء للابناء
  • التخلي عن الإباء والاقارب المسنين والعجزة
  • ارتفاع نسب الخلافات الزوجية والطلاق والخلع
  • العداءات بين الاخوة الاشقاء
  • ارتفاع نسب جرائم الاسرة
  • ارتفاع نسب الفتيات المسيحيات التي تعتنق الإسلام
  • ارتفاع نسب علاقات الحب بين أصحاب الديانات التي تعادي بعضها
  • ارتفاع نسب الأطفال اللقطاء وأطفال الشوارع
  • المقاطعة بين الأصدقاء وزملاء العمل والجيران
  • السلبية المطلقة

كل هذه المظاهر موجودة في كل العصور ولكن مايتميز به عصرنا هذا انها زادت عن الحد او أصبحت هي الغالبة حيث اصبحنا تقريبا أسبوعيا نسمع عن اب قتل أولاده او ام قتلت أولادها او زوج قتل زوجته او العكس او ام تركت رضيعها في القمامة او ابن ضرب والدته او والده او اباء قساة لايعاملون أولادهم بالحب والرحمة او ام تهمل في تربية اطفالها.

خلافات اسرية انتشرت بشكل كبير ومعظم العلاقات الزوجية تنتهي بعد سنوات قليلة على صخرة الطلاق والخصام والصراعات واولاد يتركون اباؤهم في بيوت المسنين بلا رعاية لسنوات عديدة واولاد يهربون من بيوت والديهم ولايسألون عن احوالهم بالسنوات، وجيران في حالة عداء مستمر يصل الى التشابك والعنف وحوادث في الشوارع يقف المارة عليها متفرجين ، وخيانات

كل هذه الظواهر زادت في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ وأصبحت تتصدر العناوين الرئيسية لوسائل الاعلام المطبوعة والالكترونية على الانترنت والفضائيات، بل وأصبحت مادة يومية لمعظم برامج التوك شو المشهورة.

لانستطيع ان نجزم بان التفكك الاسري لم يكون موجوداً قبل خمسون عاماً ولكنه ظهر فجأة ولكن نستطيع أن نجزم بان هناك قواعد وأسس كانت تقوم عليها الأسرة وتلزم كل أطرافها بواجبات وسلوكيات لاتخرج عن المألوف.

أنا ازعم ان العرف والتقاليد والخوف من الفضائح كانت تربط الاسر والاقارب بعضهم ببعض وفي الغالب لم يكن الحب هو الذي يربط الناس بعضهم ببعض، هذا بالإضافة الى ان خضوع المراة للرجل لاسباب اقتصادية تتعلق بالمرأة خلق نوع من الاستقرار الاجباري داخل الاسرة.

الظروف السياسية والاقتصادية لعبت دوراً كبيرا في تفتيت الأسرة فمثلا كانت الاسر معظمها تنتمي الى الطبقات الفقيرة او المتوسطة وتعيش نفس الظروف فكانت هذه الظروف تربطها ولكن بع ان بدأ عصر الانفتاح والسفر للخارج تفاوت المستوى الاقتصادي للاسر فاصبحت هناك اسر صعدت من الفقر للغنى مرة واحدة فانسخلت من كافة اطراف الأقارب والعائلة وتعالت عليها.

كذلك عمل المرأة وتدرجها ي المناصب الهامة كشف علاقة الزواج الاجباري فتمردت الزوجات واكتشفت ان الذي يجمعها بزوجها أي شيء آخر غير الحب فانتشر الطلاق والصراع بين الرجل والمرأة بداية من السبعينات والثمانينات

أيضا من الظروف التي دمرت الاسرة ارتفاع الالتزمات المادية الخاصة بالزواج والاسرة، فكانت شروط الزواج سابقاً اكثر تواضعاً ولكن في الثلاثون عاماً الأخيرة أصبحت ثقيلة الأعباء، شقة تمليك وأجهزة حديثة ومهر وشبكة غالية الثمن ولابد من وظيفة محترمة ومستقرة ، بل واعباء تعليم الأولاد ومصاريفهم بعد الزواج لان التعليم الحكومي تقريبا منهار تماماً ولابد من تخصيص ميزانية للتعليم الخاص.

بالنسبة للأسر المسيحية أصبحت الازمة كارثية لان الكنيسة لم تضع في اعتبارها أي تغيرات سياسية او اقتصادية في المجتمع فهي كنيسة متجمدة لاتتكيف مع الظروف، وكثير من الزيجات المسيحية تكون بطريقة كلاسيكية تقليدية وكما قلت يجمع الزوجين في الغالب اعتبارات التقاليد والقيم الموروثة وعندما تنهار هذه التقاليد الاجبارية يجد الزوجين انفسهما في مواجهة علاقة ابدية بدون حب او رابط حقيقي.

هذا بالإضافة الى انه أجيال كاملة من ابائنا المسيحيين كانت زيجاتهم شبه اجبارية او زواج كبار السن بالقاصرات مع وجود عائلة كبيرة عدد الأطفال فيها يترواح بين 6 إلى 12 طفل وهو مايترتب عليه انقسامات عائلية وصراعات الاخوة بشكل كبير.

الحياة الزوجية لدى الكثير من المسيحيات خاصة من الأجيال القديمة تدفع الى الخيانة الزوجية خاصة في زواج كبار السن من القاصرات وهن على علم انه زواج ابدي لن ينفك أي كانت الأسباب واما حديثي العهد فالطلاق مستحيل ولكن الخيانة الزوجية سهلة.

بالنسبة للاسر المفككة او المتصارعة لدى المسيحيين قد تدفع ببناتها الى اللجوء الى الإسلام او الحل الإسلامي والهروب مع شاب مسلم وقد تكون العلاقة حب حقيقي او مجرد استغلال جنسي وفي النهاية تنشأ اسرة جديدة مفككة.

واحيانا أيضا تتمرد الشابة المسلمة على مجتمعها الإسلامي الذي يتعامل معها وكأنها بهيمة تباع وتشتري وتعشق شاب مسيحي لانه يحترمها ويقدرها كانسانة وهنا تبدأ رحلة العذاب والهروب من مجتمع يطارد المرتدين عن الإسلام وتبدا أيضا عائلة جديدة منكسرة مطاردة من الدولة والمجتمع.

وبدأت تظهر في الأزمنة الأخيرة مشاكل وانقسامات اسرية ليس لها أسباب واضحة وقد تكتب عنها الصحف بانها خلافات بسبب المال او النكد او وجهات النظر ولكن هي في حقيقتها عدم توافق جنسي وعدم التوافق الجنسي يدفع للجرائم في حالات كثيرة.

عليك فقط ان تتخيل انت كرجل فقدت فجأة قدرتك الجنسية مجرد تخيل قد يدفعك هذا الى الجنون لانه بمجرد اطمئنانك بانك رجل طبيعي يجعلك مستقر نفسيا، نفس الشئ عندما يشعر الرجل انه لايشبع زوجته جنسيا هو نفس الشعور بالعجز حتى لو لم يكن مصابا بالعجز، والمرأة التي تظل شهور مع زوجها ولا تصل مرة واحدة لذروتها ونشوتها الجنسية سيصيبها الإحباط القاتل.

لانستهين بان الفشل الجنسي او عدم الانسجام الجنسي بين الزوجين يحطم أي علاقة وقد يصل الى مستوى الجريمة، فمعظم الجرائم التي نقرأ عنها في الصحف داخل الاسرة ولانفهم أسبابها عادة يكون السبب عدم الانسجام الجنسي بين الرجل والمرأة.

جزء كبير من التفكك الاسري كان موجودا أيضا في الماضي ولكن لم تكن هناك تجارب او عوامل تكشفه او تعريه فكان الجميع مجبر على السير على ماهو فيه حسب التقاليد والعرف والحفاظ على سرية وسمعة الاسرة وعندما تغيرت الظروف والسياسة والأوضاع الاقتصادية كشفت وعرت هذا التفكك بشكل أوسع.

ويمكن ان نلخص كل المشاكل التي تتسبب في تفكك الاسر حاليا في كلمتين “غياب الحب”

وفي المقال القادم اتحدث عن الصراع الجنسي وصراع المال واثره في تفكك الاسرة

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *